العنوان الكتائب: احمل صليبك واتبعني!
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 02-أبريل-1985
مشاهدات 72
نشر في العدد 711
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 02-أبريل-1985
. مجزرة كتائبية جديدة تسفر عن مقتل جميع المسلمين المعتقلين في مقر البوليس الكتائبي.
. الكنيسة المارونية تعلن تعاونها مع التحرك الكتائبي الأخير.
مضى على تحرك المليشيات الكتائبية التي يقودها سمير جعجع ما يقرب من أسبوعين، تمكنت خلالها من مد نفوذها وسيطرتها على معظم المناطق في لبنان، ورغم هذه السيطرة الكاملة فإن كافة القوى الأخرى الفاعلة على الأرض اللبنانية لا تزال تقف مكتوفة الأيدي، باستثناء بعض التصريحات المستنكرة التي لا يمكنها أن توقف المد الكتائبي المسلح الذي يهدد بإنهاء الوجود اللبناني الموحد؛ ليقيم على أشلائه الدويلات الطائفية التي ستغير الخارطة السياسية للمنطقة العربية.
التوافق الكتائبي الإسرائيلي
رغم المحاولات العديدة من جانب بعض القوى المسيحية لاعتبار تحرك المليشيات الكتائبية بقيادة سمير جعجع تحركًا داخليًّا يتعلق بالساحة المسيحية فقط، إلا أن اتجاهات التحرك الكتائبي خلال الأيام الماضية أثبت عكس ذلك، فقد تحركت مليشيات الكتائب بعيدًا عن المناطق المسيحية في بيروت الشرقية وجونية وكسروان و... باتجاه التواجد المسيحي في الجنوب، حيث قوات الاحتلال الإسرائيلي وقوات العميل المسيحي أنطوان لحْد، وكان التقاء هذه الأطراف دليلًا على التوافق المرسوم الذي يحدد اتجاهات التحرك المسلح للمليشيات الكتائبية.
وفور الإعلان عن امتداد التحرك الكتائبي إلى الجنوب، قامت القوات الإسرائيلية بدعوة سكان القوى المسيحية القريبة من صيدا العاصمة الجنوبية التي تقطنها أغلبية مسلمة، إلى النزوح من هذه القرى والهجرة باتجاه الشريط الحدودي الذي تسعى إسرائيل إلى جعله منطقة مسيحية عازلة بين إسرائيل والمناطق المسلمة في لبنان، وتدعيمًا لجهود المليشيات الكتائبية قامت الطائرات الإسرائيلية بإلقاء منشورات تدعو المسيحيين من سكان الجنوب إلى الهجرة باتجاه الشريط الحدودي لتأمين الحماية اللازمة لهم على حد زعمها، كما دعت تلك المنشورات إلى إقامة كانتون مسيحي في هذا الشريط، ولتدعيم المليشيات الكتائبية في الجنوب أقامت إسرائيل معسكرات لتدريب عناصر هذه المليشيات في منطقة تقع شمالي تل أبيب، بحيث تكون هذه العناصر الكتائبية بمنزلة جدار لمواجهة المقاومة الإسلامية في الجنوب، والمتوقع ونتيجة للحملة المكثفة من جانب المليشيات الكتائبية لتجنيد السكان المسيحيين في صفوفها، أن تعمد إسرائيل إلى تسليم هذه المليشيات المناطق التي ستنسحب منها خلال الفترة القادمة حسب ما أعلنته مؤخرًا.
الهجمتان الكتائبية والإسرائيلية
من أكبر دلائل التوافق الإسرائيلي- الكتائبي، التزامن الملحوظ في الهجمتين الكتائبية والإسرائيلية على المناطق الإسلامية في الجنوب اللبناني، فما إن بدأ التحرك الكتائبي نحو منطقة صيدا التي لم يمض على تحررها من الاحتلال الإسرائيلي سوى بضعة أسابيع، حتى كانت القوات الإسرائيلية تجهز نفسها للعودة مرة أخرى إلى منطقة صيدا، ومع احتدام المعارك بين المليشيات الكتائبية وعناصر الجيش اللبناني المتمركزة في المنطقة والتي تتكون غالبيتها من الطوائف الإسلامية، تدخلت القوات الإسرائيلية إلى جانب المليشيات الكتائبية واجتاحت قواتها معظم القرى في المنطقة وحاضرت مدينة صيدا وجعلتها شبه معزولة عن باقي لبنان، وتم هذا الاجتياح في الوقت الذي كانت الهجمة الكتائبية على القرى المسلمة المحيطة بصيدا قد أفرزت نزوحًا جماعيًّا لسكانها المسلمين البالغ عددهم ٣٠ ألف نسمة من منازلهم باتجاه مدينة صيدا؛ هربًا من المجازر الدموية التي تقوم بها المليشيات الكتائبية وقوات الاحتلال. ومن خلال هاتين الهجمتين الإسرائيلية والكتائبية مع مساعدة قوات أنطوان لحْد، بدأت ملامح تصعيد الأزمة في الجنوب ومحاولة إقامة خطوط مجابهة لفصل المناطق المسيحية الجنوبية عن المناطق الإسلامية.
ويقول نائب مدينة صيدا نزيه البزري إن العمليات الجارية في الجنوب تعني سعي المسيحيين إلى تقسيم المنطقة على أسس طائفية.
وتدل هذه العمليات أن ثمة هدف مشترك يجمع ما بين التحرك الكتائبي والدعم الإسرائيلي، ويتمثل هذا الهدف في تنفيذ خطة لطرد السكان المسلمين من المنطقة الحدودية، وهذا ما جرى فعلًا من خلال نزوح أكثر من ٣٠ ألف مسلم إلى مدينة صيدا، ومن ثم استبدالهم بمسيحيين من سكان إقليم الخروب الذي يشهد حاليًا اشتباكات مستمرة بين المليشيات الدرزية وبين قوات الجيش المكونة من عناصر مسيحية موالية للكتائب. وهنا لا بد أن نشير إلى أن الآلاف من المسيحيين الذين نزحوا من دير القمر قبل عامين تقريبًا حين استولت المليشيات الدرزية على المنطقة، لم يسمح لهم بالعودة إلى مساكنهم رغم ادعاء الوصول إلى اتفاق حول هذا الموضوع في مؤتمر لوزان، وما زالوا حتى الآن مهجرين داخل المناطق المسيحية الأخرى في لبنان.
احمل صليبك واتبعني
هذا الشعار ليس من بنات أفكار كاتب المقال ليدلل به على طائفية التحرك الكتائبي الأخير، إنما هو الشعار الذي ترفعه المليشيات الكتائبية حاليًا عبر ملصقات تم توزيعها في المناطق المسيحية، وهذا الشعار يدل على الحقيقة الكامنة وراء التحرك الكتائبي الذي تشهده الساحة اللبنانية، وهذا الشعار لا يعني فريقًا دون فريق بل إن كافة الأطراف المسيحية في لبنان تلتقي عنده وتلتف حوله، فقد أعرب الناطق باسم الكنيسة المارونية في لبنان عن تعاطفه مع جهود المليشيات الكتائبية التي يقودها حاليًا سمير جعجع لضمان استقلالية الطائفة المسيحية، ويقول البطريرك الماروني بطرس خريش: «إن كل شيء يستطيع سمير جعجع أن يفعله لضمان هذه الاستقلالية فإننا نوافق عليه».
وإن ننسى فلن ننسى تحرك المطران أغناطوس رعد حين شكل التجمع المسيحي الحر في جزين بجنوب لبنان، وأقام يومًا مسيحيًّا أطلق عليه «يوم السلام مع إسرائيل»، ولتنفيذ هذه النظرة الطائفية الحاقدة قامت المليشيات الكتائبية بقتل المسلمين المخطوفين إبان المعارك الأهلية الماضية في أبشع مجزرة جديدة، وقد تمت هذه المجزرة داخل المقر الرئيسي للبوليس الكتائبي في بيروت الشرقية، حيث كان هؤلاء المخطوفون المسلمون معتقلين. ولم تتوقف الاندفاعة الصليبية عند هذه المجزرة، بل عمدوا إلى تفريغ شحنات العداء المختزن في صدورهم في منطقة صيدا، حيث باشروا مؤخرًا عمليات الاقتحام لمساكن المسلمين وقتلهم وهدم منازلهم وطردهم بالتعاون مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، حيث كان اللقاء بين صليبهم ونجمة داود ليمثلا معًا التحالف العدائي التاريخي ضد الإسلام والمسلمين.
وكانت دار الإفتاء في بيروت قد شعرت بخطورة هذا التحرك الكتائبي، فأصدرت بيانًا أشارت فيه إلى مؤامرة الكتائب الجديدة وتعريض لبنان لخطر التقسيم، ودعا البيان إلى توحيد كلمة المسلمين لخوض المعركة ضد التوجه الطائفي للكتائب الذي حاول جعجع وغيره من قادة الكتائب تثبيتها في لبنان.
وقال بيان دار الإفتاء إن حركة الكتائب الأخيرة تُعد تحريضًا واضحًا لنصارى المنطقة لضرب الوحدة الوطنية.
سكوت التواطؤ
رغم مضي حوالي أسبوعين على التحرك الكتائبي الأخير، إلا أن معظم القوى اللبنانية والعربية والدولية لم تتحرك لوقف امتداد هذا التحرك، مما أدى إلى انتشاره في معظم المناطق المسيحية وتمكنه من استقطاب سكان هذه المناطق؛ نظرًا لما يحمله هذا التحرك من شعارات طائفية تتفق مع الاتجاهات النفسية والوجدانية لهؤلاء السكان.
واكتفت جميع القوى بالتصريحات وإصدار البيانات تستنكر فيها وتشجب هذا التحرك الكتائبي، ولم تذهب هذه القوى إلى اتخاذ أي إجراء من شأنه وضع حد أو احتواء هذا التحرك الخطير على عكس ما كان يحدث في الماضي إبان الحرب الأهلية، حيث كان التدخل يتم بسرعة حين يمثل كفة طرف على آخر.
وهذا يعني أن هناك تواطؤًا ما لإتمام الهجمة الكتائبية الأخيرة، وفسح المجال لها لتحقيق أهدافها التي تتفق في النهاية مع أهداف الأطراف المتواطئة.
ولا بد أن نشير هنا إلى أنه في الوقت الذي تتحرك فيه المليشيات الكتائبية في الجنوب لتضرب المناطق الإسلامية؛ بهدف إقامة حاجز بين القوات الإسرائيلية والمقاومة الإسلامية الجنوبية التي كما تزعج الاحتلال الإسرائيلي فإنها تسبب قلقًا شديدًا للمليشيات المسيحية لتعاظم هذه المقاومة وانتشارها في المناطق الإسلامية.
نقول إنه في نفس الوقت نلاحظ على محور إقليم الخروب اشتباكات مستمرة بين المليشيات الدرزية وبين العناصر المسيحية في الجيش اللبناني، وبالتالي فإن التحرك الكتائبي يخدم بصورة أو بأخرى المليشيات الدرزية الطامحة إلى الاحتفاظ بإدارتها لمنطقة الجبل، ومن هنا فإن سكوت بعض الأطراف يشجعنا على اتهامها بالتواطؤ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل