; الكتابة العِرقية لتاريخ النهضة الإسلامية العلمية | مجلة المجتمع

العنوان الكتابة العِرقية لتاريخ النهضة الإسلامية العلمية

الكاتب فيصل عبد الحليم اسماعيل

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-2000

مشاهدات 65

نشر في العدد 1424

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 31-أكتوبر-2000

*التجزئة العرقية لتاريخ النهضة الإسلامية تخرق أسس العلم الإسلامي وتهدر مبادئه وتقلل من شأن علمائه.

*في ظل المواطنة الإسلامية بزغ نور النهضة العلمية الإسلامية.. وبقيت ببقاء دولة العدل والإحسان.

الذين صنعوا النهضة العلمية الإسلامية في القرون الوسطى الميلادية من تاريخ البشرية، فغدا بهم عالمهم الإسلامي مُشرقًا بينما أغرقت أغلب الأمم في ظلام دامس سحيق، لم يفعلوا ذلك بوصفهم عربًا، أو فرسًا، أو هنودًا، أو مغاربة، وإنما لأنهم كانوا مسلمين، أولًا وقبل كل شيء، حتى تلك القلة المعاصرة من العلماء الذين بقوا على غير عقيدة الإسلام، وكان ذلك بعدالة الدين الحنيف، إنما برزوا وبرعوا وأبدعوا لأنهم قد انتموا إلى كيان إسلامي نقي، وكانت تحكمهم فيما أنتجوا تقاليد علمية ومناهج فكرية إسلامية سامية سمحة، والذين ينسبون تلك النهضة إلى قومية عرقية دون أخرى فإنما هم -رغم نبل المقصد في أكثر الأحيان- قد اختاروا لصانعي الحضارة منازل أقل، واستبدلوا لهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، وأعموهم من حيث أرادوا أن يكحلوهم، فليس بعد جمال ورُقي الانتساب إلى الإسلام أو الاستظلال بظله الوارف تجمل أو رُقي أو مفخرة.

وإذا كان جوهر العلم في العصر الإسلامي هو وحدة الوجود، ووحدة الكون، ووحدة الكائنات، فإن في التجزئة العرقية خرقًا لأسسه ومبادئه وانتقاصًا بالتبعية من شأن أولئك الذين قُضي عليهم أن يفصلوا عن الهيكل الإسلامي القوي والقويم والمتماسك، وأن يحصروا بدلًا من ذلك في قوقعة قومية هزيلة متداعية، والعرب مثلًا لم تقم لهم قائمة علمية متميزة، قبل وبعد بزوغ فجر الإسلام، في غير الإطار الزمني للنهضة التي بقيت ما حُفظ الوجود الإسلامي في القلب والقالب، واللغة العربية كان لها كذلك وجودها القديم والباهر والمزدهر قبل الإسلام، ولكنها مع كل ذلك لم تصبح لغة العلم والثقافة والتحضر في العالم المتقدم لقرون عدة إلا من خلال موقعها المتميز الجديد في عصر النهضة الإسلامية كلغة القرآن، وأداة فهم وإدراك وأداء أيضًا للعبادات والشعائر الإسلامية، ولهذه الاعتبارات كلها وجب إنصاف من اختلطت أنسابهم على مترجميهم المحدثين، بجمعهم في نسبهم الأبقى والأرقى بين علماء الحضارة والعراقة والتقاليد والأعراف العلمية الإسلامية الراسخة الرفيعة، دون تمييز عرقي منقص مهين.

بين التجرد والتجني

وإذا كانت كتابة التاريخ علمًا له أصوله ومبادئه ودقائقه التي تحتم على العارف بها، والمقدر لها تجردًا كاملًا عن الهوى عند التفسير والتحليل ودقة وتأنيًا وتحققًا عند الرواية، فإن مهمة المؤرخللعلم تكون أيسر بكثير من مهمة كل من المؤرخ العقائدي «السياسي أو الديني» أو المؤرخ الاجتماعي، وخاصة إذا كان مؤرخ العلم مشتغلًا بأحد مجالاته، والدارس المدقق للمصادر العربية المتداولة حديثًا في تاريخ علوم العصر الإسلامي -خاصة- يقف حائرًا أمام نمط من المعالجة يشكل شبهة ظاهرة تخلع فيها عن عمل أو إنجاز صفته الإسلامية المؤكدة، لكي يلبس عباءة عربية تغير الشكل، ولا يمكن أن تمس حقيقة المضمون، فيهدم بذلك العمل التأريخي من أساسه، وحين يحاول دارس محقق تحليل مثل تلك الظاهرة فإنه يخرج بعدد من التعليلات هي في واقعها علل، لعل من أهمها:

أ - تقليد تلقائي لمفهوم سطحي عشوائي أو متعمد يخلط بين لفظي العروبة والإسلام، فيستعمل أحدهما مرادفًا للآخر أو بديلًا عنه، ومن نتائج هذا الخلط الفاضح لدى قطاع من أهل الثقافة الغربية أن يفهم الإسلام بأنه دين العرب، وملكيتهم الخاصة، وإفراز حضارتهم، وبالتالي فإنهم وحدهم أصحابه والأحق به بينما الثابت أن الإسلام دين الناس كافة، مهما اختلفت طبائعهم وأشكالهم وألوانهم وأجناسهم وشعوبهم وقبائلهم، وتستند الحجة في هذا الإبدال غالبًا على واقع أن الإسلام ظهر في الجزيرة العربية وانتشر منها، والنصرانية من ناحية أخرى ظهرت في أرض فلسطين وانتشرت منها، ومع هذا فإن الفكر الغربي نفسهلا يعتبرها ديانة فلسطينية أو حتى ديانة شرقية.

ب - الالتصاق بالجانب العربي وحده من الوجود الإسلامي كنوع من المجاملة للأقلية المنتمية إلى ديانات مغايرة في الأقطار العربية، لكي يبدو هذا تأكيدًا لروح السماحة والوفاق، وهذه مجاملة على حساب الحق، لا يمكن أن تخدم هدفًا ذا قيمةتذكر لأي من أطرافها.

جـ - مجاراة التيارات القومية العرقية التي فرضتها الحركات السياسية أو الأنظمة المهيمنة في أكثر المنطقة العربية، وهذه غالبًا ما تسعى بعنفوعزم إلى إلغاء الانتماء الإسلامي، ناظرين إليه خلال إدراك عقائدي سياسي محدود ضيق الأفق والفهم والرؤية، وغافلين بهذا عن حقيقة أن الإسلام منهج حياة سوية، وجدوى وجود تحقق به ومن خلاله درجة عالية رفيعة من المواطنة الكريمة الحقة لجميع رعايا الكيان الإسلامي في إدارة وتصريف شؤون ومصالح الأمم، وفي ظل تلك المواطنة العالية الرفيعة كانت النهضة العلمية العظمي حيث بزغ نورها وازدهرت، وبقيت ببقاء دولة العدل والإحسان، وذهبت بذهابها.

النزعة العرقية عكس المنطق

وعندما يقع المرء على أعمال تحمل مثلًا هذه العناوين: العلوم عند العرب (۱) تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه (۲) تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك (۳) محاضرات في العلوم عند العرب (٤) تاريخ الطب العربي (٥) لمحات من التراث الطبي العربي (٦). فإن أول ما يمكن أن يتبادر إلى ذهنه هو أن تلك الأعمال ومثيلاتها تتناول بالدراسة الإسهام العربي في النهضة العلمية الجامعة الشاملة للحضارة الإسلامية، ولقد يتصور المرء من ناحية أخرى أنها تعني بإبراز أهمية خاصة لأفراد من علماء العصر الإسلامي ممن ينتمون إلى الأجناس العربية بين بقية خلائق البشر وشعوب الأرض، وقد أسهموا بعطاء متفرد متميز في صياغة ذلك العصر وتأصيله.

ولكن خيبة أمل الإنسان تعظم حين يتحقق له أن الأعمال المذكورة -وغيرها كثير- لا تتناول الجزء من خلال الكل حسب متطلبات التخصيص والتفصيل والتفرغ، وإنما هي تنسب الكل إلى الجزء وتقلصه فتهون من شأن الاثنين، وكأنها انتزعت حبة لؤلؤ من وسط عقد منظوم يزخر بأثمنالجواهر وأنفس المعادن، فانفرط وتناثر وتبعثر، ثم إذا هي تعود فتجمع القطع كيفما اتفق واتسق، وتحملها في كيس سندسي ناعم لامع، وتهز الكيس مفاخرة، وهي تزهو في طرب بما يصدر عن حركة واحتكاك محتوياته، من أصوات وفرقعات وطرقعات لا تختلف كثيرًا عن شخشخات الحصى، أو حشرجات حديد أو صفيح صدئ.

ويعجب المرء أيما عجب، بل يحار أيما حيرة من إدخال أعلام مثل ابن سينا، والبيروني، والخوارزمي، والرازي، والصوفي، والسرخسي، والبوزجاني، والنسوي، والإسفزاري، بل والكاشي، وعمر الخيام في زمرة جنس وعرق العرب (1، 2، 3) ويبحث المرء عن مبرر لهذا الخلط البين بين طيات هذه الترجمات وغيرها فيجد من أمرها ما يزيد الحيرة، وبينما لا يقدم الكثيرون تفسيرًا للاختيار المعجز الذي يجعل من الفرس والأتراك والأندلسيين عربًا، وكأن هذا التحول بدهي للغاية وواضح للعيان تمامًا، نجد البعض يلوذ بمعايير وتعاريف ومعاذير وذرائع لا نعرف لها في السابقين وجودًا، ولا في واقع عصرنا الحاضر هذا مقابلًا أو تطبيقًا، وأمامنا بين الفئة الأخيرة مثالان نمطيان للمعالجة نجد أولهما في الصفحة الأولى من كتاب تاريخ العلم ودور العرب في تقدمه، وفيه التعريف التالي للعرب: «كما أننا نعني بالعرب كل أولئك الذين ضمتهم الإمبراطورية العربية والوطن العربي الذي امتد يومًا بين مشارف الصين شرقًا ومشارف فرنسا غربًا، ونقصد بالعلماء العرب كل من نشأ منهم في هذه البلاد التي دانت بالإسلام وتكلم أهلها اللغة العربية وكتب وألف في هذه المعارف باللغة العربية.

كنا إنجليزًا

والقبول بصحة ذلك التعريف يجعل منا ومن غيرنا ممن خضعوا لسلطان وهيمنة الإمبراطورية البريطانية إنجليزًا، أي أن المصريين كانوا إنجليزًا في الفترة الزمنية من سبتمبر عام ۱۸۸۲م إلى يونيو عام ١٩٥٤م، وكانوا رومانيين لنحو سبعمائة عام، وإغريقيين لنحو ثلاثمائة عام، وهكسوسًا لأكثر من مائتي عام، وقياسًا على ذلك فإن كلًّا من الأمريكان والهنود والأيرلنديين كانوا أيضًا إنجليزًا لمئات السنين، بينما كتب على الأستراليين والكنديين وشعوب أخرى متفرقة في العالم أن يكونوا إنجليزًا إلى ما شاء الله، وكل هذا لأن الإنجليز كانوا نواة تلك الإمبراطورية البريطانية التي لم تكن تغيب الشمس عنها.

وفي الوقت ذاته، ورغم التعريف المشار إليه فإن الواقع شيء آخر تمامًا، لأن من الشعوب البريطانية من ليسوا إنجليزًا ويؤذي مشاعرهم كثيرًا «إلى حد العنف القاتل أحيانًا» أن يدعوا إنجليزًا: ففيهم شعوب الأسكتلنديين والأيرلنديين والويلزيين، لا هم من الإنجليز ولا الإنجليز منهم في شيء، ولم يقل أحد قط إن اللغة الإنجليزية تجعل من الكاتب أو المؤلف أو المتحدث بها إنجليزيًّا، والمنطقة المحددة في التعريف المشار إليه بذلك هي التي تجمعها تاريخيًّا وحضاريًّا صفة أقطار الخلافة الإسلامية، والعلماء الذين شملهم التعريف أكثرهم من غير العرق العربي، وقلة منهم من غير أصحاب العقيدة الإسلامية، ولكنهم جميعًا كانوا من رعايا منطقة الخلافة الإسلامية الكبرى، ومن أعلام تاريخ حضارتها ونهضتها العلمية.

ونجد مثالًا للنمط الآخر في محاولات تعريفالنسب العربي بالصفحة ٥١ من كتاب يحمل عنوان ابن نفيس فيه ما يأتي: «تعريف الطب العربي، أو ما يطلق عليه هذا الاسم من الأمور الداعية للحيرة، فإذا ما عرفناه بأنه طب شبه الجزيرة العربية لم نسلك جادة الصواب، إذ إنه ظهر وترعرع بعيدًا عنها في العراق والشام ومصر، وفارس والأندلس، وإن سميناه طب الإسلام استبعدنا جماعات الصابئة والمسيحيين واليهود والمجوس والوثنيين الذين برعوا فيه تحت ظل الإسلام، وهكذا تبقى فلا تنتهي أبدًا حيرة صاحب هذا التعريف الذي أوقع نفسه فيها باختياره، حين أراد أن يتجاهل الشمس في بحثه عن مصادر الدفء الأكبر والنور والضياء لكوكب الأرض، ولقد كانت خاتمة تعريفه المختار والمفضل تكفي لإخراجه وإنقاذه من حيرته، إذ تقر وتؤكد أن جميع ما تحقق من إنجاز وبراعة وسبق في العلم لفرد عربي أو غير عربي مسلم أو غير مسلم خلال الفترة المعنية من تاريخ الأمم، إنما تمت في ظل الإسلام».

ومن الجدير بالذكر أن ابن نفيس نفسه تبريزي الأصل والمولد، والنهضة العلمية محل الإبدال ليس لها إذن غير انتماء طبيعي جامع شامل واحد موحد، يتقرر من كونها جانبًا من جوانب الحضارة الإسلامية التي تحرك بها وعمل لها، وفي نطاقها العربي وغير العربي، والمسلم وغير المسلم، في ظل مواطنة تحت راية وعدالة وسماحة الإسلام. وشرف الارتباط بتلك الحضارة ومفاخرها يعلو عند المسهم فيها ودارسها والمقيّم لها فوق كل انتماء عرقي أو عقائدي أو طائفي أو مذهبي، ولن يفيد الملتصق بالعروبة دون سواها، أن يسعى سعيًا يكون من أهدافه أو من نتائجه أن تسلب الحضارة الإسلامية إنجازًا معجزًا خالدًا، لولا روح الإسلام وعظمته ما كان لا على يد عرب، ولا على يد عجم... والله تعالى أعلم.

المصادر

(۱) العلوم عند العرب، قدري حافظ طوقان، مكتبة مصر. القاهرة (١٩٦٠م).

(۲) تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه: عبد الحليم منتصر، دار المعارف القاهرة (١٩٦٩).

(۳) تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك: قدري حافظ طوقان، هدية المقتطف القاهرة (١٩٤١م).

(٤) محاضرات في العلوم عند العرب، عبد الحليم منتصر، معهد الدراسات الإسلامية القاهرة (غير مؤرخ).

(5) تاريخ الطب العربي، يحيى شريف معهد الدراسات الإسلامية القاهرة (غير مؤرخ).

(6) لمحات من التراث الطبي العربي: مرسي محمد عرب، منشأة المعارف الإسكندرية (١٩٧٥م).

الرابط المختصر :