العنوان القوى المنحوسة في العالم الإسلامي إلى أين؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1999
مشاهدات 88
نشر في العدد 1349
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 11-مايو-1999
القوى المنحوسة في العالم الإسلامي إلى أين؟
لعل المثل العامي القديم الذي أطلقه الناس على خايب الرجاء، وعلى من أصيب عقله بالعمى بقولهم: «المتعوس متعوس ولو علقت في رأسه فنوس» ينطبق بشكل شبه كامل على القوى المتحكمة في العالم الإسلامي اليوم إلا من رحم ربك، وكأن هذه القوى تسير عكس الزمن، والحق والإصلاح، وكل ما هو مفيد، فهل ترى معي أن هذا نحس أصاب الأمة بهؤلاء، أم بلاء نزل وجوائح صُبَّت على العباد، بوجود أولئك.
إن الحوادث الجسام التي تمر بالأمة اليوم لو صبت على ميت لأحيته، أو على جبل لرأيته متصدعًا والتقدم الفكري والعلمي والاجتماعي والقانوني، والدستوري، والحضاري الذي طلعت شمسه على الأمم غير الإسلامية، كفيل بإبصار الأعمى وإفهام الغبي، وتحريك الجماد ليبحث عن مخرج، ويلتفت إلى منقذ ويتشبث بمصلح، علَّه يخرجه من ظلامه، وينقذه من ضلاله، وينتشله من ضياعه وجهله، وتأخره وتخلفه، ولكن ويا للأسف، ما يزيده كل ذلك إلا ردة وانتكاسًا، وهذيانًا وإفلاسًا، وخسرانًا وتبديدًا للطاقات، وقتلًا للمواهب وخنقًا للإبداعات التي على يديها يكون انتشال الأمة مما هي فيه. ولعلي أسوق بعضًا من الأمثلة وهي كثيرة ومتنوعة، أينما حللت أو وجهت نظرك هنا أو هناك تجدها متشابهة وخرجت من مشكاة واحدة في كل بلد وقطر ومصر.
فمثلًا في "تركيا" والحديث فيها ذو شجون من ضرب "لحزب الرفاه" إلى مطاردة رجاله المصلحين بل وسجنهم، وقد شهد لهم الشعب وأقرَّت بعبقريتهم الدنيا، وقدموا لبلدهم ما لو استمر من الإصلاحات لخرجت من محنها المزمنة، وأزماتها المستعصية، وما خبر «الطيب أردوغان» رئيس بلدية إسطنبول ببعيد، وهو الذي فعل الأعاجيب في سبيل بلده بنزاهة وتجرد وعبقرية يدفعه إلى ذلك عقيدة إسلامية، وحمية إيمانية، فكانت أسبابًا أساسية، وعوامل جوهرية في القضاء عليه وسجنه وإبعاده عن منصبه بل والحياة السياسية عامةً.
أليست هذه مأساة ونحسًا يرمز إلى حقيقة الصراع المستمر بين هؤلاء المنحوسين، ويدل على النهاية المأساوية التي تدفع إلى البكاء والعويل لإحكام الشر قبضته القذرة على أبطال الخير وسيادة الغباء والرعونة والفساد، ليكون أعلى صوتًا، وأشهر سيفًا، وأجلب خيلًا ورجلًا، وأكثر نفيرًا.
«إن الطيب أردوغان» رئيس بلدية إسطنبول الذي أجمع محبوه وأعداؤه على أنه أطهر وأكفأ وأنشط رئيس بلدية في تاريخ "تركيا" كله. والذي أُدخل السجن الشهر الماضي لتنفيذ حكم ظالم ليس بسبب تقصيره في عمله، أو خيانته لأمانته- المثل صارخ على تحكم قوى النحس والخديعة، وصنَّاع الحيل الكاذبة لفقدانها موازين الحق المجردة ومقاييس الخير والشر، وفي هذا الأسبوع تجري قضية وتمر أحداث أخرى لتغفر الأفواه، وتدير الرؤوس استغرابًا لحجاب امرأة في البرلمان التركي ولو دخلت عارية الجسد لكانت محل استحسان وتقدير وتبجيل، وأكثر وطنية وديمقراطية، ولكنها أرادت أن تلبس لباس دينها وطهرها وعفافها، وهنا تكمن الجريمة وتكتمل التهمة، لأن الفضيلة والعفاف والدين من المحرمات وإن كانت من المباحات في بلاد الدنيا، محرمات مغلظة يتحدث عنها رئيس الجمهورية ويهتز لها الجيش وتقوم لها الدنيا وتثور من أجلها الحكومة وتحرض لذلك الصحف وتدفع من أجلها الغوغاء ليعلنوا استياءهم.
ولقد وصف رئيس الجمهورية التركي دخول النائبة «مروة» إلى قاعة البرلمان بالحجاب بأنه خطر أصولي جديد يهدد العلمانية والدولة ونظامها يا سبحان الله خطر يهدد الدولة والنظام والعلمانية، قطعة من القماش على رأس امرأة خطر يهدد الدولة والنظام، امرأة عفيفة تهدد النظام أي نظام هذا، وأي دولة تلك، وأي نحس هذا، وأي وبال وخبال، ثم يأتي المدعي العام الجمهوري ليقول هو الآخر مستنكرًا دخول «مروة» النائبة إلى قاعة البرلمان وهي مرتدية للحجاب: إنه سيفعل ما يمليه عليه الواجب حيال هذا الأمر الخطير، أنحن في حلم أم في حقيقة أهي أسطورة وخيال، أم عيان وبيان، لا أكاد أصدق أننا ونحن على أبواب القرن الحادي والعشرين نسمع ذلك.
ولكني بعد ذلك الذي أدهش له وأستغرب من الأقوال والأفعال التي شغلت الرأي العام والرئاسة التركية، وشغلت الصحافة الصفراء، ودفعتها إلى تحريض الجمهور من الغوغاء على النائبة المحجبة أذكر طرفًا من حديث تلك النائبة المحجبة في حديثها الصحفي، لينظر ويعلم أي الفريقين خير مقامًا وأحسن نديًا.
قالت النائبة المحجبة «مروة» في حديثها الصحفي الذي أذاعته على الصحفيين من داخل قاعة الإعلام في البرلمان: إنني حين تقدمت للمجلس الأعلى للانتخابات بأوراق ترشيحي كنت مرتدية للحجاب، والصور التي أرفقتها بطلبي كانت لي وأنا محجبة وحينما قمت بعمل الدعاية الانتخابية لحملتي رأتني الجماهير محجبة، لذلك فلن أخلع حجابي مهما كانت الضغوط التي ستفرض علي.
وإن ما حدث لي في البرلمان أول من أمس ومنعي من أداء اليمين الدستوري هو أمر مخالف للدستور التركي، ثم قالت «إن حجابي ما هو إلا تعبير عن عقيدتي والتزامي بأوامر ديني الإسلامي فحسب، وأنا ابنة الوطن تعلمت فيه، وإنني أحاول اليوم أداء دوري والقيام بواجبي تجاه موطني، إلا أن هناك من يحاول عن تعمد عرقلة مسيرتي الوطنية المخلصة والوقوف في وجهي دون وجه حق»، ثم قالت مروة: «إن نساء هذا الوطن مسلمات وأنهن قدمن للبلاد أغلى ما يمكن أن يقدمه إنسان قدمن الشهداء الذين دافعوا عن تراب الوطن تاركين وراءهم أمهاتهم وزوجاتهم وأخواتهم وبناتهم. والكثيرات منهن محجبات والآن لا يستطيع المدعون تحمل أن تأتي واحدة من هؤلاء المضحيات بأغلى ما لديهن وتدخل إلى البرلمان بحجابها».
إن الأمة اليوم في حاجة إلى أمثال «مروة»، تلك النائبة المسلمة التي تتمتع بعقل راجح، وعزيمة قوية، ورباطة جأش وقوة حجة، لا إلى المرأة اللعوب التي تجري وراء الشهوة والمتعة والضياع، وكان يجب أن تشغل تلك الأمة بمصاب المسلمين الأتراك في "ألبانيا وكوسوفا" وما يجري لهم من أهوال تشيب لها الولدان، كما يجب أن تلتفت "تركيا" إلى مصابها في ديونها واقتصادها المنهار وأحزابها الممزقة، واختلاساتها التي تزكم الأنوف، وتأخرها وهوانها ومحاولتها الانتساب إلى "أوروبا"، وتركل وترفض في ذلة وهوان ولا تتحرك، أليس هذا من النحس، فهل ستستمر تلك القوى المنحوسة إلى متى؟ وهل هناك من يسمع في الديار الإسلامية؟ أو هناك من يستيقظ، أو يريد أن يكون منقذًا ومخلصًا من هذا النحس؟! نسال الله ذلك.