; القمة الإسلامية.. ومستقبل العالم الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان القمة الإسلامية.. ومستقبل العالم الإسلامي

الكاتب د. سعيد الحاج

تاريخ النشر الأحد 01-مايو-2016

مشاهدات 91

نشر في العدد 2095

نشر في الصفحة 52

الأحد 01-مايو-2016

بعد كم وافر من التحليلات والتوقعات التي تراوحت بين التفاؤل والتشاؤم واللامبالاة، عقد مؤتمر قمة منظمة التعاون الإسلامي الثالث عشر في إسطنبول، وسط حضور اعتبره المنظمون تاريخياً بمشاركة 56 دولة (كافة الدول الأعضاء باستثناء سورية بسبب تجميد عضوية النظام السوري) من بينهم أكثر من 30 رئيس دولة ورئيس وزراء.

وعلى مدار يومي الرابع عشر والخامس عشر من أبريل الماضي، ناقشت قيادات العالم الإسلامي عدداً كبيراً من المشكلات والأزمات والملفات والمواضيع والمسائل المطروحة والمستقبلية، بينما خيمت على أعمال القمة التنبؤات والتغطيات الخاصة بالأزمات والمصالحات المحتملة بين الدول الأعضاء وخاصة المملكة العربية السعودية – إيران، وتركيا - مصر.

كسر البروتوكول

في ظل الاستقطابات المسيطرة على العالم الإسلامي، لم يكن متوقعاً بطبيعة الحال أن تمر القمة دون مفاجآت و/أو منعطفات ما، فكانت البداية مع غياب بروتوكولية التسليم والتسلم بين الرئيس السابق واللاحق للقمة كما جرت عليه العادة منذ تأسيس المنظمة عام 1969م باسمها السابق «منظمة المؤتمر الإسلامي»، فقد تجاهل وزير الخارجية المصري ممثل الرئاسة السابقة ذكر تركيا في كلمته التي أنهاها مغادراً مقعده سريعاً، قبل أن يصل للمنصة الرئيس التركي «أردوغان» الذي شكر في كلمته الدولة الرئيس السابق للقمة دون أن يسميها بالاسم.

أهم المخرجات

لم يكن من الحكمة رفع سقف التوقعات من قمة المنظمة التي تعاني من خلافات كبيرة بين أعضائها، فضلاً عن البيروقراطية الشديدة في آليات العمل والتي حولتها على مدى عشرات السنين الماضية إلى أشبه بمنظمة «يونيسكو» العالم الإسلامي، من خلال العمل والتركيز في مجالات الثقافة والإغاثة وغيرها، على حساب الإنجازات في عالم السياسة وملفات العالم الإسلامي الثقيلة.

من جهة أخرى، لا يمكن التهويل من مؤتمر قمة يضم قيادات الدول المسلمة أجمع تحت مظلة منظمة سياسية واحدة هي الثانية على مستوى العالم بعد الأمم المتحدة، إن الحفاظ على المنظمة واجتماعاتها وآليات عملها رغم كل ما يعتري بنيتها وعملها من قصور يعد بحد ذاته منجزاً جيداً، ويحافظ على بذور الأمل في التطوير والتفعيل والتحديث مستقبلاً.

وبالنظر إلى مخرجات القمة، من خلال الكلمات والنقاشات والمقررات والبيان الختامي، يمكن القول: إنها مشمولة في أربعة سياقات كبيرة، هي:

الأول: تفاؤل عام برئاسة تركيا الدورية للمنظمة، بما يمكن أن ينتج عنه من تفعيل للمنظمة وتحريك لمياهها المتجمدة، فتركيا تمتلك خبرة سياسية، وموقعاً إستراتيجياً مهماً ووسطاً، وتجربة رائدة على مستوى منظمات المجتمع المدني وإرادة بخصوص ريادة وتفعيل العمل الإسلامي بشكل عام والإقليمي بشكل خاص، وهو ما انعكس بشكل واضح على كلمة الرئيس التركي كما سيأتي تفصيله، ومما يرفع من مستوى هذا التفاؤل أن رئاسة تركيا للمنظمة تأتي في ظل تعاون بمستوى جيد ومتطور بينها وبين المملكة العربية السعودية، مستضيفة مقر المنظمة وصاحبة التمويل والنفوذ، فضلاً عن كون الأمين العام سعودياً.

الثاني: بروز معالم التعاون الثنائي بين تركيا والسعودية في المؤتمر، والذي كان استمراراً لحلقات التعاون والتنسيق المتزايدة باطراد منذ تسلم الملك سلمان عرش المملكة.

الثالث: تركيز عدد لا بأس به من القرارات على إدانة إيران والمجموعات الدائرة في فلكها في البيان الختامي، في ثلاث مواد على الأقل، وهي إدانة الهجوم على الممثليات الدبلوماسية السعودية في إيران، ودعوة الأخيرة إلى علاقات حسن الجوار واحترام سيادة الدول، وإدانة تدخلها في شؤون بعض الدول العربية، وهي نتيجة لها دلالتها الواضحة، المتعلقة بفشل إيران وحلفائها في منع ورود البيان الختامي بهذه الطريقة واصطفاف معظم الدول خلف الرياض في مواجهتها الدبلوماسية مع طهران، بغض النظر عن التضارب بين وسائل الإعلام العربية والتركية حول صيغتي الإدانة والأسف. 

الرابع: وكما كان متوقعاً؛ فقد غابت الإنجازات والاختراقات المهمة في الملفات الكبيرة، المزمنة المستعصية منها مثل القضية الفلسطينية، أو المستحدثة اللاهبة منها مثل سورية والعراق وليبيا واليمن، واكتُفي بتكرار بعض القرارات والمواقف السابقة حول دعم بعض القضايا وتخصيص صناديق دعم مالي لبعضها الآخر، ورفع سقف الموقف السياسي من قضايا أو دول ثالثة، فضلاً عن تطور صيغة الخطاب في قضايا أو ملفات رابعة.

والحقيقة أن البيروقراطية في عمل المنظمة وتكلسها على مدى عشرات السنين، فضلاً عن الخلافات الداخلية بين الدول الأعضاء لم تكن لتعد بأكثر من ذلك، بيد أن هذا لا يمكن اعتباره مبرراً لغياب فاعلية «العالم الإسلامي» الممثل في المنظمة إزاء قضايا مصيرية وكبيرة وخطيرة مثل المطروحة على جدول الأعمال والأحداث الخطيرة المتلاحقة في أكثر من بلد عربي ومسلم.

حول المستقبل

بيد أن ذلك لا يعني أيضاً أن القمة خرجت بدون آمال مبنية على وقائع ملموسة بخصوص مستقبل عملها ومستقبل العالم الإسلامي معاً، فقد حملت كلمة الرئيس التركي، وكلمة الأمين العام إياد بن مدني، وفقرات البيان الختامي، وبنود «إعلان إسطنبول»؛ بعض العناوين المهمة فيما يتعلق بالرؤية المستقبلية و/أو الإستراتيجية، أهمها:

أولاً: رغبة واضحة وإرادة قوية لتفعيل عمل المنظمة برئاسة تركيا الدورية، على مستوى النوايا والعزيمة، وأيضاً على المستوى العملي المادي، وهنا يمكن ملاحظة تركيز الرئيس التركي على تقاعس بعض الدول – دون تسميتها – عن دفع مساهماتها في المنظمة، مستغرباً كيف يمكن انتظار عمل المنظمة بفاعلية دون دعمها مالياً، مقدماً من بلاده قدوة للجميع حيث تبرعت لها تركيا بمبلغ مليوني دولار.

ثانياً: إقرار الخطة الإستراتيجية للمنظمة حتى عام 2025م، والتي شملت 107 أهداف، منها 18 هدفاً ذات أولوية استثنائية، في مقدمتها السلام، والقضية الفلسطينية، والأمن، والحد من الفقر، ومكافحة الإرهاب والتشدد، والاستثمار والمال، العلم والتكنولوجيا، التغيرات المناخية، التفاهم بين الأديان، العمل الإسلامي الإنساني المشترك، الإدارة الراشدة، وحقوق الإنسان.

ثالثاً: مقترحات إنشاء مؤسسات أو أقسام في بنية المنظمة اقترحها الرئيس التركي في كلمته وبعضها نال استحسان الدول الأخرى، مثل المجلس الإسلامي النسائي، وآلية تحكيم إسلامية تحت بنية المنظمة، والتعاون الأمني والشرطي، وتمثيل الأقليات المسلمة في البلاد غير المسلمة في المنظمة، وغيرها من المقترحات التي ركزت على فكرة أن العالم الإسلامي وحدة متكاملة لا يحتاج من «الآخرين» أن يفصلوا في مشكلاته أو يحلوها له.

إذن؛ فقد سارت أعمال القمة الثالثة عشرة لمنظمة التعاون الإسلامي على خيط رفيع بين التقليدية البروتوكولية والتفاؤل بمستقبل فاعل وحيوي - ولو نسبياً وتدريجياً - للمنظمة ومن خلفها العالم الإسلامي ككل، وهو أمر مرهون بمدى قدرة الدول المختلفة على تجاوز الإشكالات أو إيجاد آليات عملية لحلها أو تجاوزها، فضلاً عن الثقة بالمنظمة كغطاء جامع يتم من خلاله تناول قضايا الدول والشعوب المسلمة، وهي تطورات برسم العمل المستقبلي على المديين القريب والمتوسط.>     

الرابط المختصر :