; الكلام المرُّ..والطريق الصعب | مجلة المجتمع

العنوان الكلام المرُّ..والطريق الصعب

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 10-نوفمبر-2001

مشاهدات 72

نشر في العدد 1476

نشر في الصفحة 49

السبت 10-نوفمبر-2001

هل هناك كلام أمر من قول الحق وأشد من النطق بالصدق، ولهذا جعل الرسول صلى الله عليه وسلم قائل الحق في مواطن الشدة بطلًا ولو مات مات شهيدًا، فقال: سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله، وقد عرف العلماء الحق فقالوا: هو الفعل والقول الواقع بحسب ما يجب، وبقدر ما يجب، وفي الوقت الذي يجب فهو حقيقة كالسيف وكالشمس في رائعة النهار، لا يتبع هوى ولا يعرف حبيباً أو صديقاً، عليه تقوم العدالة ويستقيم القانون وتسعد الحياة، وبغيره تأسن الدنيا وتفسد وتضيع الحقوق وتخرب الذمم، وصدق الله:  (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾(المؤمنون ، الآية71). ﴿ولكي تستقيم الأمور، وتصير صراطًا قويمًا، أنزل الله الشرائع وبعث وبعث الرسل: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾(يونس ، الآية 82). 

وقال العلماء إحقاق الحق على ضربين أحدهما بإظهار الأدلة والآيات، كما قال تعالى:  ﴿وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا ﴾(النساء ، الآية 91) أي ضجة قوية.

والثاني: بإكمال الشريعة ويثها، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ (الصف ، الآية 8) وجاء الإسلام بهذين الأمرين ليواجه الباطل بهما، وقد أتم الله نوره وصدق وعد الله في العصر الأول وما بعده، فأقام الجماعة المسلمة صورة واقعة على المنهج الإلهي المختار، صورة ذات معالم واضحة وحدود مرسومة، تترسمها الأجيال لا نظرية في بطون الكتب، وأتم نوره فأكمل للمسلمين دينهم، وأتم عليهم نعمته ورضي لهم الإسلام ديناً فطريًا، حبيبًا إلى القلوب ميسر قرآنه للذكر والحفظ، مصان بقدر الله سبحانه، فتمت حقيقة الدين في القلوب وفي الأرض سواء، ولا تزال هذه الحقيقة تبعث بين الحين والحين وتنبض وتنتفض قائمة - على الرغم من كل ما جرى على الإسلام والمسلمين من حرب وكيد وتنكيل وتشريد وبطش شديد – لأن نور الله لا يمكن أن تطفئه الأفواه، ولا أن تطمسه كذلك النيران والطائرات والمدافع، وإن خيل للطغاة الجبارين وللأبطال المصنوعين على أيدي الشياطين، أن القطاف قد دنا، وأن الرياح تجرى كما يشتهون.

 وعلى الرغم من كل ما يرصد لمحاربة الإسلام في أنحاء الأرض من كيد، ومن تحطيم للعمل الإسلامي الناهض في كل بلد من بلاد الإسلام على أيدي من صنعوا صناعة خارجية. على الرغم من ذلك، فإن للإسلام دورته وسيكمل الله نوره ولو كره الكافرون، لا يمكن أن يأذن الله بمحو دينه، كما لا يجوز ترك البشرية من غير بيان وحجة ودين صحيح، يشرف على تهذيبها ويعلمها صباح مساء للراغبين في العدالة وحفظ كرامة الإنسانية، كما أن لها ربًا يجب أن تعبده ولها آخرة يجب أن تعرف أخبارها وتستعد لها. والديانات السابقة أعجز من أن تقود العقول وتحكم العواطف في دنيا تتسع آفاقها، وتزداد انفعالاتها يوماً بعد يوم، ولكن ذلك يحتاج إلى رجال صدق وعزائم صدق، ودعاة صدق.

 يا باري القوس برياً ليس يحسنه         لا تظلم القوس أعط القوس باريها 

إذن فمازال لهذا الدين أدوار في التاريخ البشري يؤديها ظاهرًا بإذن الله على الدين كله تحقيقًا لوعد الله الذي لا تقف له جهود العبيد الضعاف المناكيد مهما بلغوا من القوة والكبد والتضليل.

إن مشكلة أعداء الإسلام وأتباعهم أنهم يحسبون أنه يقبل الاستضعاف وأن طبيعته ممكن تدجينها كأي ملة وأي مذهب، وهذا وهم يوقع الكثيرين في مآزق قاتلة، ويسبب لهم متاعب جمة، نعم قد تكون هناك فترات يغيب فيها الوعي الإيماني ويتناسى فيها العزة المسلمة، ولكن هذا لا يستمر طويلًا، ولا يلبث أن ينتفض الجسد المؤمن ويعود إلى حالته الأولى، ولقد جرب أعداء الإسلام ضده كل أنواع الكبت وسلطوا عليه حتى من بنيه الذين تدربوا في مدارسهم وتربوا في أحضانهم الجم الغفير، وولوهم أمر الناس حتى ملكوا زمام الألسن، وحرموا على المسلمين الكلام المباح والفكر المباح، والعمل الذي يؤدي إلى الفلاح حتى قال شاعرهم:

يا قوم لا تتكلموا إن الكلام محرم            ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوم

 فهل منع ذلك ثورات الشعوب الإسلامية على القهر والاحتلال؟ وهل قضى ذلك على دعوة الإسلام، وعلى التربية الإسلامية، والتعاليم الإسلامية؟ إن من ينظر إلى آي القرآن الكريم وحديث الرسول يعرف من أول وهلة طبيعة الإسلام.

جاء رجل إلى رسول الله ، فقال يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي قال: لا تعطه، قال فإن قاتلني، قال: قاتله، قال أرأيت إن قتلته قال: هو في النار، قال: فإن قتلني، قال: فأنت شهيد، وقال له: من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد». وقال تعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾(البقرة ، الآية190)، نعم لولا ما في الإسلام من مناعة ذاتية حصنته وحصنت معتنقيه ضد عوامل الفناء لذهبوا، وذهب هباء منثورًا.

ولكن وللحقيقة، فالطريق صعب والعقبات كؤود، والباطل مسلح ومجهز ومستعد ويقظ، ويملأ الحقد قلبه، ويريد أن يستحل كل شيء، ويمتهن كل شيء ويأكل ولا يبقى ولا يذر، والأمر يحتاج من المسلمين إلى مثل ذلك خاصة في مثل هذه الظروف حتى لا يؤخذ على غرة, وصدق القائل:

 ومن رعى غنماً في أرض مسبعة               ونام عنها تولى رعيها الأسد

 كما أنه يريد أن يبدل الحقائق، ويقلب المفاهيم، ويُضلل الناس، ومن الغريب أن هناك سماعين له، ولكن هل يؤثر هذا في معنويات العاملين للإسلام لا وألف لا، لأن العامل للإسلام يعمل لربه لا لشهوته، ولدينه لا لعرض من الدنيا، ويقدم بعد ذلك نفسه قرباناً لعل الله يتقبلها منه قبولاً حسنًا، فهل يفهم الآخرون هذا حتى يعيشوا معه في سلام؟ نسأل الله ذلك .

الرابط المختصر :