العنوان القومية وآثارها في الوطن العربي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1974
مشاهدات 71
نشر في العدد 227
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 26-نوفمبر-1974
القومية وآثارها في الوطن العربي
كيف كانت البداية؟
وما هو الهدف؟
مقدمة الدراسة
هذه دراسة عن الحركة القومية.. والقوميين في الوطن العربي.
تقدمها (المجتمع) لقرائها في حلقات حتى تستبين سبيل الذين أرادوا هدم كيان الأمة وتضليل اتجاهها وحاولوا بعث الجاهلية في شكل عصري تحت شعارات هذه القومية اللادينية.
وتتبع الدراسة نشأة النزعة القومية في الوطن العربي وترصد تطورها.. وتتحدث عن صيغها المختلفة.. وأثرها في الوطن العربي.
وكاتب هذه الدراسة بذل -وهذا واضح من موضوع الدراسة نفسها- جهدًا ملحوظًا في جمع الحقائق والربط بينهما بما يخدم الهدف العام وهو: تنبيه الأجيال الجديدة إلى خطر هذه الردة التي تستدرج الناس تحت شعار عصري.. ولكنها في حقيقتها ردة في التصور والفكر والعقيدة.. والمقومات..
القومية وأثرها في الوطن العربي
تعريف القومية:
القومية مصطلح شائع الاستعمال وكثير التداول على ألسنة الناس، ولكن لا نستطيع أن نقف على تعريف واحد ثابت بالنسبة للقومية بين جمهرة الفرق التي نادت بها في العالم وذلك بسبب اضطراب واختلاف التفسير القومي لدى فلاسفة أوروبا الذين هم أول من حمل لواء الدعوة إلى القوميات.
وسنعرض تعريفًا قد يكون شاملًا نوعًا ما لدى القوميين:
»القومية شعور وأواصر تربط جماعة من البشر وتدعوها إلى إرادة تكوين دولة خاصة بها في إقليم معين تعتبر نفسها صاحبة السيادة عليه وصاحبة الحق في تنظيمه سياسيًا. وينشأ هذا الترابط عن عوامل تاريخية باختلاف الأمم»
الحركة القومية:
هي ظاهرة وجود الأمة في سعيها لتحقيق هذه الدولة، أو المحافظة عليها وتنميتها إذا كانت قد تحققت. على أساس مجهود ذي مضمون سياسي اجتماعي يتعلق بتنظيم هذه الدولة».
عوامل وعناصر القومية كما يراها القوميون وآراء معارضي القومية بمفهومها هذا وتفنيدها:
اللغة:
وهي أكثر العوامل شيوعًا في تعريف القومية. والقوميون يركزون على عامل اللغة وذلك على أساس أنها توفر فرصًا للتفاهم وتبادل الأفكار بين عدد من الناس وتزول بها من بينهم حواجز الغربة إلى حد كبير فيشعرون أنهم فيما بينهم أقرب منهم إلى غيرهم.
الوحدة في الوسيلة عن الإعراب لا تستلزم الوحدة في الفكر نفسه؛ إذ يمكن الإعراب عن فكرة معينة بلغات مختلفة ويتوحد الناطقون بها في ذلك. كما أنه من الممكن أن تعبر عن عشرة أفكار متضاربة بلغة واحدة ويكون الناطقون بتلك اللغة الواحدة على تصورات متباينة وعقائد متضاربة. والدليل على هذا هو عدم انصهار الأمريكان والإنجليز في قومية واحدة بالرغم من أن اللغة الإنكليزية هي لغة الشعبين. ثم إن هناك دولًا كثيرة تتمتع بالسيادة والاستقلال الذاتيين وتتكلم أكثر من لغة كسويسرا مثلًا التي تتكلم ثلاث لغات مختلفة. ثم إننا في عصر أصبح كل شعب يتكلم لغات عديدة فلم تعد اللغة رابطة أساسية بين الناس.
●الأرض: وينادي فريق بالأرض كعنصر من عناصر القومية.
الأرض في الحقيقة لا يمكن أن تكون عنصرًا في صالح القوميين، وذلك أن قطعة معينة من الأرض قد يمر عليها عبر التاريخ عدة قوميات، فمثلًا لو أراد القوميون العرب أن يتحروا الدقة في تحديد الأرض التي سكنها العرب منذ فجر التاريخ من الناحية العلمية لأسقطنا من حسابنا معظم الدول التي يريد القوميون أن يقيموا دولتهم عليها وهي مصر وشمال أفريقيا، ولما تبقى لهم سوى الجزيرة العربية وصحراء سوريا فقط. وذلك بأن سكان مصر الأصليين هم الفراعنة وأما شمال أفريقيا وهي دول ليبيا والجزائر ومراكش وتونس فهي موطن البرابرة سكان البلاد الأصليين.
●التاريخ:
يقول بعض القوميين إن التاريخ المشترك عامل أساسى لا غنى عنه في تكوين القوميات. ولكن الواقع يهدم هذا العامل ويطيح به فإننا نرى الأمة الأمريكية الحديثة التكوين لا يوجد لها تاريخ مشترك وكذلك الكثير من الدول الحديثة في أفريقيا وأمريكا الجنوبية. لو أخذنا واقع القوميين العرب فإنهم ينادون بالتاريخ كعامل عوامل قوميتهم بينما أنه -على أساس الفكر القومي- يمكن تحديد التاريخ كعنصر من عناصر قوميتهم في فترة معينة وهي التي سبقت الإسلام، وهذا التاريخ يشمل بعض دويلات برزت في العمران والصناعة والتجارة، وهذه الحقبة من التاريخ لا تشد إليها العرب الحاليين بأي رباط أو صلة إطلاقًا.
وأما التاريخ الإسلامي فلا يحق للقوميين أن يعتبروه عنصرًا من عناصر قوميتهم وهذا التاريخ لا يمت لهم بصلة.
●المصلحة المشتركة:
يعتبر القوميون -وخاصة الاشتراكيين منهم- المصلحة المشتركة من العوامل الرئيسية في تكوين القومية.
إن القول بأن المصلحة المشتركة من عناصر القومية لهو قول باطل ووهم كبير، وذلك أن العالم اليوم يشهد ألوانًا شتى من الاتحادات والتجمعات والتكتلات والمعسكرات بين دول لا تجمعها وحدة قومية ما وإنما جمعتها المصالح المشتركة ووحدة الآلام والآمال وذلك مثل ميثاق الأطلسي الذي يجمع أمريكا وتركيا مع تباينهما القومي. وكذلك السوق الأوروبية المشتركة. ثم إن ما تجمعه المصلحة اليوم قد تفرقه غدًا. وبذلك تفقد المصلحة المشتركة قيمتها كمرتكز أساسي للقومية العربية.
تاريخ حركة العرب القومية في البداية:
●عوامل تهيؤ الوطن العربي للفكر القومي:
1- الحملة الفرنسية:
في عام 1798 نزلت جيوش نابليون الأول في ولاية مصر العثمانية في محاولة لتكوين إمبراطورية فرنسية في المشرق الإسلامي. لكن أصيب نابليون بالدهشة والخيبة عندما شاهد ضراوة دفاع أهل مصر عن بلدهم وعظم تعلقهم بالخلافة في القسطنطينية. وعند ذاك أدرك نابليون أنه لا بد من القضاء على هذه الصلة القوية التي تربط مسلمي مصر إلى السلطان العثماني في الآستانة وذلك لتخفيف وطأة الحرب الضروس التي يعاني منها رجاله. فطلب من المستشرقين الذين رافقوه في الحملة أن يدرسوا الأمر ويشيروا عليه بخطة للعمل. قام المستشرقون الفرنسيون بتنفيذ أوامر نابليون فمضوا يدرسون ويبحثون ويقلبون الأمر ثم خرجوا على الشعب المصري بالفكرة القومية.
وكانت هذه الدعوة ترتكز على أن العثمانيين ليسوا الا شعبًا آخر هو الشعب التركي وهذا الشعب لا تربطه مع المصريين أي روابط اللهم إلا الدين.. والدين ما كان له أن يتعدى الطقوس إلى الأمور السياسية.
عكف المستشرقون على ترويج هذه الدعوة في منشورات مختلفة تعمدت التركيز على الفصل بين المصريين والأتراك لبعث النزعة العنصرية الإقليمية لتحل محل الإسلام. ولكن هذه الخطة الاستعمارية الصليبية لقيت الفشل الذريع؛ وذلك لأن الشعب المسلم في مصر كان مؤمنًا بعقيدته فرفض هذه الفكرة الخبيثة ونبذها ولم تنطل عليه فخرج الجيش الفرنسي من مصر يحمل عار الهزيمة. ولكنه قد ترك فيها هذه الفكرة تنتظر من يحركها أو يبعثها في الوقت المناسب أو الفترة التي يضعف فيه الوعي الإسلامي كما يتمنون!!
2- محمد علي:
عاشت مصر بعد خروج الحملة الفرنسية في اضطراب وصراع سياسي حول السلطة واستمر هذا الصراع فترة من الزمن حتى استطاع محمد علي أن يتولى ولاية مصر.
ومحمد علي هذا كان ضابطًا ألبانيًّا في الفرقة العثمانية التي جاءت مصر لحرب الفرنسيين وكان يتمتع بطموح ودهاء كبيرين أوصلاه إلى سدة الحكم في مصر.. وكما قلنا إن محمد علي يتمتع بطموح ليس له حدود ويبدأ هذا الطموح بحكم مصر ثم تكوين إمبراطورية من الدول العربية تحت حكمه تمكنه من منافسة الخلافة العثمانية في الآستانة.
وشرع محمد علي في العمل على تحقيق طموحه وأمانيه دون الاهتمام بسلامة الوسيلة كما سنرى، فبدأ في مصر بالقضاء على منافسيه المماليك وبوحشية ودهاء خبيث، وكون جيشًا حديثًا وأسطولًا حربيًّا كبيرًا، وبنى مصر على أساس النظم الغربية فاستقدم الفرنسيين في كل مجال وأرسل بعثات طلابية إلى فرنسا لينهلوا من الفكر الغربي المشبع في ذلك الوقت بفكرة القوميات. وكانت النتيجة ظهور كتاب ومفكرين ينتسبون إلى الإسلام يحملون الفكر القومي وكان من أشهرهم رفاعة طهطاوي.
بعد أن ثبت محمد علي حكمه في مصر تطلع إلى ما يجاوره من ولايات عربية ينوي السيطرة عليها لتكوين إمبراطوريته التي يحلم بها.
فأرسل أولًا حملة إلى جزيرة العرب للقضاء على الدعوة الوهابية وكانت هذه الحملة بقيادة مساعده و مشاركه في حلمه بتحقيق إمبراطورية ابنه إبراهيم، واستمرت هذه الحملة سبع سنوات انتصر فيها إبراهيم وسيطر على جزيرة العرب ثم قام محمد علي بإرسال حملة أخرى إلى السودان كانت نتيجتها ضم السودان إلى مصر. وكذلك ساعد محمد علي السلطان العثماني في القضاء على الثورة التي نشبت في اليونان على أمل أن يضع السلطان الشام تحت سيادته كمكافأة له على هذه المساعدة، ولكن السلطان رفض الاستجابة له.
وعندئذ قام محمد علي بالاستيلاء على الشام عن طريق القوة وذلك بواسطة حملة عسكرية بقيادة ابنه إبراهيم. كان إبراهيم لا يقل دهاء وخبثًا عن أبيه فعندما غزا الشام استخدم سلاحًا كان الفرنسيون قد استخدموه في غزوهم لمصر ألا وهو القومية. فكان إبراهيم يوجه المنشورات إلى الجنود وهي تشير إلى العصور المجيدة في التاريخ العربي بعبارات مثيرة، ولم يكتف إبراهيم بهذا بل أراد أن يكسب النصارى إلى صفه وأن يرضي حلفاءه الفرنسيين فدعى إلى المساواة الدينية والمدنية بين المسلمين والنصارى، وكذلك شجع إنشاء المدارس الأجنبية التي كانت تؤسسها الإرساليات التبشيرية.
وقام أيضا بفتح مدارس وكليات على النظام الغربي، وهكذا استمر محمد علي يحكم الشام عن طريق ابنه إبراهيم ولكن وبعد فترة ليست بالطويلة انتشرت الثورات والفتن ضد حكم محمد علي. وكان سبب هذه الثورات هو رفض أهل الشام أن يكونوا وسيلة لمحمد علي لتحقيق مآربه في إنشاء إمبراطورية تنافس وتحاول أن تحل محل الخلافة في الآستانة. وفعلًا كان محمد علي قد فرض الضرائب الباهظة والتجنيد الإجباري على أهل الشام لتحقيق غايته.
كذلك كان من أسباب ثورة أهل الشام أن محمد علي وابنه إبراهيم كانا يشجعان زيادة نفوذ النصارى على حساب المسلمين.
في هذا الجزء استعرضنا عاملين من عوامل تهيئة الوطن العربي للفكر القومي، وهذان العاملان هما الحملة الفرنسية على مصر وموقف محمد علي. ورأينا أن الحملة الفرنسية كان أثرها يتمثل في منشورات نابليون للشعب في مصر والتي تعتبر أول نقل للفكر الغربي إلى الوطن العربي، هذا الفكر الذي كان يحارب من قبل الخلافة الإسلامية في الآستانة بسبب ما يحمله من مخالفة للإسلام.
وأما محمد علي فكان عاملاً لــــه أهمية أكبر في نشر الفكر الغربي، وذلك عن طريق بناء دولته على أساس النظم القومية، وعن طريق استقدامه خبراء فرنسيين وإرساله الكثير من البعوث الطلابية إلى فرنسا، وكانت هذه البعوث الطلابية مجالاً خصبًا لأعداء الإسلام كي يغرسوا في نفوس هؤلاء الطلاب ما يريدون من مبادئ وأفكار مخالفة للإسلام، وكذلك شجع محمد علي الفكر الغربي عن طريق إعطائه للإرساليات التبشيرية الحرية الكاملة في جميع أعمالها دون رقابة ومحاسبة.
وأما جريمة محمد علي الكبرى فهي محاربته للخلافة العثمانية ومحاولته القضاء عليها في الوقت الذي كان يجب أن يكون فيه مساندًا ومعينًا للخلافة في تلك الظروف العصيبة التي كانت تمر بها.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل