العنوان الكمبيوتر... وافد مفيد أم ضيف ثقيل؟
الكاتب ناهد إمام
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1999
مشاهدات 72
نشر في العدد 1348
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 04-مايو-1999
•بعض الزوجات: الكمبيوتر.. زوجة ثانية ومصدر خطر على الأبناء!
•والأزواج يشكون: حريتنا مصادرة في استخدامه بالمنزل
•د. سيد صبحي: الإسراف في التعامل معه يضعف الأبصار ويعطل القدرات الذاتية ويكرس العزلة
•د. عبد الغني عكاشة: وسيلة للتواصل العائلي والدفء الأسري لو أحسن استخدامه
الكمبيوتر وافد تكنولوجي جديد على الأسرة المسلمة لم يقف بتأثيراته عند حد تيسير عمل أحد أفرادها، ومساعدته في تخزين المعلومات، وسهولة الحصول عليها بأقل قدر من الوقت والجهد مع الاطلاع على أحدث المنجزات العلمية، وتوفير خدمات التعليم والتثقيف والتخطيط والترفيه للأسرة حتى بدا بعض الزوجات يشكو من أنه سرق الأزواج، وشغل الأبناء، وقضى على الترابط الأسري، والدفء العائلي!
فما حقيقة هذه المقولات؟ وهل هي صحيحة حقًّا؟ وماذا يكون موقع الكمبيوتر في سياق التطور الاجتماعي للأسرة المسلمة؟ وهل هو إضافة إليها أو خصم منها؟ وأخيرًا: كيف تتأقلم الأسرة مع هذا الوافد أو الغازي أو الضيف الثقيل كما يصفه البعض؟
«كمبيوتر الأولاد موجود فوق الرف.. أما كمبيوتر أبيهم فعند أمه».
هكذا تبدأ يسرية خميس - صحفية - حديثها مؤكدة أنها جربت كل الوسائل في سبيل تقليل مخاطر وجود جهاز الكمبيوتر في بيتها على أبنائها وزوجها، فلم تجد أنجع من أن تقوم بـ «تخزين» الكمبيوتر الأول فوق رف غرفة النوم في حين قالت لزوجها: «أنا في كفة.. والكمبيوتر الخاص بك في كفة»!...
وتضيف كان ابننا الأكبر في السنة الأخيرة من الثانوية العامة، بينما كانت ابنتنا في العام النهائي من الشهادة الإعدادية، في حين كان طفلنا الثالث يدرس في الصف الرابع الابتدائي... ومعنى أن يجلس الواحد منهم إلى الجهاز ألا يقوم من أمامه قبل مرور ما بين أربع إلى ست ساعات يوميًّا وهو ما يضر بمذاكرته ويؤثر على مستقبله.
وعلى الرغم من أن الزوج يعمل مبرمج كمبيوتر، إلا أن هذا لم يشفع له عند زوجته التي قالت: إنني أرفض أن يكون هذا الجهاز الزوجة الأولى لزوجي، يجلس إليها أكثر مما يجلس إلي.. «تعال يا أمي نلعب علي الكمبيوتر. هكذا كان يناديها أنجالها، فترد السيدة يسرية قائلة: ومن يلعب لكم في المطبخ.. والمنزل؟! وتؤكد يسرية خميس أن الأسلوب الذي لجأت إليه كان رادعًا وناجعًا في التوافق مع وجود كمبيوتر في المنزل؛ إذ نظمت ساعات الجلوس إليه ولم تسمح بتجاوزها، ورضي الزوج بالأمر الواقع، وصار وقته في المنزل مخصصًا لي.. وعاد بذلك إلى منزلي الدفء العائلي عبر الجلسات ومأدب الطعام التي تجمع بيننا جميعًا.
ماذا تريد مني زوجتي؟
هكذا يتساءل أحمد ياسين - محلل النظم بالمركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي بالقاهرة قائلًا: إن زوجتي تطلب أن أترك الجهاز لأجلس مع أزواج زميلاتها؛ لنتحدث في موضوعات تبعث على الضجر، إنها تعرف أن جلوسي أمام الكمبيوتر مفيد لعملي؛ إذ وجدت الكثير من الأنظمة والبرامج في الطب والأحياء والعلوم والطباعة والإحصاء والتدريس والترفيه... إلخ. وكلما اكتشفت جديدا، وزففته لها تلقفته على استحياء!
إن هذه الحال - يضيف أحمد ياسين - تختلف تمامًا عن حالنا عندما كنا في الخارج، إذ كانت زوجتي ترحب بالكمبيوتر، وبكل جديد، غير أنها بدأت تبدي سخطها رويدًا رويدًا من وجوده، بل وطلبت مني ألا أمكث أمامه كثيرًا مما شاب العلاقة بيني وبينها بالكدر، وعزائي أنني أستعين به في تعليم الأبناء، كما أنهم يتعاطفون معي، ويشاركونني في الجلوس إليه.
سماح محمد - ربة بيت - تعرض وجهًا آخر للصورة، فتقول: إنها فخورة وزوجها في الوقت ذاته بتمكن أبنائهما من تشغيل الجهاز والمدهش - كما تقول - إن أصغرهم، وعمره 8 سنوات، نجح في إعداد ملفات لمصروفات المنزل، وأوقات التنزه وزيارات الأقارب، ووجبات الغذاء... إلخ، وقدم لنا معلومات قيمة للغاية جعلت حياتنا أكثر نظامًا.
ومن وجهة نظر الأبناء يؤكد محمد فاروق محفوظ - طالب ثانوي بمدينة نصر - أنه يستمتع جدًّا مع الكمبيوتر؛ إذ علمه والده كيفية استخدامه منذ كان في المرحلة الابتدائية، وساعد على ذلك كونه أحد مواد المنهج في هذه المرحلة الدراسية، والمرحلة التالية لها.
كيف نستثمره؟
والآن بعد استعراض آراء جميع أفراد الأسرة: زوجةً وزوجًا وأبناء في جهاز الكمبيوتر کفرد جديد فيها، ما حجم تواجد الكمبيوتر في مصر؟ وانعكاسات وجوده اقتصاديًّا واجتماعيًّاونفسيًّا عليها؟ وهل يمكن استثمار إيجابياته مع التخلص من سلبياته لفائدة الأسرة؟ يؤكد رضا توفيق - المسؤول بإحدى شركات تسويق الكمبيوتر - أن الكمبيوتر امتداد لقوة الإنسان العقلية، وأنه تفوق يخدم الإنسان من حيث السرعة في تخزين المعلومات وتشغيلها وإخراج نتائجها، وكذلك في درجة الاطمئنان على تكرار إجراء العمليات، وفي سعتها لتخزين كميات ضخمة من المعلومات، واسترجاع أي معلومة منها في وقت قصير جدًّا.
وفي الدول المتقدمة يستخدم الكمبيوتر في أغراض منزلية كثيرة. فقد يستخدمه رب الأسرة لتيسير ظروف عمله، وتوفير البيانات والنتائج التي يريد أن يحفظها، أو يدخل عليها معلومات جديدة كل فترة؛ لأنه يخشى عليها من الضياع أو النسيان.
أما بقية أفراد الأسرة - خاصة طلاب المدارس - فيحتاجون إليه لحفظ نماذجهم المهمة أو للعمل بنظام جديد يسهل عليهم الدراسة. وقد يستخدم الكمبيوتر في الحسابات المنزلية من جهة الإنفاق والتوفير، وتحديد احتياجات الأسرة لمدة كبيرة. ومن الممكن - أيضا - أن تستخدمه ربة المنزل في تسجيل ميزانيتها ومعرفة ما تريد شراء من المواد الغذائية أو الأطعمة، بحيث يكون لها جدول تتحرك من خلاله في الشراء والتخزين، وإثبات النفقات.
كيف وليس كمًّا
القضية ليست قضية شراء للكمبيوتر. القضية قضية نظرتنا إلى هذا الجهاز وكيفية توظيفه؟
بهذه العبارة يعقب الدكتور خالد فضالة - خبير الكمبيوتر والمحاضر بأكاديمية السادات للعلوم الإدارية، والمؤلف المتخصص في علوم الكمبيوتر على الرؤية السابقة - قائلًا: الواقع أن النظرة السائدة حاليًا في المجتمعات العربية إلى الكمبيوتر هي على أنه «حلية كمالية»، وليس أداة حياتية، ذلك أن التعامل مع أجهزة الكمبيوتر لا يزال سطحيًّا جدًّا، وتذهب معظم ساعات استخدامه في ممارسة الألعاب دون فائدة علمية أو خدمية تذكر.
ومن عجب - والكلام للدكتور خالد - أنك لو سألت أي مواطن عربي عن الكمبيوتر لأنباك بأنه جهاز مهم جدًّا. فإذا سألته: كيف تستفيد به؟ عندها تكتشف الحقيقة الفاجعة وهي أن معرفة الكبار بالجهاز ضحلة، وأن مهارات الصغار في استخدامه لا تزيد على مهارات الاستخدام الأولية لأدواته، ثم لا شيء سوى ألعاب الكمبيوتر.. وهكذا يتحول الجهاز في المنزل إلى ما يشبه «الأتاري».
ولك أن تتساءل في هذا الصدد أين المردود الثقافي للكمبيوتر على الأسرة العربية وأين استخدام المرأة العربية له في إجراء حساباتها المنزلية، وتسجيل المعلومات المتعلقة بكل فرد من أسرتها جميعًا عليه، وذلك باستخدام البرامج المحاسبية العامة؟
خطورة متزايدة
يتهم الدكتور سيد صبحي - أستاذ ورئيس قسم الصحة النفسية بكلية التربية بجامعة عين شمس - الكمبيوتر بمسؤوليته عن بعض المضار الصحية فيقول: إن الدراسات أثبتت أن التشغيل المستمر للجهاز، والتعرض المتزايد للإشعاعات الكهربائيةالصادرة منه يضعف البصر، ويؤذي المخ.
أما بالنسبة للناحية النفسية، فإن الكمبيوتر أدى إلى الارتباط اللصيق به مما أضعف من شأن الإرادة الخاصة التي يمكن أن تؤدي إلى إعمال الفكر بشكل أكبر.
ومن الناحية العقلية اعتمد البعض على منطق السهولة واليسر، وتدفق المعلومات التي يقدمها الكمبيوتر كخدمة ذائعة الصيت؛ إذ يعطل - بشكل ما من الأشكال ومعنى من المعاني - استخدام العقل خاصة العمليات العقلية والعلاقات السليمة بطريقة كان الإنسان يعملبها قبل اختراع الكمبيوتر بشكل أفضل.
ويعترف الدكتور سيد صبحي بأن هذا الضيف ثقيل الظل قد حرم بعض الزوجات والأبناء بالفعل من الجلوس بعضهم مع بعض في جلسة أسرية - ولو شهرية - يتناغم فيها الآباء مع الأبناء، ويتحاورون معهم، ويغذون أنفسهم تربويًّا ووجدانيًّا من خلال هذا الحوار والأحاديث.
كما أن بعض الزوجات يضقن من هذا التعلق اللصيق بالكمبيوتر الذي جعل بعض الأزواج يهملون زوجاتهم، ويفضلون الجلوس أمام هذا المعشوق الجديد، مما ينبه الأنظار إلى خطورته؛ إذ إن التدخل المتعسف لهذا الضيف الجديد قد أدى إلى تشتت بعض الأفراد داخل الأسرة واستلاب شخصياتهم نتيجة الانشغال به.
فتش عن الزوجة
نعم.... الكمبيوتر وافد تكنولوجي ثقيل الظل إلا أنه بمرور الزمن سوف يصبح جزءا من حياة الأسرة العربية، ولن يمكن الاستغناء عنه. هذه العبارة للراحل الدكتور عبد الغني عكاشة - الخبير الاجتماعي وأستاذ التقويم بالمركز القومي للدراسات التربوية - مواصلًا: حدث هذا أولًا مع الإذاعة أو الراديو، وذلك في أواخر العشرينيات من هذا القرن، وكان هذا الجهاز وقتها خشبيًّا ضخمًا، حاربه قراء القرآن الذين كانوا يتلونه في المقاهي والمنازل؛ إذ وصفوه بـ «الشيطان الرجيم»، إلا أنه أصبح لا غنى عنه بعد ذلك لكل فرد من أفراد الأسرة.
وتلا ذلك ظهور التلفاز الذي جمع أفراد الأسرة من حوله - أيضًا - ومع أنه وسيلة ترفيه وتثقيف وتعليم، إلا أن الأسرة العربية بدأت - للأسف - في فقدان دفئها العاطفي، وعلاقاتها الرحيمة بسببه، باعتبار أنه فرض عليها الصمت والسكون، ومن ثم فقدت الأسرة بالتدريج قيم الحوار الإيجابي المشبع بالعطف والحنان، وبالرغم من أن التلفاز هتك عرض قيم كانت الأسرة العربية تجلها، إلا أنه نجح في تعديلبعض المفاهيم والاتجاهات السالبة.
ثم فرض عليها الانفتاح على المجتمع الخارجي، والتخلي عن تحفظها، فاقتنته بعض الأسر رغبة في الظهور والتميز، وإشباعًا لحب الفضول، غير أنه أثار كثيرًا من المشكلات، ومنها حرص الأزواج الذين استهوتهم تكنولوجيا الاتصالات على السهر معه، فضجت الزوجاتوصرن يعتبرنه زوجة ثانية، أو ضرة لهن في المنزل.
أما الوافد الجديد - يضيف الدكتور عبد الغني - وهو الكمبيوتر أو الحاسب الآلي فهو وافد رفيع المستوى دخل الأسرة العربية بترحاب حذر، فانكب أفرادها في محاولة لتعلم لغته ونجحوا في تشغيله، والتعامل معه باعتباره معلمًا للأبناء، ومسليًا للأسرة.
هذا الوافد الجديد يختلف عن أي وافد إعلامي آخر؛ إذ إن دور الأسرة بالنسبة له ليس دور المتلقي السلبي، كما حدث مع الأجهزة السابقة، وإنما دور «المتعامل الإيجابي»؛ إذ يشترط في مشغله أن يتعلم طرق تشغيله واستخدام برامجه وتلقين الأطفال ذلك مما يمنحهم الثقة بأنفسهم، ويعزز قدراتهم العقلية والنفسية، ويساعد على إنماء مهاراتهم وقدراتهم.
وتتفق البحوث العلمية على أن الطفل الذي يستخدم هذا الجهاز ينمو عقليًّا بشكل أكبر منقرينه الذي لا يستخدمه، كما أنه يزوده بشبكة منظمة من المعلومات الحديثة، والمعتمدة على حصيلة الخبرات التعليمية الأساسية..
أين تكمن المشكلة إذن ؟
تكمن - كما يقول الخبير الاجتماعي - في اتجاهات الأسرة نفسها إزاء استخدام هذه التقنية الحديثة، فلو تخلت عن السمة المظهرية التي لا تغني ولا تشبع، وأخذت باحترام العقل والرؤية المستقبلية البعيدة، لن يكون هناك ضيق أو تبرم من وجوده، لكن المشكلة كيف تواكب الأسرة النمو التقني للمجتمع الإنساني خاصة أن الكمبيوتر صار الآن ضرورة حضارية، ويتعيش من ورائه الآلاف وربماالملايين قريبًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل