العنوان الكلمة التي وجهها سمو الأمير للمواطنين بشأن حل مجلس الأمة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1986
مشاهدات 62
نشر في العدد 774
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 08-يوليو-1986
وجه سمو أمير البلاد الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح مساء الخميس ٢٧ شوال ١٤٠6 الموافق 3/ 7/ 1986 الكلمة التالية إلى المواطنين عبر أجهزة الإذاعة والتلفزيون.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وأنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ (الأعراف: 89) الحمد لله والشكر له والصلاة والسلام على رسوله..
إخواني..
في حياة الشعوب أيام هي عند مفارق مسارها التاريخي، وتفرض عليها المراجعة الشاملة للعلاقات بين المبادئ والممارسات، وبين أهداف الوطن العليا والتصرفات الجزئية التي تمتص الجهود وتشتت النظرة وتفرق الكلمة.
وأحسب أننا الآن نعيش يومًا من هذه الأيام.
أما عن المبادئ فقد آمنا جميعًا بالشورى التي تلقيناها من كتاب ربنا في قوله تعالى: ﴿وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ﴾ (الشورى: 38)، وقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ﴾ (آل عمران: 159).
وعشنا نمارس هذه الشورى على مستوى الأسرة والفريج، والأهل والوطن وديوانياتنا صورة مصغرة لحرية الرأي والحوار، تسودها روح المحبة والقلب المفتوح والباب المفتوح. وكانت هذه الممارسة الشعبية والرغبة في تطويرها إلى صورة حديثة هي الدافع الأكبر إلى تبني نظامنا النيابي.
إخواني:
إن أي نظام يجب أن يوزن بما يحقق للوطن من عطاء، وصورة النظام ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة يرتضيها المجتمع من أجل المحافظة على أصالته والتفتح على ما حوله وبناء مستقبله.
ولقد كان الأمل أن يظل الحوار بين السلطتين التنفيذية والتشريعية حاملًا روح المودة والإخاء من البيئة الطيبة التي نبتا فيها وصعدنا من جذورها، خاصة وأن هناك قضايا أساسية يتصدرها الوضع الأمني والوضع الاقتصادي الذي انحدر إلى مستوى لا يمكن السكوت عليه.
وقد انتظرت طويلًا لعل وعسى أن تتمكن السلطتان بالتفاهم وبالحوار البناء من حل هذه القضايا، ولكن تحول الحوار إلى مساجلات ومشاحنات، وأصبحت مواد القوانين واللوائح أسلحة متبادلة بدل أن تكون سواعد متعاونة، وحجبت الصراعات بغبارها شمس الحقيقة، واختلطت القضايا العامة بالقضايا الخاصة وأصبح النقاش تصفيات لحسابات قديمة، أو تخطيطًا لتطلعات جديدة، وتسجيلًا لمواقف يقصد بها الإعلام لا العلم، والتجريح لا التصحيح، ولم نكتف بمشكلات الكويت الداخلية وهي وحدها كفيلة بأن تستغرق الجهد كله، ولكننا دخلنا في معارك خارجية ليست مفروضة علينا وخلقنا بها عداوات لا داعي لها، وأصبح فينا من يقول ما شاء لمن شاء ناسيًا أو متناسيًا حجم الكويت وأماناتها وقدراتها ومصالحها. فهل نحن بحاجة إلى هذه الجبهات المفتوحة، أليست مشكلاتنا أولى بعنايتنا ومواطنونا أولى بهذه الجهود؟
لقد رأيت صورة الديمقراطية تهتز وممارستها تنحدر وتجذب معها القيم الاجتماعية والسلوكية، ويتفكك معها التماسك الموروث في المجتمع الكويتي.
واضطربت المسؤولية.. وتجاذباتها الأيدي وأصبح المواطن لا يعرف من هم المسؤولون عما يجري من أحداث، لقد نبهت أكثر من مرة بأن الوضع دقيق، وأن مسلسل الإرهاب الذي استهدف ويستهدف الكويت سيستمر، ما لم يتعاون الجميع بهذه الظروف بالذات وقوفًا بوجه كل من يريد للوطن السوء. ولكن للأسف لم يشعر الإخوة الأعضاء بخطورة الوضع كما أراه من موقع المسؤولية.
- إخواني..
هناك حدود ينبغي التزامها للجميع بين موقع المسؤولية وأمانة المسؤولية..
إن الديمقراطية الحقة تنبثق من مبادئ الشورى، وهي حوار هادف وتعاون وتفاهم وقرار حكيم.
الديمقراطية نكران ذات وتضحية، الديمقراطية في دارنا أن تكون الكويت أولًا ونحن جميعًا في خدمتها نحميها بأجسادنا وأرواحنا.
الديمقراطية أن نكون قلب الكويت النابض وعقلها المفكر.. ويدها البيضاء، وإرادتها المستقلة.
- إخواني..
إنني على ثقة من أن ما يجري عندنا إنما هو امتداد لخطط أو أكثر ينطلق من مراكز تأثير دخيلة، وانساق إليه من نساق وهو يدري أو لا يدري.
وانظروا ما حل بغيرنا لتروا كيف استطاعت الفتن أن تعصف بدول كانت آمنة مطمئنة، يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان.
هذا ما حاولوا تنفيذه لاختراق الصف الكويتي ودفعوا الحرية حتى أصبحت فوضى، وهبطوا بالوطنية حتى أصبحت طائفية، وهزوا الثقة التي كانت عصمة مجتمعنا لتصبح بين شکًا بين أبناء الوطن الواحد، ومتى كانت هناك تفرقة بين طائفة وأخرى، كلنا أبناء الكويت.. هي الأم والأب ونحن الدرع الذي يحميها من أعدائها.
ولعل السبب الأكبر في هذا التآمر الظاهر والمستمر أن القرار الكويتي لم يخفض الجبين لأي جهة أو جماعة أو دولة، بل كان وسيظل -بإذن الله- نابعًا من مصالح الشعب الكويتي ومعتزًا بإرادته.
- إخواني..
إن العاقل من اتعظ بغيره وبماضيه، وارتفع فوق حسابات الماضي والتطلعات الذاتية إلى آمال الوطن ومستقبله، وآمن أن حق الكويت هو أولى الحقوق بالأداء.
إننا لا نعزل أنفسنا عما يجري حولنا، ولكننا نصون وطننا من الأخطار ونبني صرح الكويت على صخرة ثابتة وأساس متين.
إخواني..
في بعض المواقف يجد المسؤول نفسه أمام القرار الصعب والحازم، وإذا اشتد الأمر لا يملك إلا اتخاذه لمسؤوليته أمام الله المطلع على ما في النفوس وأمام الشعب الذي أولاه ثقته.
إن العواصف لا ترحم، والأمواج لا تعرف صديقًا، لهذا كان لزامًا علي وفاء للأمانة التي أحملها في عنقي، ومن دافع مسؤوليتي تجاه هذا البلد الطيب والشعب الكريم التي أحملها في عنقي، أن أصدر أمرًا أميريًا بحل مجلس الأمة ووقف بعض مواد الدستور، بعد أن رأينا ما سيحين بوطننا وشعبنا العزيز فيما لو استمرت الأوضاع على ما هي عليه.
وإننا بعون الله وتوفيقه لن نتخلى عن مسيرتنا النيابية التي آمنا بها بما يكفل المحافظة على الكويت وشعبها، ويعمق مشاعر الحب والتضحية لهذا الوطن الغالي، ويحفظ أصالته ووحدته من أي انقسام أو صراعات داخلية، لكي يكون سدًا منيعًا أمام المؤامرات التي تريد النيل من صلابته، وستبقى الكويت وشعبها العربي سندًا لأمتها العربية وقضاياها المصيرية، وعونًا لأمتنا الإسلامية وشريعتها السمحاء، ولكل مخلص أمين على أرضها، أدعو الله -جلت قدرته- أن يعيننا ويهدينا إلى ما فيه خير شعبنا وسلامة بلدنا، إنه سميع مجيب الدعاء، حمى الله الكويت وشعبها من كل شر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأمر الأميري بحل مجلس الأمة
وقف العمل بأربع مواد من الدستور وصدور القوانين بمراسيم أو أوامر أميرية
أصدر سمو أمير البلاد يوم 3/ 7/ 1986 أمرًا أميريًا بحل مجلس الأمة ووقف العمل ببعض مواد الدستور، وفي ما يلي نص الأمر الأميري بحل المجلس..
بسم الله الرحمن الرحيم
أمر أميري بحل مجلس الأمة
فقد شاءت إرادة العلي القدير أن نحمل المسؤولية عن هذا الوطن العزيز، عاهدنا الله وعاهدنا المواطنين أن نعمل على حفظ الكويت من كل سوء.
ولقد تعرضت البلاد لمحن متعددة وظروف قاسية لم يسبق أن مرت مثلها مجتمعة من قبل، فتعرض أمنها إلى مؤامرات خارجية شرسة، هددت الأرواح وكادت أن تدمر ثروات هذا الوطن ومصدر رزقه. وكادت نيران الحرب المستعرة بين جارتيها المسلمتين أن تصل إلى حدودها، وواجهت أزمة اقتصادية شديدة، وبدلًا من أن تتضافر الجهود وتتعاون كل الأطراف لاحتواء هذه الأزمات، تفرقت الكلمة وانقسم الرأي وظهرت تكتلات وأحزاب أدت إلى تمزيق الوحدة الوطنية وتعطيل الأعمال، حتى تعذر على مجلس الوزراء الاستمرار في مهمته.
ولما كانت الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد لن ينقذها منها إلا عمل حاسم وجاد، ولما كانت المؤامرات الإجرامية التي يتعرض لها الوطن لن يوقفها إلا اليقظة التامة، والاستعداد الكامل والوحدة الوطنية الشاملة.
ولما كانت ظروف المنطقة تتميز بالحرج وتحيطها ملابسات دقيقة وخطرة، ولما كان استمرار الوضع على ما هو عليه سيعرض الكويت إلى ما خشيناه ونخشاه من نتائج غير محمودة.
ولما كانت الحرية والشورى نبتًا أصيلًا نما وازدهر منذ نشأت الكويت، وكانت الكويت هي الأصل وهي الهدف وهي الباقية، أما ما عداها فهو زائل ومتغير وفقًا لحاجاتها ومصالحها، فإن استمرار الحياة النيابية بهذه الروح وفي هذه الظروف يعرض الوحدة الوطنية لانقسام محقق، ويلحق بمصالح البلاد العليا خطرًا داهمًا، لذلك رأينا حرصًا على سلامة واستقرار الكويت أن نوقف أعمال مجلس الأمة.
وأصدرنا بذلك الأمر الآتي نصه:
مادة أولى: يحل مجلس الأمة ويوقف العمل بأحكام المواد ٥6 فقرة ۳ و۱۰۷ و ۱۷4 و181 من الدستور الصادر في 11 من نوفمبر 1963.
مادة ثانية: يتولى الأمير ومجلس الوزراء الاختصاصات المخولة لمجلس الأمة بموجب الدستور.
مادة ثالثة: تصدر القوانيين بمراسيم أميرية، ويجوز عند الضرورة إصدارها بأوامر أميرية.
مادة رابعة: على رئيس مجلس الوزراء والوزراء -كل فيما يخصه- تنفيذ هذا الأمر، ويعمل به من تاريخ صدوره وينشر في الجريدة الرسمية.
أمير الكويت
جابر الأحمد
صدر بقصر السيف في ٢٧ شوال ١٤٠٦ ه، الموافق ٣ يوليو ١٩٨٦ م.