; القيادات المتكاملة هل هي المخرج؟ | مجلة المجتمع

العنوان القيادات المتكاملة هل هي المخرج؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 24-أغسطس-2002

مشاهدات 72

نشر في العدد 1515

نشر في الصفحة 47

السبت 24-أغسطس-2002

لا شك أن هناك فصامًا بين قوى الأمة المختلفة في هذه الأيام، وهذا بلا ريب من أسباب البلاء، بل قل: إن هناك تنازعاً بينها، وتضادًا بين وجهاتها، وهذه كارثة مؤلمة تؤدي إلى خراب ودمار لا مثيل لهما وإلى ضياع مهين: ﴿وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفشَلُواْ وَتَذهَبَ رِيحُكُم﴾ (الأنفال: ٤٦)

 وإذا أرادت أمة من الأمم نهضة أو ريادة فأول ما تقصد إليه هو أن تبحث عن طاقاتها المبعثرة فتجمعها، وعن قواها المتفرقة فتؤلف بينها، وعن سواعدها العاملة فـتـوحـدهـا وتستفيد من عطاءاتها وجهدها في بناء صرحها وتأسيس نهضتها.

وقد من الله سبحانه على هذه الأمة بهذه التوجيهات السامية وهذه المبادئ القيمة فقال سبحانه  ﴿وَٱعتَصِمُواْ بِحَبلِ ٱللَّهِ جَمِيعا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذكُرُواْ نِعمَتَ ٱللَّهِ عَلَيكُم إِذ كُنتُم أَعدَآء فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُم فَأَصبَحتم بِنِعمَتِهِۦٓ إِخوَٰنا وَكُنتُم عَلَىٰ شَفَا حُفرةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنهَا) (آل عمران: ١٠٣) فمثلًا عندنا قيادات دعوية تتميز بالإخلاص والحماس والإقدام، ولكنها وللأسف معتَّمة في الرؤية، كلية في فهم الواقع، عمية عن عثرات الطريق، وتظن رغم ذلك أنها ترى ما بين المشرقين، وتفهم ما بين الخافقين، وتتقدم بهذا الواقع لتغير وتصلح بإخلاصها الكبير، فتقع في أخطاء جسام، فيجعل عدوها المتربص هلاكها في تدبيرها، وحتفها في إخلاصها، فيقضي عليها، ويضيع على الأمة فصيل هي في أشد الحاجة إليه.

وعندنا علماء في الاجتماع والتربية لا يقلون عن غيرهم في أي أمة، ولا عن سواهم في أي شعب، ولكنهم بعيدون عن ثقافة الأمة وعن تراثها وحضارتها فتلقفتهم أيدي الاستعمار ودربتهم على ثقافته، وعلمتهم على نهجه، وغسلت عقولهم بعقاقير مضادة لهويتهم، فجاءوا إلى الأمة بهوية غير هويتها، وبتراث غير تراثها وبادوية غريبة عن عللهم، وظنوا أنهم بيدهم النور الذي سيبدد الظلمات والهدى الذي سيقشع الضلالات، فإذا هم الظلام الذي زاد الأجواء قتامة، والتيه الذي أصاب الأمة شرودًا، والشبهات التي بذرت في الأمة شكوكًا وفرقة.

وعندنا ساسة مدربون مجهزون يعرفون من المحاورات والمداورات ما لا يقل عن أمثالهم، وعندهم من الفهم العالي ما لا ينقص عن سواهم، لهم خبرات ولهم آراء لا تقل حنكة عن نظرائهم في الشعوب، ولكنهم -للأسف- يحال بينهم وبين شعوبهم، أو بينهم وبين أمتهم بأساليب كثيرة منها عدم إدراكهم للغايات والتوجهات التي يعتقدونها ويؤمنون بها، لحساب قوى أتت بهم وحرضتهم وحمتهم وتقف وراءهم ضد شعوبهم، وضد هويتهم ودعاتهم ومفكريهم، فكان هذا الفصام بين تلك القوى نكدًا بكل المقاييس، وكارثيًّا على الأمة كلها، هذا وقد دعا إلى اتحاد تلك القوى وتجمع قياداتها الإمام البنا رضوان الله عليه حيث قال: «لو اجتمع الأزهر بزخمه العلمي، والفرق الصوفية بما فيها من قوة روحية، والجماعات الإسلامية بما عندها من تربية وعمل واستعاد للجهاد، والقوى السياسية المخلصة بما لها من رؤى واستراتيجيات، لبلغت الأمة مجدها وعزها، واستفادت من توجهات بنيها في بناء نهضتها، وحضارتها، والحفاظ على عزتها وريادتها».

ولكن أنَّى لهم ذلك، إذا لم يكن هناك توجه فاعل وإخلاص غامر، وعزم على العمل المجدي النافع وريادة حكيمة تقدر للأمر قدره وتعد له عدته، وتتحمل تبعاته؟! أنَّى لها ذلك، والمؤامرات ضد الأمة تحاك ليل نهار، وهناك سماعون لها وفرحون بها، يعملون على استمرارها، وينفذون مخططاتها في الأمة، وتوجهاتها في المجتمع أني لها ذلك والموازين مقلوبة، والأهواء سادرة، والفساد في القمة، والقهر سمة غالبة، والحرية «عنقاء» غائبة، وأماني بعيدة؟!

 إن اتحاد قيادات الخير هو الحل، وتوجيهها إلى تجميع القوى الخيرة هو سفينة النجاة وما عدا ذلك من الأفكار والأعمال يأتي تبعًا لذلك، وإن كان ذلك شيئًا في منظور الكثيرين. صعبًا، إلا أن وراءه الخير الكثير إذا تخلت تلك القيادات عن تطلعاتها الذاتية وشهواتها الخفية، وسيكون ذلك إن شاء الله، لأن القهر قد ازداد، والبغي قد صار طوفانًا، ودائمًا المصائب تجمعن المصابين، وكثرة اللسع بالنار تجعل الجسد ينتفض ويقفز في الهواء، ويستعين بالله، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج: 40)

الرابط المختصر :