; القناة الأجنبية.. برامج للتلفاز بين الهدم والبناء | مجلة المجتمع

العنوان القناة الأجنبية.. برامج للتلفاز بين الهدم والبناء

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1987

مشاهدات 72

نشر في العدد 842

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 10-نوفمبر-1987

·      الكمّ الغالب من البرامج الترفيهية والمسلسلات يغلب عليها طابع الفراغ

منذ اختراع وسائل الإعلام الحديثة في القرن العشرين، أخذت في الانتشار بشكل مذهل حتى دخلت كل بيت، وبعد أن كانت من الترف والكماليات أصبحت في هذا العصر من الضروريات حتى دخلت في جهاز العرس لكل بيت جديد. وبعد أن كانت في البداية منافسًا خجولًا للكتاب، لم تعد اليوم مجرد وسيلة للترفيه بل تعدت ذلك لتصبح أحد المصادر الرئيسية التي تشكل ثقافة الفرد في العصر الحديث.

نعم، لقد أصبح المذياع والتلفاز منافسين بل خصمين عنيدين للكتاب.

وتنبع قدرتها على المنافسة من كونها قريبة إلى كل المستويات وقادرة على مخاطبة المتعلمين والأميين على حد سواء، وتقديم مادتها -بغض النظر عن محتواها الفكري والثقافي- في إطار ترفيهي جذاب. ولقد خسر المذياع مثلًا معركته أمام التلفاز كما خسرها الأخير أمام الفيديو، فإذا كان المذياع يستأثر بحاسة واحدة من الحواس الخمس فإن التلفاز يستأثر باثنتين هما السمع والبصر.

ولم يعد من الضروري فتح كتاب لقراءة رواية أو قصة أو قراءة كتاب علمي لقد أصبحت الشخصيات الروائية حية تتحرك على الشاشة وتعرض قصتها دون حاجة إلى إلهاب الخيال البشري وإجهاده في تصور المواقف. كما أن عدسة التلفاز قد دخلت مختبرات العلم وصورت آخر تطوراته.

·      التلفاز والثقافة العامة:

إن الجالس أمام التلفاز ينتقل بسرعة الضوء من أقصى الأرض إلى أقصاها من الصين إلى الجزيرة العربية إلى أميركا، ومن الصحاري إلى الغابات، ومن الدراما إلى الكوميديا، ليعرض أخبارها وما حدث فيها وهو إنجاز لم يكن يحلم به أحد حتى قبل خمسين عامًا من اليوم. لكن إلى أي حد تفهم القائمون على هذا الجهاز خطورة الدور الذي يلعبه في تشكيل الثقافة الحديثة؟ وإلى أي حد تحروا الدقة في اختيار البرامج؟

وإلى أي حد ساهم هذا الجهاز في وطننا العربي عامة، وفي الخليج خاصة في التوعية بقضايانا المصيرية، وفي رفع مستوى الثقافة العامة لأمة تبلغ نسبة الأمية فيها أكثر من ٧٠%.

 وتبدو الإجابة على ذلك محرجة جدًا.. إذ إن من الواضح أن التلفاز لم يلعب الدور المنوط به والمرجو منه حتى الآن.

إن التلفاز في كثير من الأحيان لم يساهم في إثراء الثقافة العامة لدى عامة الناس كما كان يفعل الكتاب في السابق بقدر ما ساهم في إتلافها وتخريبها، كما أنه في أكثر من برنامج وقصة ومسلسل يكاد يصبح -إن لم يكن بالفعل- جامعة مفتوحة لتعليم الناس الفساد والانحلال الخلقي.

فالكم الغالب من البرامج الترفيهية والمسلسلات يغلب عليه طابع الفراغ الفكري وهشاشة المحتوى وركاكة اللغة. هذا غير الكم الهائل من الأغاني والتي لا تتحدث سوى عن علاقة الرجل بالمرأة عاطفيًا، وتتراوح مواضيعها بين الغزل المفضوح أو الشكوى من الهجر والصد.

ويكاد يكون الدور الفكري والثقافي معدومًا بين هذا السيل الخضم من الغثاء ما بين المسلسل الرديء والأغنية الهابطة والإعلان التجاري السمج.

وهذا الوصف ينطبق على برامج التلفاز العربي عامة دون ما حرج.

·      القناة الثانية.. كظاهرة عربية

إلا أن الظاهرة الفريدة في أجهزة التلفزة الخليجية هي وجود القناة التلفزيونية الثانية والمخصصة للبث البرامجي الأجنبي. وفي هذه القناة تبث المسلسلات الغربية والاستعراضات الغنائية الراقصة، بالإضافة إلى الأخبار بلغة أجنبية «إنجليزي/ فرنسي»، وبعض البرامج الثقافية الأخرى.

ومن المدهش أن ما ينفق على القناة الأجنبية يكاد يفوق ما ينفق على البث العربي وذلك لارتفاع تكلفة المسلسلات الأجنبية مقارنة بالبرامج العربية عمومًا.

ومع هذا فإن هذه القناة تتمتع بالرعاية الرسمية، وتعتبر بصفتها التالية حكومية وليست تجارية، ويخضع بثها لرقابة الدولة التي تبث منها، وتعتبر مصروفاتها جزءًا من الميزانية العامة للدولة.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار ما تقرره نصوص الدستور العربية عامة من أن دين الدولة «الإسلام» وأنه مصدر رئيسي من مصادر «أخرى» للتشريع، نجد أنه من الواجب أن يخضع محتوى هذه البرامج للرقابة الشرعية الإسلامية للتأكد من أنها لا تتنافى مع عقيدة المسلمين وأخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم المستمدة من الشريعة السمحاء، وأنها من حيث الفكرة والمحتوى والحوار وطريقة العرض الفني لا تخدش عقيدة المسلمين ولا أخلاقهم.

إلا أن الواقع مخالف لذلك تمامًا..

إن في دول الخليج مجتمعة ست قنوات تلفاز أجنبية، أسوأها القناتان ٣٣ و٥٥ في دبي والبحرين.

·      البرامج.. والإسلام؟

فالبرامج بصفة عامة تحتوي على مواد منافية لعقائد المسلمين ككل مثل العروض السحرية ومن أمثلة ذلك «برنامج ديفيد كبرفيلد» وغيره أو ما يتعرض لأخلاقهم كالعروض الراقصة التي تبدو فيها راقصات شبه عاريات وأغانٍ خليعة ومن أمثلة ذلك «برنامج تشارت أتاك أو ميوزك بوكس» والاستعراضات الراقصة الأخرى أو ما يعرض من أغانٍ أخرى كفواصل ترفيهية بصورة منفردة.

بالإضافة إلى المسلسلات -وخاصة الأميركي منها- والتي تحتوي على كم هائل من الألفاظ غير اللائقة أدبيًا، أو تلك التي تحوي إيماءات جنسية صريحة أو التي تنطق بالكفر صراحة وهي كثيرة ويصعب متابعتها فإلغاؤها أفضل.

ومن أمثلة ذلك.. مسبة الأم «يا ابن....» والتي تجري في الحوار على ألسنة الممثلين كالماء في غالبية المسلسلات الأجنبية.

أو هذا الحوار بين شاب وأمه... «ماذا يفعلون بالحصان مكسور القدم يا أمي» «إنهم يستخدمونه لتلقيح الإناث» أماه أعتقد أن قدمي مكسورة... وقد جاء هذا الحوار في مسلسل عرضه تلفزيون الكويت قبل مدة.

أو هذه الكلمات التي وردت في إعلان تلفزيوني لفيلم عرض في دور السينما في الكويت.. الفيلم اسمه «ديون» والجملة تقول «حتى الله لم يشاهد هذا العالم»! (تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا).

فهل هذا يتفق مع الشريعة الإسلامية أو نص المادة الثانية من الدستور؟

ومن هذا الذي يراقب هذه البرامج ويسمح لها بالعرض أو يوافق على نصوص الحوار المعروض على التلفاز؟ وإن كانت تمر بلا رقابة، فكيف يعرض تلفاز دولة مسلمة «بنص الدستور» برامج أمم غير مسلمة ولا دينية دون رقابة، على أبناء أمته المسلمة ولا يتقي الله عز وجل فيهم؟

إن القضية ليست قضية ترفيه وتسلية في وسيلة تعتبر من أخطر وسائل التثقيف والتأثير في الرأي العام في عصرنا الحديث، بل هي قضية عقيدة توحيد وعقائد شرك، ومنهج إسلام ومناهج جاهلية، وإعلام إسلامي وإعلام غير إسلامي.. وهي من هذا المنظور تعتبر قضية خطيرة للغاية، وأمانة كبرى لا يحل لأحد أن يتسنمها إلا بحقها، وأن يتقي الله عز وجل فيما يعرض من خلالها على أفراد هذه الأمة رجالًا ونساء كبارًا وصغارًا.

·      أدلة وإحصاءات:

في تلفزيون الكويت -وهو الأقرب إلينا- يبلغ معدل ساعات البث في القناة الأولى ۸۳ ساعة أسبوعيًا، وللقناة الثانية ٣٥ ساعة أسبوعيًا «للدورة الماضية». يبلغ معدل البرامج الدينية والمتعلقة بالإسلام «استثناء الافتتاح والختام بالقرآن الكريم» حوالي ٧% من ساعات البث فقط، في حين تستأثر الأغاني بحوالي ١٢% من ساعات البث، وأما المسلسلات والأفلام لها ٢٥% من ساعات البث ولها بالتالي حصة الأسد، في حين يبقى للبرامج الثقافية ٥% والباقي رياضة وأخبار وإعلان ومتفرقات متناثرة.

أما بالنسبة للقناة الثانية فإن نسبة البرامج الدينية «باستثناء الافتتاح والختام بالقرآن الكريم» صفر بالمائة.. نسبة البرامج الثقافية ١١٪ من ساعات البث، والأغاني الأجنبية ٤% «للدورة الماضية فقط»، وأما المسلسلات والأفلام الأجنبية فنصيبها ٥١% من ساعات البث!!

وبحسبة بسيطة يتبين لنا الآتي:

-       نسبة البرامج الدينية في القناتين ٥%

-       نسبة البرامج الثقافية في القناتين ٦%

-       نسبة الأغاني من ساعات بث القناتين ١١%

-       نسبة الأفلام والمسلسلات في القناتين ٣٣%

·      نتائج واستنتاجات:

إن الأغاني لوحدها تعتبر في عرض التلفاز موازية للدين والثقافة، لهذا كان لها نفس ساعات البث لهما مجتمعين.

وأما المسلسلات والأفلام العاطفية والإثارة فلهما ٣ أضعاف ساعات بث الدين والثقافة، ربما لأن «الجمهور عاوز کده!».

هذا غير ساعات البث الرياضي والمباريات، ولله الحمد والشكر.

·      تساؤلات بريئة

وهنا يحق لنا أن نتساءل.. أين دور التلفاز في محو الأمية؟

أين دور التلفاز في بناء الأمة؟

وأين دوره في التوعية بقضايانا المصيرية؟

أين دوره في البناء العقائدي؟ وأين دوره في البناء الثقافي؟

هل تنحصر مهمة التلفاز في بناء الأمة عاطفيًا وموسيقيًا من خلال المسلسلات والأفلام والأغاني «ونخص بالذكر برنامج من أغاني الأفلام»؟ أين التاريخ الإسلامي المجيد؟ أين قصص الصحابة وسيرهم؟ أین قصص العلماء؟ أین الفتوحات الإسلامية المجيدة؟

أين المقابلات المفيدة مع النابغين من أبناء أمتنا من علماء وأطباء وغيرهم؟ هل عقمت الأمة فلم يبق فيها إلا الفنانون والراقصات؟ ولمصلحة من يكون هذا هو وضع التلفاز عندنا، وهو وضع غير شاذ إذا ما قورن ببقية الأجهزة العربية -أجارنا الله- وللعلم فنحن لا نرضى أن نكون إمعات بل نحن متميزون بالعقيدة والخلق الإسلامي الأصيل. ثم لماذا يكون هذا الكم الكبير من القنوات الأجنبية والبرامج الغربية؟ ولمن تعرض؟ للأجانب أم لنا؟ ولم نتساوى مع الغربيين في بلادنا الإسلامية؟ ومن هو المسؤول عن هذا الوضع؟

إننا نرجو أن نجد إجابات مقنعة على تساؤلاتنا البريئة على الأقل، إن لم يحدث تغيير شامل للمنهجية الفكرية والعرض البرنامجي سواء من حيث المضمون أو من حيث الشكل لكافة ما يعرضه التلفاز العربي حيث يصير معايشًا لواقعنا السيئ وأحد سبل النهضة العقائدية والفكرية، لا مجرد وسيلة للترفيه والتسلية والتخدير كما هو في واقعه الآن.

إننا أمام قضايا كبيرة وكثيرة منها.. الأمية- الفقر- الجهل- المرض- فلسطين والاحتلال اليهودي -أفغانستان- سبتة ومليلة- مورو- فطاني- قضايا الأقليات الإسلامية في العالم -الجوع والإنتاج الزراعي المتدني -الاستقلال السياسي والاقتصادي- بحث التراث الفكري والاستقلال الثقافي- التطور التكنولوجي المعاصر وقضايا أخرى كثيرة، ولا نظن أن القائمين على جهاز التلفزة في وطننا يرون أنها تقل في أهميتها عن أغنية تافهة أو مسلسل هابط.

هدانا الله وإياهم سواء السبيل، والله ولي التوفيق.

الرابط المختصر :