العنوان الكفاح الإسلامي.. معالم وحقائق
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 11-مايو-2013
مشاهدات 70
نشر في العدد 2052
نشر في الصفحة 39
السبت 11-مايو-2013
مما يجب أن يفهم جيدا، وينبغي أن تعيه الذاكرة الواعية، أن الوقود الإسلامي هو الذي أدار موتورات الحركات التحررية في القرن العشرين، وإلى اليوم، كان المشعل الذي أوقد الحركات النهضوية والاستقلالية ضد الاستعمار، وضد ظلام الجهل والعبودية والقهر، وإن بذور الثورات ضد الاستعمار كانت هي المبادئ والتعاليم الإسلامية وروح الجهاد والاستبسال الايمانية، في مصر، في الهند، في شمال أفريقيا، وإندونيسيا، والبلاد العربية. وفي غيرها من البلاد الأفريقية والإسلامية. حيث كان القرآن الكريم والتمسك به مصدر الثورات، وباعث حركات التحرر فيها، وكان العلماء وطلاب الجامعات والمعاهد الإسلامية رواد الكفاح والفدائيين في العمل على طرد الاستعمار.
وعلى هذا، فلولا الدعوة إلى الإسلام وتعاليمه، ولولا حض المسلمين على مقاومة الاستعمار باسم الإسلام والجهاد في سبيل الله.. ما تفاعلت حركة تحريرية في هذه البلاد، ولذاب مجتمع «العبيد» في خدمة مجتمع «الأحرار»!
فالإسلام في أي بلد - واللغة العربية معه في البلاد العربية - كان جماع التاريخ، ودعاء الأمجاد والكفاح فيها، والقيم العليا لكل شعب من الشعوب، وبذلك حفظ للشعب كيانه وشخصيته ومقومات هذه الشخصية، وطالما ردد رواد الحقائق التاريخية هذا الشعار الذي ورد عن مالك بن أنس رضي الله عنه: «لا يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها»، هذه ظاهرة بلغت حد البديهيات.
وهناك ظاهرة أخرى يجب أن يلتفت إليها، وهي: أن الذين تولوا الحكم بعد التحرر والاستقلال وأداروا البلاد سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا واجتماعيًا كانوا من الذين تثقفوا على يد الغرب «المستعمر»، ولم تكن لهم صلة قوية بالإسلام وتاريخه ودعوته، وفهم مبادئه، فكان الإسلاميون وأصحاب القيم والتضحيات هم قادة الكفاح والاستقلال وتخليص البلاد والعباد من نير العبودية، وكان أصحاب الثقافة الغربية أو الشرقية والاشتراكية. هم الحكام والساسة الذين قطفوا الثمار، وأداروا البلاد، وصاروا أصحاب الكلمة النافذة فيها، بل لا نكون مبالغين إذا قلنا: إنهم ساروا عكس برامج الكفاح تماما، وتنكروا للمبادئ الإسلامية كلية، بل حاربوها وهمشوها واتهموها بما لم يستطعه جند المستعمر وأعوانه، ولاحقوا المجاهدين والمكافحين، وفتحوا لهم السجون والمعتقلات، وكالوا لهم التهم والافتراءات وعلقوا الناشطين في بعض البلدان على أعواد المشانق، وصاروا أحبة وأعوانا لأعداء الأمس من المستعمرين يسمعون منهم، وينتصحون بأقوالهم، وينفذون برامجهم، وقد ساسوا البلاد بسياسة الاستعمار وأشد، وحكموها بقوانين المحتلين وأساليبهم، وأنكى وأضل سبيلًا.
ود خلت البلاد في دوامات الصراع من جديد، حتى أن بلدا مسلما وهو الجزائر فقد مليون شهيد وأكثر في صراعه مع الفرنسيين، وقد قارب المليون في صراعه مع السلطة الحاكمة في فتنة عمياء، وقتال ضروس ولا يعرف من الرابح ومن الخاسر، بل أكثر من هذا إيلامًا مصادرة العمل الإسلامي وتجفيف ينابيعه في التعليم وفي الحياة والمجتمع واتهامه بالإرهاب، تمامًا كما كانت السلطات الاستعمارية والصهيونية تفعل قبل الاستقلال، وزاد على ذلك محاولة عزل الاسلام عن السلطة، وعن المشاركة في التوجه أو الرأي فيما ينفع أو يفيد تلك الأمة المسكينة، فكان القرار الغريب، وهو منع مشاركة الأحزاب ذات التوجه الإسلامي، أي منع قيام أحزاب إسلامية، وهو الأمر الذي كان مباحًا زمن الاستعمار البريطاني والفرنسي والطلياني، ولا تقول به اليوم السند أو الهند أو بلاد تركب الأفيال، أو بلاد الماو ماو، أو الواق واق!
وأما عن حالة البلاد الاقتصادية التي كانت منهوبة في زمن الاستعمار البغيض، فقد زاد النهب والسلب، وعليه مزيد من الديون والفقر والحاجة والعوز في ظل الاستقلال الكبير.
وقد يتساءل الإنسان الغيور، أو الباحث الهصور عن سبب هذا البلاء النازل، والهم
الهابط على الأمم، وعن عوامل هذا الانقلاب، الذي صير المخلص عدوًا، والمسلم مطاردًا، والغريب والقاعد والمتخلف مسيطرًا ومتحكمًا؟ أسباب كثيرة، لا يسع المقام لذكرها أو الحديث عنها، ولعل من أبرزها:
١ - الثقة المفرطة من قبل الإسلاميين في ذئاب تلبس جلود الضأن، وثعالب ترتدي ثياب الواعظين.. وكم أكل الإسلاميون مرات عديدة من بني جلدتهم للأسف، لأنهم كانوا مخلصين ومسالمين وعند كلمتهم.. كان يدبر لهم بليل وتختلق لهم التهم. وتجهز لهم الفخاخ والسكاكين للقضاء عليهم، وكان يجب أن يكون ذلك في ميزانهم في أمة تحتاج إلى الإخلاص، وتتطلع للطهر والشرف والأمانة لبناء نفسها ومواجهة عدوها.
ولكن وبكل حسرة ضخي بهم في ليال سود، وخوف منهم بحقد أسود، وعوديت معهم الشعوب، وامتهنت معهم الأمة، وضاعت الحريات، وأصبحت الطبقات الحاكمة معزولة لا تستطيع أن تأنس لانتخابات أو جماهير، وحبست نفسها في دروع وجدر أمنية وبوليسية. وتوسلت بحماية الأعداء، وصداقة الدخلاء، وناموا على خداع كبير، وأخطار مهولة لهم ولشعوبهم.
٢- عدم الدربة السياسية والحنكة في معرفة ألاعيب الإفك القومي والدولي، والجهل بأنماط السياسات الدولية والصراعات الإقليمية والعالمية، وبأحوال الذات العربية ثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا، ومدى الاختراقات الثقافية والتربوية لهذه الذات التي كان يجب أن يلتفت إليها أولًا.
٣- الاختراقات الأجنبية التي زينت بعداء شديد للبعض تطلعاته الحرام، واستطاعت أن تسيطر ولكن بأسماء قومية. وأن تستعمر ولكن برجال وسلاح وطني.
وبعد.. فإذا كان قادة التحرر يوم قاموا في وجه الاستعمار باسم الله والإسلام لم ييأسوا من كثافة الظلام أو من قوة العدو وعدته، وأعداده، وجبروته، ووحشيته، وقد تم لهم النصر، أفلا يراودهم الأمل اليوم في تحول مجتمعاتهم في وقت ما إلى مجتمعات إسلامية، لا لأن ذلك تطلع يرجى أن يتحقق، وإنما لأن حتمية التاريخ ستعيد الدور من جديد إلى أصحابه، وإلى تمكين هداية الله في عباده، ولأنه، لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.. ولن يستطيع مستعمر أو باغ أو شيطان أن تطفئ بفيه الكليل نور الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف:8)، ولكن.. هل فقه المسلمون الدرس، ووعى العاملون التاريخ، والتفت المخلصون إلى السنن، وفتحوا أعينهم على الثعالب والحيات والعقارب؟ نسأل الله ذلك.