العنوان القلوب المتجردة
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1987
مشاهدات 79
نشر في العدد 806
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 24-فبراير-1987
- القلوب
المتجردة لا يهمها أين تقف في طريق الدعوة.. في المؤخرة أم في المقدمة؟
- هذه
القلوب لا تعمل من أجل فلان أو من أجل جماعة أو من أجل عرض من أعراض الدنيا.
والرسل
ينتظرون الوعد فلا يتحقق لهم في هذه الأرض فتهجس في خواطرهم الهواجس، تراهم كُذبوا؟
تُرى نفوسهم كذبتهم في رجاء النصر في هذه الحياة الدنيا؟
في هذه
اللحظة التي يستحكم فيها الكرب، ويأخذ فيها الضيق بمخانق الرسل ولا تبقى ذرة من الطاقة
المدخرة.. في هذه اللحظة يجيء النصر کاملًا حاسمًا فاصلًا ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا
فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾
(يوسف:۱۱۰).
تلك سنة الله في الدعوات.. لابد
من الشدائد ولابد من الكروب؛ حتى لا تبقى بقية من جهد، ولا بقية من طاقة، ثم يجيء النصر
بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس.. يجيء النصر من عند الله فينجو
الذين يستحقون النجاة، ينجون من الهلاك الذي يأخذ المكذبين وينجون من البطش والعسف
الذي يسلطه عليهم المتجبرون.[1]
تلك اللحظات
التي يتحقق فيها معنى التوكل بأنصع صوره، فيتجرد المؤمنون من الأسباب بعد أن بذلوها
ويتعلقون فقط برب الأسباب تعلقًا لا يجعل في قلوبهم ذرة من الالتفات إلى الأسباب، وهذا
ما يؤدي لتكوين العلامة الثانية من علامات تحديد ساعة النصر.
العلامة
الثانية: بروز القلوب المتجردة
فمازالت
الحركة الإسلامية تعاني من نقص كبير في وجود مثل هذه القلوب التي كانت تكثر أيام الرعيل
الأول.. تلك القلوب المتجردة التي لا يهمها على لسان من تكون كلمة الحق ما دامت تقال..
تلك القلوب المتجردة التي لا تنظر إلى المنصب ولا تتمناه.
تلك القلوب
المتجردة التي لا يهمها أين نقف في طريق الدعوة؟ في المؤخرة أم في المقدمة؟ مادامت
ثابتة في الطريق تدعو إلى الله.
تلك القلوب
المتجردة التي لا تعرف الراحة ولا الملل والضجر، وتدعو كلما انغمست في أعمال الدعوة
«اللهم اشغلنا بالحق ولا تشغلنا بالباطل».. تلك القلوب المتجردة التي لا تعرف وقتًا
محددًا تعمل فيه للدعوة وآخر لا تعمل فيه، بل جعلت كل لحظة في حياتها للدعوة، وكانت
وقفًا على الدعوة.
تلك القلوب
المتجردة.. التي لا تعمل من أجل فلان وعلان، ولا من أجل جماعة، ولا من أجل عرض من أعراض
الدنيا إنما تعمل لإرضاء الله فحسب.
تلك القلوب
المتجردة التي تقدم عندما يحجم الآخرون وتثبت عندما يزل الآخرون، وتصبر عندما يجزع
الآخرون، وتحلم عندما يحمق الآخرون، وتغفر عندما يخطئ بحقها الآخرون.
تلك القلوب
المتجردة التي لا توجد فيها مساحة أو موضع إبرة من حقد على مسلم.. تلك القلوب المتجردة
التي لا تعرف الثأر لنفسها.
تلك القلوب
المتجردة التي لا تجد للنوم طعمًا؛ ألمًا على ما يصيب الإسلام والمسلمين. يقول سيد
رحمه الله: «لقد كان القرآن ينشئ قلوبًا يُعدّها لحمل الأمانة، وهذه القلوب كان يجب
أن تكون من الصلابة والقوة والتجرد بحيث لا تتطلع- وهي تبذل كل شيء وتحتمل كل شيء-
إلى شيء في هذه الأرض، ولا تنظر إلا إلى الآخرة، ولا ترجو إلا رضوان الله.. قلوبًا
مستعدة لقطع رحلة الأرض كلها في نصب وشقاء وحرمان وعذاب وتضحية حتى الموت. بلا جزاء
في هذه الأرض قريب، ولو كان هذا الجزاء هو انتصار الدعوة، وغلبة الإسلام وظهور المسلمين،
بل لو كان هذا الجزاء هو هلاك الظالمين بأخذهم أخذ عزيز مقتدر كما فعل بالمكذبين الأولين!
حتى إذا وجدت هذه القلوب التي تعلم أن ليس أمامها في رحلة الأرض إلا أن تعطي بلا مقابل-
أي مقابل- وأن تنتظر الآخرة وحدها موعدًا للفصل بين الحق والباطل. حتى إذا وجدت هذه
القلوب، وعلم الله منها صدق نيتها على ما بايعت وعاهدت أتاها النصر في الأرض، وائتمنها
عليه، لا لنفسها ولكن لتقوم بأمانة المنهج الإلهي وهي أهل لأداء الأمانة منذ كانت لم
توعد بشيء من المغنم في الدنيا تتقاضاه، ولم تتطلع إلى شيء من المغنم في الأرض تُعطاه.
وقد تجردت لله حقًّا يوم كانت لا تعلم لها جزاء إلا رضاه».[2]
العلامة
الثالثة: الثبات عند المحنة المزلزلة
لقد تكلمنا
عن الثبات في موضع آخر، ولكن هذا الثبات الذي نحن بصدده ثمة ثبات من لون آخر، هو ثبات
على محنة مزلزلة تجعل أشد الناس وأصبرهم وأتقاهم وأشدهم صلة بالله وهم الرسل وأتباعهم
يستبطؤون النصر من شدة هول المحنة ويقولون: «متى نصر الله؟».
حيث يقول
تعالى ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ
الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا
حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا
إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214).
يقول سيد
رحمه الله: «وإنها لتجربة عميقة جليلة مرهوبة.. إن هذا السؤال من الرسول والذين آمنوا
معه.. من الرسول الموصول بالله والمؤمنين الذين آمنوا بالله.. إن سؤالهم: «متى نصر
الله؟» ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة، ولن تكون إلا محنة فوق
الوصف وتلقى ظلالها على مثل هاتيك القلوب، فتبعث منها ذلك السؤال المكروب «متى نصر
الله؟».
وعندما
تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة.. عندئذ تتم كلمة الله ويجيء النصر من الله: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة:
214).
إنه مدخر
لمن يستحقونه، ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية. الذين يثبتون على البأساء
والضراء.. الذين يصمدون للزلزلة.. الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة.. الذين يستيقنون
أنَّ لا نصر إلا نصر الله وعندما يشاء الله، وحتى حين تبلغ المحنة ذروتها فهم يتطلعون
فحسب إلى «نصر الله» لا إلى أي حل، ولا إلى أي نصر لا يجيء من عند الله، ولا نصر إلا
من عند الله.. بهذا يدخل المؤمنون الجنة مستحقين لها جديرين بها، بعد الجهاد والامتحان
والصبر والثبات والتجرد لله وحده والشعور به وحده وإغفال كل ما سواه، وكل من سواه».[3]
هذه هي
العلامات التي نستدل بها على قرب النصر، ولا يعني أنها هي العلامات الوحيدة التي تدل
على قرب النصر، ولكنها هي البارزة بين العلامات، ولا نستطيع من خلال هذه العلامات أن
نحدد وقتًا معينًا للنصر، بل ربما يؤخر الله النصر لحكمة لا نعلمها كبشر، وما علينا
إلا أن نقوم بما أمرنا به من العمل ونكل النتائج وتحديد وقت النصر كله لله.
___________
(1) الظلال: 4/ 2035، 2036.
(2) معالم في الطريق: 183، 184- فصل "هذا هو الطريق".
(3) الظلال: 1/ 218، 219.