; القول السديد في التعامل الرشيد.. نقوش على جدار الدعوة | مجلة المجتمع

العنوان القول السديد في التعامل الرشيد.. نقوش على جدار الدعوة

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1997

مشاهدات 90

نشر في العدد 1240

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 04-مارس-1997

نقوش عل ى جدار الدعوة

النظر إلى حال المسلمين من حيث واقع حياتهم، ومدى قدرتهم على التفاعل مع هذا الواقع في ضوء ما يملكون أو ما يكون تحت تصرفهم من طاقات معنوية أو مادية أمر غير بعيد عن روح الشريعة الإسلامية، بل قل إنه مأخوذ من صلبها، مستمد من أصولها، والعلماء العاملون حين يجتهدون في تحقيق مصالح الناس مستنيرين بتعاليم الدين، غير مبدلين ولا مغيرين يجدون هذه الشريعة «ما ضاقت يومًا بحادثة، ولا قصرت عن تحقيق مصلحة، ولا توقفت عن مسايرة الزمن في تطوراته، ومراعاة ما تقتضيه  تغيرات الأزمان والأحوال» «السياسة الشرعية: لخلاف ص 11».

والنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، والسوابق التاريخية في عهد الخلافة الراشدة راعت أحوال الناس وتغيرات الزمان والمكان أعظم مراعاة، ليتحقق من ذلك للناس رفع الحرج، ودفع المشقة، وتحقيق المصلحة، وكيفية التعامل مع هذا الواقع الذي يعيشونه ويعايشونه، فالقرآن الكريم راعى أحوال المخاطبين من حيث قوتهم وكثرتهم أو ضعفهم وقلتهم، ومن حيث ضرورة التضحية التامة والصبر على المشاق،، والقدرة على التحمل والبذل، أو التخفيف من هذا الشأن، فلما كان المسلمون مستضعفين جاهم البيان القرآني ﴿...كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ...﴾ (النساء: 77) ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ۚ﴾ ( الفتح: 24)، وفي حال وجوب البذل والتضحية والصبر على المشاق والمكاره جاء البيان القرآني ﴿ ... إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا...﴾ (الأنفال: 65)، ثم كان التخفيف عنهم فيما يتحملونه من مشقات، وما يجب أن يبذلوه من تضحيات بسبب ضعف فيهم، جاء به البيان القرآن ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ...﴾ (الأنفال: 66). 

فالمسلمون بشر من الناس يعتريهم ما يعتري الناس من خوف أحيانًا ﴿ ...وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ (الأحزاب: 10)، ويعتريهم ما يعتري غيرهم من آلام نفسية أو بدنية ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ...﴾ ( آل عمران: 165)، ويعتريهم ما يعتري الناس من انسحاب أحيانًا من ميدان القتال حفاظًا على الأرواح، وتهيئة لجولة قادمة كما حدث في غزوة مؤتة حين انسحب خالد بن الوليد رضي الله عنه بجيش المسلمين، فواجهته في المدينة الصبية: «أنتم الفرار» فرد عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الفرية حين قال: «بل هم الكرار إن شاء الله»، وهذا ما جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتمنى لو أن قائده أبا عبيد الثقفي انسحب في موقعة الجسر التي انكسر فيها المسلمون، وقال عنه: «رحم الله أبا عبيد لو انحاز إليَّ لكنت فئته». 

هذه النصوص والسوابق التاريخية التي راعت حال المسلمين، ينبغي أن نأخذها في اعتبارنا اليوم، ونحن نتعامل مع كثير من المؤسسات العصرية، التي تقوم الدولة الحديثة على أساسها، وهي مؤسسات شتى في النواحي السياسية والاقتصادية وغيرها، لا يستغني أصحاب المشروع الإسلامي باعتبارهم جزءًا من المجتمع المسلم عن التعامل الواقعي معهم، مراعين تحقيق المصلحة من غير خروج عن الشريعة ولا تفريط في أحكامها، والنصوص الكثيرة في القرآن والسنة، والسوابق التاريخية في عهد الخلافة الراشدة تسعفنا ولا تخذلنا إن اجتهدنا في الاختيار ولم نجمد عند نص بعينه، ولا عند أثر بذاته، بحيث ننظر للواقع ونراعي المصلحة، ونوازن بين أعظم المصلحتين أو أخف الضررين، ونؤيد ما نقول من خلال النصوص والشواهد، وعلى سبيل المثال فإننا نطرح العلاقة بين أصحاب المشروع الإسلامي، وبين أصحاب السلطة التنفيذية بمؤسساتها الكثيرة، هل نقترب منهم أم نبتعد عنهم؟

والنصوص كثيرة والشواهد عديدة، وقد تتضارب أحيانًا بحيث تجد تحذيرًا من الاقتراب منهم، وتجد أيضًا وجوب نصحهم وإبداء المشورة لهم، فأي الرأيين يأخذ أصحاب المشروع الإسلامي؟ 

والإجابة تحتاج إلى النظرة الواقعية ومراعاة مصالح الناس، دون إغفال لتعاليم الشريعة أو افتئات عليها. 

فالإمام أحمد رضي الله عنه يقول: «لو كانت هناك دعوة مستجابة لادخرتها لذي سلطان»، وهو قول رجل ابتلي وأوذي في ذات الله، واقف على النصوص الشرعية عالم بمقتضياتها، وهذا القول منه لا يؤخذ على إطلاقه، إنما هو ينطبق على ذي السلطان القائم بأمر الله، الذي يقيم الصلاة ويؤدي الزكاة، ويصوم رمضان، ويراعي حق الله عليه، وحق الرعية لديه، فيقوم بهذه الحقوق، ويعدل ولا يظلم، ويرفق بالأمة ولا يقسو، يراعي أن الضعيف من الرعية أمير الركب، لا يحمل إنسانًا فوق ما يحتمل، ولا يخل بأمر فيه مصلحة المسلمين، فهذا له منا الدعاء الوفير، والسند الكثير، نكون جندًا في معيته، واتباعًا له في رعيته.

أما الجائرون الظالمون، الذين بان فجورهم، وانكشف غدرهم، وشددوا على الرعية، فقد حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من الاقتراب منهم إلا ناصحين محذرين، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «من أتى أبواب السلاطين افتتن، وما ازداد عبد من السلطان قربًا إلا ازداد من الله بعدًا» (رواه أحمد في المسند وقال الشيخ شاكر صحيح الإسناد). 

فالاختيار بين هاتين الحالتين «ذي السلطان الذي ندعو له، وذي السلطان الذي لا نقترب منه إلا محذرين ناصحين، الاختيار هنا مثيل للاختيار في الأحكام الفقهية، تراعى فيه حالة الناس ومصلحتهم، وإلا كان الاختيار قائمًا على الهوى والتشهي دون نظر إلى مصلحة الناس وواقعهم الذي يعيشونه، والاختيار المبني على الهوى والتشهي محرم شرعًا ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ص: 26)، إذن لا مفر من النظر لحالة الناس وحالة العصر ومتغيراته دون خروج عن الإطار العام للشريعة عند اختيارنا لأمر معين أو لحكم من الأحكام حتى لا تختلط الأمور، فنضع ما يباح وما هو جائز موضع ما ليس مباحًا ولا جائزًا، أو نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير فتكون المضرة، وقد تكون المهلكة.

فوضع الندى في موضع السيف بالعلا *** مضر كوضع السيف في موضع الندى

الرابط المختصر :