; القومية بين التزوير والتبرير | مجلة المجتمع

العنوان القومية بين التزوير والتبرير

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1975

مشاهدات 133

نشر في العدد 274

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 11-نوفمبر-1975

القومية بين التزوير والتبرير

ترى عين المشاهد وتطرق أذن المستمع تحت نظر القارئ -هنا وهناك- كلمة «العروبة» أو «الإسلام»، إحداهما أو كلتاهما.

وحين نقرأ أو نسمع كلمة «العروبة»، أو مشتقاتها التي يمليها الاتجاه القومي، قد يبرر ذلك بأنها دعوة قائمة بذاتها تدعو العرب إلى أمر من الأمور.. العرب كيفما كانوا وأي فكرة اعتنقوا، على اختلاف مشاربهم وتباين اتجاهاتهم. إنها دعوة تعتمد على العرف والدم.

وقد يتلمس لهؤلاء عذر ما، أو يعطى لهم بعض الحق -عدلًا أو زورًا- فيما يدعون إليه، ما داموا لا يعتدون ولا يتهجمون على غيرهم، ولا يتجرءون ولا يتغمزون معتقدات الآخريين، لا سيما وأن الإنسان خلق حرًّا!

قد يفهم الأمر على هذا الوجه، أو غيره. وعلى كل حال فهي وجهة نظر وضعية، قد تخطئ أو تصيب، وإذا أصابت يومًا ما، في مكان ما من المعمورة، في الماضي، فليس من الضروري أن تصيب اليوم. وإلا فهي تخطئ، وبالنسبة لنا -نحن المسلمين- على وجه الخصوص.

أما الذين اتخذوا من الإسلام: منهجًا لحياتهم، ويدعون لاعتماد كتاب الله دستورًا شريفًا للحكم، وسلوكًا اجتماعيًّا طاهرًا نقيًّا، وطريقًا للحياة منيرًا متميزًا، يحكمونه في شئونهم وعنه يصدرون، فتلك دعوة لا غبار فوقها ولا مأخذ عليها، وأهلها أولى بذلك، بل هو فرض عليهم لا بد من القيام به، خاصة في هذا الزمن الذي أصبح الإسلام فيه غريبًا.

ولقد قال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء».

حتى غدا المسلمون حيارى بين الجهل بهذا الدين، أو التجني عليه، أو عجزهم عن حمل رايته. فالدعوة إلى الإسلام ضرورة حياتية «دنيوية وأخروية» لازمة لأهل المعمورة كافة.

ولا بد من الأخذ به صافيًا من منبعه الأول ومصدره الأصيل كما أوحاه الله عز وجل، وبلغه رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم.

لكن ما بال بعض سالكي هذين الخطين، أو الملحقين بركبهما، يميل إلى هذا الاتجاه أو ذاك «العروبة والإسلام»، متكئًا عليه أو مستعينًا به لغرض التلصيق أو التزوير، أو متمشيًا مع ظرف طارئ قائم؟

أما بالنسبة لدعاة الإسلام فليس الإسلام بحاجة إلى سند جديد أو تكأة يعتمد عليها؛ إذ فيه وحده دومًا القوة الذاتية الضخمة الكافية المستمرة التي لا يملكها غيره.

وأما دعاة «العروبة» و«القومية» فإليهم -بصورة كبيرة- يوجه جل الحديث، وينصح مخلص حريص.

وكذا إلى الآخرين الذين خدعوا أو صدقوا هذه الأباطيل وانطلت عليهم هذه الأحابيل ليعرفوا الحقيقة بعدما تجلت اللعبة بشكل أكثر.

فكم من دعاة العروبة وقوميتها يميلون إلى الإسلام للأخذ منه بقدر ما ينفعهم، وحين يجلب لهم من الجماهير عطفها.

ولكن يقال لهؤلاء الدعاة: لم هذا التزوير والاتكالية؟ فإذا كنتم تؤمنون بالإسلام، فلماذا لا تأخذون به وحده؟ وهل للعروبة قومية وجنسية -أو لغيرها من القوميات- معطيات يفتقر إليها الإسلام فيستمد لنفسه منها القوة؟ وإلا فلماذا تتوكئون على الإسلام إذا كنتم تؤمنون به؟ يقال: ولماذا هذا التوكؤ إذا كان اتخاذكم من العروبة رابطة، ومن القومية دعوة على أساس ما فيها من المقومات اللازمة والكافية؟ وهل هناك شعور بالهزيمة الداخلية حين تدعون إليها، فدفعكم إلى تكأة تسندكم؟ فلماذا التجأتم إلى فكرة أخرى غيرها؟ هل هو إشارة وإفصاح عن الإحساس بضعف فكرتكم؟ وإلا أفليس هذا كله مغالطة؟ أليس لأهل القوميات الأخرى أن يدعوا بمثل دعوة أصحاب القومية العربية؟ وهل سيعملون مثل عملهم في الخلط والتزوير؟

فأين مكان الإسلام؟ ولم كان؟ هل جاء ليعطي للقوميات المختلفة عونًا وسندًا؟

إن من كان عربيًّا، أو منتسبًا لأي قومية أخرى، لا يحتاج إلى تأكيد لعروبته؛ لأن ذلك في دمه منذ ولادته، بل قد ولد معه. وذلك كائن بالنسبة له وعلى أي دين كان، وسواء كان قبل الإسلام في الجاهلية أو بعده، وسواء كان مسلمًا في اسمه أو انتمائه إلى وطن الإسلام، أو کأن مسلمًا حقًّا، في: العقيدة والفكرة والسلوك، فلا يزيده هذا التأكيد عروبة. فلماذا كل هذا الجهد الإعلامي المتضاخم والعمل الدائب المتفاقم؟ ومن الذي أراد الاعتداء على العروبة في نفوس أهلها وعلى الشعور بها أو أنكر عليهم عروبتهم؟ وهل من مخططات لقتلها حتى تنهض كل هذه الهمم وتساق تلك الجهود الضخمة؟

ولقد يبدو أحيانًا العكس، بأن هناك قوى متعددة يسرها نشر هذا الشعور، بل إن منها من عملت بذلك منذ عقود من السنين وأفلحت فيه إلى حد كبير، تنمي هذا الشعور وتجعله هو مصدر الفخر، لا الإسلام.

بل إن هذا يأخذ اليوم مجراه إلى دول توهم الناس فيها للإسلام خيرًا وعندها لدينه حفاظًا.

أما كان الحري بهذه الجهود والهمم العالية أن تقدم من أجل شيء آخر؟ أما كان الأجدر بها أن تقدم لوجود الإسلام، تحميه وتقويه وتسنده وتغذيه؟

لماذا لم تكن بعض هذه الجهود لحماية لغة العقيدة الإسلامية وهي اللغة العربية. ولقد جاء في الأثر: «ليست العربية من أحدكم بأم ولا أب، إنما هي اللسان». وهذه اللغة تتهددها اليوم الأخطار وتتناوشها سهام الدعوات المضلة نكاية بالإسلام.

إن العربية لغة الإسلام، ولذلك وجدنا لها خلال التاريخ من الأئمة الغيورين غير العرب أمثال: سيبويه، والجاحظ، وابن قتيبة والزمخشري وغيرهم العدد الكثير. وهنا في المغرب الكبير ترك أهله البربر على الشاطئين -البحر المتوسط، والمحيط الأطلسي- لغتهم الأم، واتخذوا -بمحض اختيارهم- العربية بديلًا؛ لأنها فقط لغة الإسلام؛ الدين الذي آمنوا به وأحبوه أكثر من نفوسهم حبًّا ظهر فملأ حياتهم -بجوانبها- وأطوار جهادهم.

إن القومية قضية لا تزيد ولا تنقص، شيء قائم وبغير حاجة إلى دعوة أو دفاع، كما أنها ليست مجال الفخر والاعتزاز.. «أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، كلكم لآدم، وآدم من تراب، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (الحجرات: 13)»، كما أنها أمر مقفل لا يمكن لجديد أن ينضم إليها ولا يخرج منها قديم، فما هو القصد من وراء إثارتها والدعوة إليها من دون الإسلام؟

كانت في الماضي دعوات قومية أو وطنية في أقطار غير إسلامية؛ في أوربا مثلًا، وربما كان لها ما يبررها يومها لدى القوم هناك، ثم نبذوها وتخطوها وغدت عندهم مرحلة تاريخية -غير مثلى- لا تحرك لهم وترًا اليوم. كان ذلك لأنهم لا يملكون غيرها، وإن كانوا ما يزالون يتفيئون ظل عصبيات أشرة تعساء تبدو في مواقفهم المضطربة وحياتهم البائسة.

وإذا كان بالإمكان أن تنهض يومًا ما الدعوة القومية بين غير المسلمين، فلا يصح أن تنهض ألبتة بين المسلمين؛ لأن دينهم اعتبرها جاهلية.

إن القومية ليست فكرة ولا عقيدة، ولا تملك مقوماتهما. وإذا أعطينا أو وهبنا هذه المقومات للقومية العربية فليست هي أملك لها من القوميات الأخرى التي يجب أن يكون لها نفس المقومات ونفس الحق في الدعوة إلى قومياتها، وعندها سينقسم العالم الإسلامي إلى قوميات متناحرة أشبه بما كان في الجاهلية الأولى التي حاربت الإسلام وحاربها، وإن كان واقع القومية اليوم في إطار مختلف؛ وإن استخدمت وسائل أحدث وربما أوسع نطاقًا.

هل الإسلام دين العرب وحدهم؟ وهل لذلك جاء؟ أم هو أيضًا دين كل القوميات الأخرى التي انضوت تحت لوائه وحملته، وحمته، أعز ما يكون لديها، واعتبرته مصدر فخرها الذي أضفى عليها ثوب الكرامة والعزة؟

تطرف بعض دعاة القومية بالأمر وغالوا فيه على حساب الواقع الثابت، فتعمدوا اقتطاع صفحات إسلامية ونسبتها إلى العروبة أو إهمال صبغتها الإسلامية. ويعلم الناس هنا وهناك بأنه لولا الإسلام لما كانت هذه الصفحات، ولما حوتها حتى خيالاتهم، بله صفحات تاريخهم. ألهذا اتخذوا من الإسلام تكأة؟ وإلى متى ستستبدل به تكأة أخرى حين يستنفد أغراضه لديهم ويؤدي دوره؟

إنه خطوة مرحلية -يقتضيها الخداع السياسي والتكتيك الحزبي الميكيافيلي والديماغوجية التنظيمية- يسترضون بها عواطف المتدينين الطيبين، ليتسوروا الدار -غير متلصصين- ثم يركلونهم ويمزقون القناع الذي أخفوا وراءه الوجه إياه، فتظهر القومية على حقيقتها: مؤامرة كبرى على الإسلام وأهله.

لذلك فإن جمهرة من القوميين -وكثير منهم أبناء مسلمون- تطلق على الإسلام من طرف خفي أو صريح بأنه «رجعية»، وهذا ما لا يستطع أو يجرؤ أن يقوله بمثل هذه الجرأة كثير من غير المسلمين أو من أعداء الإسلام. وإذا استطاعوا اليوم فبفضل بعض أبنائنا. نعم فهذه إحدى ثمار الدعوة القومية اللادينية.

والحق أنه إذا كانت هناك من رجعية فهم وما يدعون إليه؛ لأن الرجعية هي الرجوع من نور الله وهديه، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ (يونس: 32).

إن الدعوة القومية -مهما أحسنا بها الظن- ما دامت ترضى من أتباعها أي اتجاه أو موقف بالنسبة للإسلام -وربما تجد من أتباعها أو قادتها العدو اللدود له- فأقل ما يقال فيها: إنها شيء، والدعوة الإسلامية شيء آخر، ولا نسب ولا لقاء بينهما.

كيف يمكن أن يكون البطل المسلم التقي صلاح الدين الأيوبي عربيًّا، وما كان في يوم من الأيام كذلك؟! إنه کردي، ومن أبوين كرديين! إنه لم ينتم إلا إلى الإسلام وأمته، فهل قلل من شأنه -بأي قدر- عدم انتمائه إلى العروبة؟

ونحن اليوم نبحث عمن يعيد للإسلام دولته وقوته وصولته في واقع الحياة، وللمسلمين هيبتهم فيحرر أرضه ويطهر قدسه، من أي أرض كان: من الأفغان، أو تركيا، أو الكاميرون.. من اليابان، من أوربا، من الشرق أو الغرب، ما دام منتميًا لعقيدة الإسلام، وذلك وحده هو المعتبر عند المسلم. ولقد قال رسول الله الكريم عليه الصلاة والسلام: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله تعالى».

هل يصبح طارق بن زياد الفاتح المسلم عربيًّا، وهو بربري أصيل، وموطنه عنا ليس ببعيد؟ والبربر قوم دخلوا الإسلام عن صدق وإيمان وعمق إخلاص وتحمس دفاق ونشاط دفاع بدرجة لا يقل مستواها عما لدی إخوانهم المسلمين من العرب الذين حملوا الإسلام إلى الشمال الإفريقي؛ خدمة له وحده وإعلاء لكلمة الله سبحانه، لا لغيرها.

إننا حينما نذكر الإسلام أو التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية أو غيرهما من مواليد الإسلام ومحضوناته، فإننا لا نقصد -ولا هو يعني- قومًا بذاتهم، ولا يرتبط بمجد شعب خاص من شعوب الأرض؛ إنما نشير إلى العقيدة الإسلامية وكتابها القرآن الكريم، الإلهية المصدر، الأبدية الإمكانية، العالمية الأفق، وإن كانت هذه العقيدة قد ظهرت في مكان وزمان معينين. وكذلك حينما نذكر الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام وسنته الشريفة لا نعني غير هذا المعنى الواضح، شديد الوضوح، وإن كان أول ظهوره في بلد معين وبين جماعة بعينها وزمن معلوم.

بل إن هذا الرسول صلى الله عليه وسلم عدو لمن ادعى إليه نسبًا ولم يعمل بدينه وحاربه. وهل سيكون أقرب إليه من العمومة؟ ونحن نقرأ قرآنًا خالدًا نتقرب بتلاوته إلى الله في ذم أبي لهب عم الرسول صلى الله عليه وسلم.

في هذا المعنى يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «يا بني هاشم، لا يأتيني الناس بالأعمال وتأتوني بالأنساب، من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه».

وقد نمت هذه الروح الإسلامية عند السلف الكريم حتى أن شاعرهم «نهار بن توسعة اليشكري» قال معبرًا عن ذلك:

دعي القوم ينصر مدعيه                       ليلحقه بذي الحسب الصميم

أبي الإسلام لا أب لي سواه                   إذا افتخروا بقيس أو تميم

لقد تهدد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وتوعد بالويل والثبور كل من بعيد الجاهلية أو يعمل لها.

والذين يقومون بذلك هم أعداء الإسلام ودعاة جاهلية، وصفها الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم بأبلغ عبارة وأصرح لهجة في أشرف موكب، فوضعها تحت قدمه في حجة الوداع فقال: «إن كل شيء عن أمر الجاهلية تحت قدمي هاتين موضوع». وليس هناك فرق كبير، عرف هؤلاء أو لم يعرفوا، ولا شك هم يعرفون وله يخططون؛ إلا من كان جاهلًا مخدوعًا.

فإلى الذين أحبوا الإسلام -بأي قدر- ألا يدعو طريق الخير إلى غيره. وما زال هناك متسع من الوقت والنفس قد يفوت، ولات ساعة مندم.

القرآن تفسير الكون والحياة

تأليف الأستاذ: محمد العفيفي

كتاب جديد للمفكر الإسلامي الأستاذ محمد العفيفي والكتاب يشتمل على سبعة فصول هي:

  1. «وتفصيل كل شيء»
  2. «آیات محكمات»
  3. «عن اليمين والشمائل»
  4. «خالدين فيها أبدا»
  5. «وجعلوا لله شركاء قل سموهم»
  6. «أفلا يتدبرون القرآن»
  7. «أولئك يئسوا»

والملاحظ أنه يقطع بأن القرآن يحكم كل شيء حتى السنة النبوية، كما أن الفصل الأول «وتفصيل كل شيء» قد ابتدأه بما يلفت النظر أن هذا الفصل يرفع من الأذهان ما قد يوحي به عنوان الكتاب من أن القرآن يشتمل ويفصل العلوم المادية، في هذا المعنى كانت الكلمات الأولى من هذا الفصل وهي بالحرف الواحد «من حقيقة القرآن» إن فيه تفصيل كل شيء.

وأول ما يتعثر فيه الوعي البشر وهو يحاول فهم أن القرآن فيه تفصيل كل شيء أن يظن أن القرآن فيه تفصيل مادة الحياة بذاتها، حتى لقد ظن بعض الناس أن القرآن فيه ذكر أجزاء المادة أو تفصيلات المعادلات الرياضية أو الكيمائية إلى غير ذلك من تفصيلات الوقائع المادية ذاتها وليس في ذلك شيء من الصواب، وإن القرآن لهو أعظم، وأعلى قدرا من أن يكون ضمن محتويات الحياة المادية!

لهذا، ولأن هذا الكتاب قد قدم منهجا في البحث من حيث هذا التفصيل، فقد وعد الأستاذ سالم البهنساوي بتقديم دراسة موجزة عنه في عدد قادم -إن شاء الله-.

الرابط المختصر :