العنوان الكويت والاستراتيجية بعيدة المدى
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1990
مشاهدات 90
نشر في العدد 953
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 06-فبراير-1990
منذ أمد قريب تم
إقرار استراتيجية التنمية بعيدة المدى، والتي أعدها المجلس الأعلى للتخطيط، وكانت
في حقيقتها ثمرة مشاركات لجهود عديدة، سواء من وزارات وإدارات الدولة المختلفة أو
من أعضاء ولجان المجلس الأعلى للتخطيط، وهي تعتبر بمثابة المحور الرئيسي الموجه
للخطط الخمسية التي تضعها الدولة وتنفذها خلال فترة زمنية عمرها 5 سنوات لكل خطة،
ويفترض أن تنتهي الخطة الأولى في منتصف هذا العام، لتبدأ الخطة الخمسية القادمة مع
بداية شهر يوليو القادم.
قراءة سريعة
للاستراتيجية تضمنت استراتيجية التنمية بعيدة المدى 7 مرتكزات أساسية شكلت اللحمة
الرئيسية للاستراتيجية، وهذه المرتكزات السبعة تتمثل في:
1. تنمية القوى البشرية الوطنية: وهي تقوم على
تعميق قيم التعليم والتدريب وبناء الإنسان المنتج، وتبني عملية التطوير الإداري،
واختيار سياسة هجرة انتقائية باستقدام عمالة ماهرة.
2. تحقيق التوازن السكاني، وذلك عبر معالجة
الخلل في التركيبة السكانية والمحافظة على معدلات النمو الطبيعي للمواطنين.
3. تنمية المجتمع، ويتأتى ذلك بتعميق مشاعر
الانتماء والولاء لدى المواطن، والاهتمام ببناء الإنسان بتوفير احتياجاته،
والتأكيد على دور المرأة الكويتية كأم وصانعة أجيال، والاهتمام بالنواحي الثقافية
والدينية والروحية والفنية والأدبية وتدعيم الحركة التعاونية وتطويرها.
4. بناء وتنويع قاعدة الاقتصاد الوطني: ويستهدف
بناء قاعدة اقتصادية قوية متنوعة وتعميق وتعزيز المقدرة الإنتاجية.
5. تنمية القطاع الخاص، وهي تتحدد في التحول من
الأهداف التنظيمية للقطاعات المختلفة والتحول من منح الدعم كهبات إلى مقابل أداء
وربط سياسة الدعم بالأهداف الاستراتيجية للمجتمع.
6. التدويل والترسيخ التقني بتحويل الأصول
النفطية إلى قدرات تقنية.
7. انتهاج أسلوب التخطيط: بانتهاج أسلوب
التخطيط، وجعل محور الاستراتيجية هو الإنسان الكويتي.
الواقع...
ومعاكسات التطبيق استراتيجية التنمية، من حيث النظرية، تعد استخلاصًا جيدًا،
وتجميعًا قيمًا لعناصر التخطيط ومرتكزاته، ونعتقد بأنه قد توافرت لها أسباب النجاح
في حال انتظام عقد التطبيق على أرض الواقع، غير أن آمالنا المعقودة عليها، تؤول
إلى التحطم، متى ما عاكست رياح المصالح الخاصة والمحسوبية وما سواها من أمراض
المجتمع، توجه هذه الاستراتيجية وأهدافها ووسائلها. ولذلك، فإن استقراء مستقبل
تطبيق هذه الخطة على اعتبار ارتهان نتيجة تطبيقها بمستقبل الكويت يستتبع أن نضع كل
ما نطرحه من مشاريع وحلول ونظم جديدة وقرارات... إلخ، ضمن إطار هذه الاستراتيجية،
وأن ينبع منها ومن أهدافها، لا أن نقيس مدى ارتباطه بها بعد أن نطرحه.
مثال واقعي...
مرتبط بتطبيق الاستراتيجية حتى نقرب الفكرة التي نطرحها، نضرب مثالًا قريبًا دون
أن نستطرد في مناقشة إيجابيات أو سلبيات الحدث، وهذا المثال هو برنامج التسويات
المطروح حاليًا، والذي طُرحت فيه صيغة حل لمعالجة أزمة المديونيات البنكية، وبغض
النظر - كما قلنا - عن الخوض في بحث إيجابيات وسلبيات هذا الحل، نعتقد من وجهة نظر
مبدئية أن واضعي برنامج التسويات، رأوا فيه معالجة لوضع استثنائي، ولذلك - فيما
نظن - لم تتم مراقبة مدى تطابق أهدافه وغاياته مع أهداف وغايات الاستراتيجية
الموضوعة للمدى البعيد، ولم يتم تتبع آثار تطبيق برنامج التسويات من الناحية
الاقتصادية على تطبيق هذه الاستراتيجية. فالاستراتيجية... على سبيل المثال... جاءت
لتؤكد على زيادة المقدرة على تعبئة وتوجيه المدخرات الوطنية، والبعد بها عن عملية
المضاربة غير المرغوبة اجتماعيًّا واقتصاديًّا، وكذلك جاءت لترفع من شأن حماية
المصالح الاقتصادية العامة للمجتمع، وتوجيه الاقتصاد الخاص الوجهة الصحيحة، غير أن
برنامج التسويات جاء ليحمي في كثير من جوانبه بعض المصالح الخاصة ويقرر إعفاء
مسؤولية بعض المتورطين في الديون البنكية.
مراقبة تطبيق
الاستراتيجية مسؤولية الدولة وإذا كنا قد ابتدأنا حديثنا بالثناء على وضع هذه
الاستراتيجية ومضمون أهدافها فإننا نعتقد بأن شأن مراقبة تطبيقها وحراسة هذا
التطبيق من غوائل الاجتهاد الخاطئ والحلول والمشاريع التي تسير في الاتجاه المعاكس
لها هو الشأن الأهم والأخطر من مجرد صياغة هذه الاستراتيجية وإعدادها. ولذلك نعتقد
بأن من الواجب والضروري أن تُعرض أية مشاريع أو حلول أو قرارات مقترحة، على لجان
التخطيط المختصة، حتى تتفحص مدى مطابقتها لاستراتيجية التنمية واتفاقها مع
أهدافها، تمامًا كما نفعل عندما نحيل هذه المشاريع أو الحلول إلى جهات المراجعات
القانونية، لصياغتها أو إبداء الرأي فيها. ويبقى أن نقول إن ثمرة هذه
الاستراتيجية، لن تصل مرحلة النضوج والإثمار الحقيقي، ما لم تكن أجهزة الدولة
جميعها، حارسة لتطبيقها، وراعية لخطواتها، وآخذة بيدها إلى حيث مراعي الخصب والنماء،
لا الموت والفناء.
ارتفاع الأسعار
يخطف زيادة الرواتب
منذ عام 1982
وحتى نهاية العام المنصرم لم تطرأ أي زيادة تذكر على رواتب الموظفين في الجهاز
الحكومي، وبعد انتظار طويل جاءت الزيادة الأخيرة التي شملت فقط العلاوة الاجتماعية
للعاملين في الجهاز الحكومي، وما أن استبشر المواطنون بهذه الزيادة التي لن تكون
الأخيرة كما صرح المسؤولون حتى اهتزت الأسعار بالسوق المحلي باتجاه الارتفاع
مصحوبة بالتبريرات التي اعتدنا أن نسمعها من بعض التجار كارتفاع العملة والعرض
والطلب والموسم الزراعي غير الجيد في بعض الدول المصدرة والظروف السياسية...
إلخ... من هذه التبريرات التي لم تأت إلا بعد أن تيقن التاجر أو المورد بأن هناك
اتجاهًا رسميًّا بزيادة رواتب الموظفين. فمن السلع الاستهلاكية التي ارتفعت
أسعارها الأجبان البيضاء التي تستوردها الكويت عادة من دول أوروبا الشرقية، وكذلك
الجبن الألماني ارتفع إلى 35%، الزبدة ارتفعت أسعارها إلى 25%، زيت الزيتون التركي
ارتفع إلى 60% والإسباني 20% واليوناني 30%، والبيض المحلي ارتفع بنسبة 30% رغم
أنه إنتاج محلي ليصل سعر صندوق البيض من 6 دنانير إلى 9 دنانير. كما ارتفعت أسعار
الحبوب بنسبة 40%، وسعر كيس الشاي ارتفع من 1.300 دينار إلى 1.900 دينار، كذلك
ارتفعت أسعار مواد البناء (حديد - طابوق - أصباغ - أدوات صحية... إلخ) حيث بلغ
ارتفاع بعضها إلى الضعف عن السنوات الماضية مما خلق تذمرًا كبيرًا عند قطاع كبير
من الشباب الذين يقومون بإعداد بيت المستقبل، بل إن بعضهم توقف عن تكملة البناء
بسبب الارتفاع الشامل الذي لم يتمش مع ميزانيته المحدودة، كذلك الارتفاع شمل بعض
الشركات الوطنية التي أُعفيت من الرسوم الجمركية. إذن ارتفاع الأسعار ظاهرة لا
يمكن أن نتجاهلها، وقد صرح مدير إدارة حماية المستهلك في وزارة التجارة بأن الدولة
لن تتساهل مع من يستغل الزيادة الأخيرة في ارتفاع الأسعار، وأن الإدارة تستقبل كل
مستهلك يثبت أي تلاعب قد يقوم به التاجر إزاء الأسعار (كلام جميل)، لكن التاجر
لديه القدرة على خلق التبريرات لإقناع المستهلك البسيط لقبول الزيادة، إضافة إلى
أن المستهلك ليس لديه الوقت الكافي للذهاب إلى إدارة حماية المستهلك، كما أن بعض
المستهلكين لا يعرف إذا كانت هناك إدارة حماية للمستهلك وأين تقع وكيف الوصول
إليها... فالمفروض أن تراقب إدارة حماية المستهلك السوق من خلال موظفيها وأن ترفع
تقارير يومية أو أسبوعية عن وضع السوق والأسعار الموجودة ولا تعتمد الإدارة فقط
على المستهلك الغلبان الذي قد لا يجد متسعًا من الوقت للجلوس مع أفراد عائلته؛
فكيف تريده الإدارة أن يسأل ويذهب إليها ويفتح محضرًا للتحقيق في قضية ارتفاع
الأسعار.... كذلك المفروض أن تلعب الإدارة دورًا في توعية المستهلك من خلال
إعلانات في التلفزيون والإذاعة بدلًا من التقوقع الذي تعيشه الإدارة حاليًا. أما
بالنسبة لاتحاد الجمعيات التعاونية فقد عودنا دائمًا بأن يُلغي الكرة من ملعبه
ويُظهر بأن ليس له دور في ارتفاع الأسعار رغم وجود لجنة لديه مهمتها مراقبة
الأسعار؛ فأين دور هذه اللجنة؟! أم أنها لجنة مجردة من مضمونها... نريد أن نسمع
رأي اللجنة فقط بعد أن أصبح ارتفاع الأسعار حديث جمهور المستهلكين اليوم.
علي السعدون