; الكنز الذي قتل صاحبه!! | مجلة المجتمع

العنوان الكنز الذي قتل صاحبه!!

الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف

تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1974

مشاهدات 67

نشر في العدد 227

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 26-نوفمبر-1974

الكنز الذي قتل صاحبه!! لقد أنعم الله علينا في هذا الحي بإمام للمسجد أشاع فينا روح المحبة والإخاء والتعاون بما آتاه الله من الحكمة وحسن التوجيه، ولقد أصبحت صلاة المغرب عندنا موعدًا للقاء للاستماع إلى الحديث الذي يلقيه شيخنا عقب الصلاة من كل يوم، فما أجمل أن ترى جموع الشباب والشيوخ تزحف نحو الشيخ لتكون منه قريبة قريبة لتصلها كلماته الصادقة واضحة جلية، ولقد وهب الله شيخنا سعة صدر ودماثة خلق وصبرًا جعلنا نطرح في مجلسه شتى القضايا والآراء، فتراه مستمعًا موجهًا مشاركًا في كل حديث، ولقد كان حديثنا ليلة أمس عن تزايد الأخبار عن ثروات المسلمين التي لا تعد ولا تحصى، فكان الحاضرون يتكلمون ويتناقشون وشيخنا صامت يستمع ومسحة الأسى ترتسم على وجهه لما يسمع. قال أحد الحاضرين إن دولًا إسلامية تمتلك آلاف الملايين في مصارف أوروبا وأمريكا، وإن الدول صاحبة المصارف تحاول الاستيلاء على هذه الأموال بحجة عدم حاجة الدول الإسلامية لها باعتبارها فائضًا عن حاجتها وإلا لما أودعتها المصارف!!، فقال أحد الحاضرين ممن زار معظم هذه الدول: لا حول ولا قوة إلا بالله، والله لقد تجولت في هذه الدول الإسلامية الغنية، فرأيت في أكثرها الفقراء أكثر من الأغنياء، ورأيت معظم مدنها موحشة كأنها قرى مهملة، ورأيت في بعضها وهي ذات الحرارة العالية والرطوبة الخانقة انقطاع التيار الكهربائي أيامًا متوالية، ورأيت بعضها قد بطرت معيشتها وأنفقت أموالها لنشر الفساد والدمار، وأخرى قد أنفقت بسخاء حيث يجب الإمساك وأمسكت بشح حيث يجب الإنفاق، ولست أدري كيف يقال بأن لديها فائضًا من المال وهي لم تزل على هذه الحال! وقال آخر: إذا كان هذا حـــــــال الدول فما بال الأفراد؟ وأعني الأثرياء منهم الذين جمعوا مئات الملايين وعشراتها وأودعوها مصارف الأعداء، منعوا زكاتها، وحرموا أوطانهم من استغلالها، وأنا أتساءل كل يوم: لماذا يلجأ الإنسان إلى جمع هـــــــذه الأكداس من الأموال وهو لن يحتاجها لنفسه حتى ولو عاش المئين من السنين؟ وماذا سيفعل بها إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر؟ هل سيحملها معه إلى القبر؟ هل ستنفعه في الحياة الأخرى حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم؟!! وبعد تعليق هذا وذاك تكلم الشيخ، وعندما يتكلم الشيخ ينصت الجميع، قال: إن هذا الذي تتكلمون فيه حدث مثله منذ أكثر من ألف عام، وحدث قبل ذلك وسيحدث من بعد، ولكن وحتى ندرك عواقب هذا الذي يحدث اليوم، لننصح وندعــــــــــو الوالغين فيه لعل الله يرحمهم فيعيدهم إلى الطريق القويم والسبيل المستقيم سأحدثكم حديث الكنز الذي قتل صاحبه! قال الشيخ: يحكى أن شخصية تاريخية سمراء عاشت في الماضي في قارة آسيا، واتصفت فيما اتصفت به بالجشع والطمع والولع بسفك الدماء، ويحكى أيضًا أن هذه الشخصية السمراء سمعت أن هناك أرضًا غنية تنبت الذهب، وأن فيها سكانًا انحرفوا عن مبادئهم وركنوا إلى الملذات، وأهملوا أمور الدفاع عن أرضهم، وأن هناك حاكمًا يحكمهم قد سمـّـــى عاصمته أرض السلام وجمع فيها من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة!. وأسالت هذه الأنباء لعاب هذا الأسمر، فقرر أن يحتل هذه البلاد ويستولي على أرضها فيكون له نتاجها ثم يستولي على ما كانت أنتجته من قبل مما جمعه أهلها ومما جمعه ذلك الحاكم الأبله، وكان فيما قرره أيضًا أن لا يبقي على وجهها من أهلها أحدًا حتى تكون له خالصة أرضها وذهبها! ويحكى أيضًا أن هذا الأسمر كانت تنتابه لحظات يفكر فيها تفكير الإنسان الحكيم، فتخرج من فِيـــه الحكمة الصائبة التي لو اعتبر بها سامعها وقارئها لكفى نفسه مغبة الوقوع ثانية في قبضة هذا الأسمر الدموي. واجتاح هذا الأسمر البلاد، وقتل العباد، وحطّم كل من وقف في طريقه، فأسال الأنهار بالدماء وأمطر بالجماجم السماء، وجعل من أعلام الحضارة ركامًا، ثم وصل من بعد إلى أرض السلام، وأحاطها بجيوشه الجرارة المتلهفة إلى تغيير الأرض غير الأرض لتدفن في أعماقها الإنسان. وقاومت أرض السلام، ومن أين لها أن تقاوم، لقد أنهكتها من قبل الحروب الداخلية والخلافات الشخصية، لقد أضعفها حب الدنيا ونسيان الأخرى، لقد أمات فيها روح الجهاد انصراف الحاكم عن المحكوم وانشغال العالم بدنياه، قاومت كما يقاوم الطير الذبيح قبل إسلام الروح، وانهال الغزاة على الأسوار يدكونها وعلى النفوس يبيدونها وعلى القصور يسحقونها، وما هي إلا ساعات حتى كانت أرض السلام أرضًا للخراب والدمار، وحتى كان أهلها بين قتيل وشريد وأسير كأن لم يغنوا بالأمس. واقتيد الحاكم الكانز إلى المنتصر الأسمر أسيرًا ذليلًا، وأمر المنتصر بأن يلقى الأسير في خيمة حقيرة بلا ماء ولا زاد. وانفرد عزيز الأمس في خيمته بنفسه، وقد أذهله عن نفسه المصاب.. ومرت الأيام، يوم يومان وثلاث ولا من ينظر إليه أو يكلمه، والطعام قد حرمه، وشربة الماء أصبحت أعز من العقاب في السماء، وأصبح لا يسمع إلا صوت أقدام الحــــــارس الوحيد يذهب ويجيء.. وراودته نفسه أن يكلمه، ولكنه استعلى واستكبر كيف يكلم الحارس بمــا في نفسه وهو الملك الهمام الحاكم الآمر الناهي قبــــل أيام! ولكن الجوع والظمأ لا يفرقان بين حاكم ومحكوم أمير وفقير، فقد عضه الجوع بنابه كما كان بعض الفقراء من قبل فلا يشعر بهم، وأقلقه الجوع فلم ينم كما كان يفعل بالمساكين فلا يستيقظ على أناتهم ولا يستمع إلى شكاتهم.. يا لهذا الجوع الذي انتهك حرمان الأبهة فأذلها.. آه لو كان رجلًا لقتلته.. ولكن من أين لي بالسيف لأقتله..! آه.. أي.. أيها الحارس، أيها الحارس، أريد أن أشرب.. أريد أن آكل..! -ألا تريد شيئًا آخر؟ -لا، لا، شربة ماء وكسرة من خبز فقط! وأبلغ المنتصر الأسمر برغبة الأسير، فأمر أن يجهز له الطعام الذي أشار إليه من قبل، فقد كان ينتظر هذه اللحظة. وانتقل الأسمر السيد ومن ورائه حامل الطعام إلى خيمة الأسير، وجلس السيد فلم يتكلم، وقدم الطبق وفيه الطعام: الذهب! ماذا؟ هذه كانت تعبيرات وجه الأسير وإن لم ينطق بها، وقال السيد المنتصر لأسيره: كل!، وتعجب الأسير وتساءل بذلة الجائع المسكين: وهل يؤكل الذهب؟ وانطلقت الحكمة النادرة من فم المنتصر الأسمر: ما دمت تعرف أن الذهب لا يؤكل، فلماذا احتفظت به ولم توزعه على شعبك وجندك حتى يصونوا لك ملكك الموروث من هجمات جيشنا الجرار؟ ورد الأسير متمتمًا بانكسار: هكذا كان تقدير الله! وألقى المنتصر الأسمر درسًا غفل عنه الناصحون من قبل أو تغافلوا: إن كان هذا من تقدير الله بزعمك وليس من عمل يدك، فما سيجري عليك إنما هو كذلك من تقدير الله. ومات الأسير الثري جدًّا، مات جائعًا جدًّا، ومن قبل كان قد مات في نفسه كل معنى وتصور إلا ما كان من تقديره الفج للذهب اللماع! وقال شيخنا وهو منصرف من مجلسه يهز رأسه في أسى: ويا له من تقدير جر إلى مصير
الرابط المختصر :