العنوان القمة الإفريقية الخامسة والثلاثون بالجزائر
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1999
مشاهدات 75
نشر في العدد 1358
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 13-يوليو-1999
طرد جبهة البوليسار وعودة المغرب إلى مقعده أهم الخلافات
تواجه منظمة الوحدة الإفريقية موقفًا حرجًا، بعد أن تولت الأمم المتحدة ملف الصحراء، ويزداد الحرج إذا جاءت نتيجة الاستفتاء المزمع إجراؤه لصالح انضمام الصحراء للمغرب
ينتظر أن تكون القمة التي تعقدها منظمة الوحدة الإفريقية بالجزائر في شهر يوليو الجاري، حاسمة لملف الصحراء الغربية التي ظلت حجر عثرة أمام توافق أطراف هذه المنظمة وعودة المغرب إلى حظيرتها منذ انسحابه في ١٩٨٤م احتجاجًا على اعتراف المنظمة بـ «الجمهورية الصحراوية»، إذ ستبحث هذه القمة قضية طرد الجمهورية الصحراوية، مما سينتج عنه في حال حدوثه، رجوع المغرب عضوًا بالمنظمة الإفريقية، وهما نقطتان تترتب الواحدة منهما على الأخرى، ولم تستطع الحسم فيهما قمة واجادوجر في بوركينا فاسو التي انعقدت في شهر يونيو من العام ۱۹۹۸م، أو مؤتمر وزراء الخارجية في شهر فبراير من العام الجاري، وتم تأجيلهما إلى قمة الجزائر .
سياق المرحلة الراهنة: تمتد جذور الموقف الإفريقي من نزاع الصحراء إلى المراحل الأولى لاندلاعه بين المغرب والجزائر في السبعينيات، خلال تلك الفترة كان موقف منظمة الوحدة الإفريقية يكتفي بما تصدره منظمة الأمم المتحدة من قرارات بشأن النزاع ويقتصر دورها على المصادقة على تلك القرارات وتقديم رؤاها لحل النزاع بين الطرفين، غير أن القطبية الثنائية الدولية القائمة عندئذ، كانت تسم العلاقات بين الدول الإفريقية بالتوتر الذي يرتدي الطابع الأيديولوجي، وكانت الجزائر تقوم بدور قاطرة حركة التحرير الإفريقية فاصبح النزاع حول الصحراء نزاعًا بين «دولة مستعمرة» وحركة تحرير تنشد الاستقلال، الأمر الذي جعل هذه الأخيرة تحظى بالقبول بين الدول الإفريقية، وبكثير من الدعم والمساندة، وفي إطار تشجيع الأمم المتحدة للمنظمات القارية والإقليمية على حل قضايا المنطقة التي تدور في فلكها حاولت منظمة الوحدة الإفريقية وضع مشروع للتسوية، حيث قررت في القمة الثامنة عشرة في نيروبي عام ۱۹۸۱ م دعم خطة التسوية التي قبلها المغرب، واطلق على ذلك المشروع «مسلسل نيروبي»، وشكلت منظمة الوحدة الإفريقية لجنة سباعية عهد إليها بتنفيذ الخطة وعقدت اجتماعين في أغسطس ۱۹۸۱م وفبراير ،۱۹۸۲م، واعتبر الملف منتهيًا ولم يبق إلا انتظار نتيجة الاستفتاء للحسم في خيار استقلال الصحراويين عن المغرب أو بقائهم فيه، وكان «مسلسل نيروبي» بالنسبة للجزائر إعلانًا عن فشل مساعيها في فرض منظورها لحل النزاع، إذ كانت ترى أن حله يتأتى من خلال مفاوضات مباشرة بين المغرب وجبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب «البوليساريو»، بينما يرى المغرب أن هذه الأخيرة هي صنيعة للجزائر وأن المفاوضات ينبغي أن تكون مع الحكومة الجزائرية وأن التفاوض مع «البوليساريو» اعتراف ضمني بشرعيتها، وهو خط أحمر بالنسبة للرباط لا تريد تجاوزه، وفيما كان «مسلسل نيروبي» يأخذ طريقه للتنفيذ ويخضع للمشاورات داخل اللجنة السباعية قرر المجلس الإداري للمنظمة الإفريقية اتخاذ قرار مفاجئ في دورة عادية عام ۱۹۸۲م، بقبول الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية عضوًا كامل العضوية داخل المنظمة بعد أن اعترف بها أكثر من نصف أعضائها، وقد شكل هذا القرار طعنة للمغرب الذي لم يكن يتوقع هذا التحول المفاجئ، وأحدث القرار كذلك شرخاً في صفوف المنظمة الإفريقية بين المؤيدين والمعارضين، مما أثر على اليات عملها وأفشل محاولتين لعقد القمة التاسعة عشرة التي كان مقرراً عقدها في طرابلس بالجماهيرية الليبية في أغسطس - نوفمبر ۱۹۸۲م، بعد أن فشلت كل المحاولات لعقد أي اجتماع إفريقي استشاري أو وزاري، بسبب وجود الجمهورية الصحراوية التي كان حضور وفد منها سيدفع بأعضاء التحالف المغربي إلى المقاطعة والانسحاب، ودفع استمرار الأزمة بعدد من الدول الإفريقية غير العربية إلى الدعوة للخروج من المنظمة الإفريقية، وتأسيس منظمة إفريقيا السوداء بدعوى أن العرب طرف في كل النزاعات التي تعالجها المنظمة كالنزاع الليبي - التشادي والسوداني- الإثيوبي.
غير أن هذه الدعوة لم تنجح بسبب معارضة البعض لها كالسنغال ونيجيريا وإثيوبيا وغينيا – وكوناكري، وعلى هامش قمة عدم الانحياز في نيودلهي في مارس ۱۹۸۳م، تم الاتفاق على عقد القمة التاسعة عشرة في إثيوبيا مقر المنظمة في يونيو من ذلك العام، وعلى أن تتغيب الجمهورية الصحراوية دون أن تجمد أو تلفي عضويتها بالمنظمة، وعقدت القمة التي وجهت تحية للصحراويين على «دورهم وتجاوبهم» لإنجاحها، وأقرت توصيات القمة لأول مرة مفاوضات مباشرة بين المغرب والبوليساريو تحفظ عليها الوفد المغربي المشارك كما أقرت أن النزاع هو نزاع بين المغرب والبوليساريو، وكانت هذه التوصيات لصالح هذه الأخيرة وتحالفها وبالأخص الجزائر التي كان هدفها تعطيل «مسلسل نيروبي» وتجميده، وفي القمة العشرين التي عقدت في نوفمبر ١٩٨٤م تم توجيه الدعوة إلى البوليساريو لحضور القمة، وكان الحضور «قانونيًا»، ولم يجد المغرب غير الانسحاب ليس فقط من أشغال القمة بل من منظمة الوحدة الإفريقية التي كان المغرب أحد مؤسسيها.
دول إفريقية تتسابق إلى سحب اعترافها بالبوليساريو!
وردًا على خطوة منظمة الوحدة الإفريقية، بادر المغرب إلى نقل ملف النزاع إلى الأمم المتحدة منذ ١٩٨٥م، باعتبار أن المنظمة الإفريقية فقدت مصداقيتها وأهليتها كحكم محايد في النزاع، واستطاع الأمين العام الأممي الأسبق بيريز دي كوبار عام ۱۹۸۸م وضع مخطط للتسوية وافقت عليه الأطراف، وكان المغرب يلح على إبعاد دور المنظمة الإفريقية من مشروع التسوية.
ولقد لعبت التحولات الدولية والإقليمية في نهاية الثمانينيات والنصف الأول من التسعينيات دورًا كبيرًا في تغيير مجرى الأحداث في المنطقة لصالح المغرب وقضيته، وكان انهيار المعسكر الاشتراكي وراء سقوط الشعارات الأيديولوجية وتراجع المد الثوري، ودخلت القارة الإفريقية عهدًا جديدًا من الصراعات والحروب الأهلية التي لم يعد فيها الهاجس الأيديولوجي المحرك الرئيس نتيجة زوال التوازنات الدولية السابقة، وهذا بدوره أثر على مكانة ودور البوليساريو وإمداداته العسكرية، كما تم تأسيس اتحاد المغرب العربي في ۱۹۸۹م ليكون إطارًا حماسيًا لحل القضايا العالقة بين أعضائه في ذلك المغرب والجزائر، ولم تمر فترة طويلة حتى دخلت الجزائر أزمة سياسية قادتها إلى حرب أهلية رهيبة لتصبح الأولوية للجبهة الداخلية وترميم الأوضاع الاقتصادية المنهارة على حساب دعم البوليساريو الذي كان ينهك الاقتصاد الجزائري ويرتب عليه تكاليف باهظة لم تعد قادرة على حملها، ونتيجة لكل هذه الأسباب وجدت البوليساريو نفسها تعيش ضائقة مالية واقتصادية وأزمة فراغ ديبلوماسي وسياسي، وتمكن الكثيرون من زعمائها إضافة إلى الصحراويين الفارين من الدخول إلى المغرب بعد النداء الملكي لهم بالعودة إلى وطنهم، الأمر الذي أثر على تماسك ووحدة البوليساريو وأدى إلى حدوث انشقاقات أو تهديد بالانشقاق.
ولم يكن ممكنًا أن تستمر الدول الإفريقية في الإبقاء على ملف الصحراء، حيث وقفت به عام ١٩٨٤م، أمام كل هذه التحولات، وبدأت بعض الدول تعيد النظر في سياساتها تجاه المغرب ونزاع الصحراء، وخلال الفترة بين ١٩٩٦م و1997م، وصل عدد الدول التي سحبت اعترافها بجبهة البوليساريو تسع دول لتصبح عشرًا بعد غينيا الاستوائية التي سبقت إلى ذلك عام ١٩٨٠م، وكلها دول غير عربية، وقام زعماء بعض هذه الدول بزيارات إلى المغرب مكنت من إعادة التفاهم حول نزاع الصحراء فيما يشبه نوعًا من الإقرار بخطأ المنظمة الإفريقية في الاعتراف بجبهة البوليساريو، وخلال الأسبوع الأول من شهر يونيو المنصرم قام الوزير الأول المغربي عبد الرحمن اليوسفي بجولة شملت خمس بلدان إفريقية، وأسفرت عن توقيع عدة اتفاقيات تجارية واقتصادية بين الرباط وعواصم تلك البلدان بما يشير إلى إعادة تطبيع العلاقات الباردة وهو نجاح ديبلوماسي للمغرب سبق عقد القمة الإفريقية بالجزائر.
سيناريو العودة
طرحت عدة دول إفريقية حتمية اتخاذ قرار حاسم من طرف منظمة الوحدة الإفريقية يعيد الاعتبار للحقائق التاريخية بدل الإصرار على الأوهام الأيديولوجية التي وأدتها مرحلة معينة، يكون من شأنه إسقاط عضوية جبهة البوليساريو والتمكين لعودة المغرب بعد غياب نحو خمسة عشر عامًا كاملة، وأثناء قمة واجادوجو في بوركينا فاسو في يونيو من العام الماضي كادت هذه القضية تؤدي إلى نزاعات بين الدول الإفريقية داخل القمة التي درست فيها مسألة طرد البوليساريو في اجتماع مغلق ولم تتمكن من الحسم فيها، واعترضت الجزائر على ذلك معتبرة طرد الجبهة غير قانوني، وقد أعلن الملك المغربي في أثناء انعقاد تلك القمة عن ما يمكن أن يعبر عن رغبة المغرب في العودة إلى حظيرة المنظمة الإفريقية حين رد على سؤال حول احتمال هذه العودة قائلًا: «تقولون احتمال ولكنني أعتقد جيدًا أننا سنعود»!
لكن الدول الإفريقية لم تستطع حتى الآن تحصيل موقف مشترك بشأن هذا الملف، فإذا كان البعض منها يعتبر اعتراف المنظمة بجبهة البوليساريو خرقًا للميثاق الذي يمنح العضوية فقط للدول المستقلة ذات السيادة، واستباقًا لنتائج الاستفتاء وجهود الأمم المتحدة لحل النزاع، وتعبيرًا عن تحيز المنظمة في نزاع غير محسوم يمكن أن يتكرر في دول إفريقية عديدة، فإن بعضها الآخر برى أن مسألة إعادة النظر في عضوية الجمهورية الصحراوية أمر غير مشروع، وأنه تم الحسم في عام ۱۹۸۲م، ولا ينبغي الرجوع إلى الخلف، وبين هذين الموقفين تظل قضية الصحراء أخذة طريقها نحو إجراء الاستفتاء تحت رعاية الأمم المتحدة، وتخشى دول إفريقية عديدة أن تكون نتيجة الاستفتاء لصالح المغرب لتظهر قرارات المنظمة الإفريقية عارية من المصداقية، وهو ما قد يسدد ضربة لشرعية المنظمة وموضوعيتها في حل النزاعات لأن شرعية المنظمة الإفريقية لا يمكن أن تقف أمام ما تسفر عنه شرعية المنظمة الدولية. ومن شأن عودة المغرب إلى منظمة الوحدة الإفريقية أن يرد لهذه الأخيرة صورتها الأولى كمنظمة إقليمية لحل الصراعات وخدمة قضايا المنطقة، كما سيعيد للدول الإفريقية بلدًا يتمتع بموقع استراتيجي شمال القارة وعمقًا استراتيجيًا مهمًا، خاصة مع التحديات العالمية حول القارة والتسابق الفرنسي الأمريكي والمشروعات الدولية الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تخطط لدولها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل