العنوان القلعة المعزولة
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 05-مارس-2005
مشاهدات 69
نشر في العدد 1641
نشر في الصفحة 66
السبت 05-مارس-2005
في الفترة التي سبقت الانتخابات الأمريكية الأخيرة أدلى زيغنيو بريجنسكي المستشار السابق للأمن القومي الأمريكي بحديث ينطوي على أهمية بالغة لأنه يعكس رؤية مستقبلية للوجود الأمريكي فيما يسمى بالشرق الأوسط الكبير، ولذا لزم الوقوف عنده قليلًا...
قال: إنه يتوقع تغيرًا في السياسات الأمريكية الخارجية إذا ما أعيد انتخاب بوش. وهذا هو المرجح، لأن الحزب الديمقراطي لم يقدم مشروعًا بديلًا ومتكاملًا يمكن أن ينقذ الولايات المتحدة من سلسلة الأخطار التي وقعت فيها الإدارة، معتبرًا أن خطأ بوش الحقيقي هو في محاولة تفرده، واصفًا بعض أركان الإدارة بالعمى الأيديولوجي والإستراتيجي على السواء،
واستعاد بريجنسكي بعضا مما ورد في كتابه الأخير «الخيار الحقيقي» ليقول: إن على القادة في الولايات المتحدة أن يكونوا على وعي تام بعدم التشبه بالإمبراطورية الرومانية التي كانت تستخدم فيها مصطلحات قريبة جدًّا من مصطلحات تصدر عن مسؤولين في واشنطن مثل: «الدول المارقة» و«محور الشر» و«الجماعات الإرهابية».. إلخ، ملاحظًا أن الغطرسة التي كانت تمارسها روما أدت بالإمبراطورية إلى الانهيار، وعلى هذا الأساس فهو يدعو إلى أن تكون أمريكا مدينة على جبل «كما ورد في العظة الأخيرة للسيد المسيح»، مدينة مشعة وفي سلام مع العالم، لا قلعة على جبل، معزولة وكئيبة، وتستقبل جثث القتلى.
وحذر بريجنسكي من أنه إذا لم يحدث تغير في سياسة الإدارة فإن أمريكا ستنهار، في ذلك المصطلح الذي لم يأخذ في الاعتبار الكثير من الحقائق الجغرافية والتاريخية والإنسانية، وهو «الشرق الأوسط الكبير»، مشيرًا إلى أن الروس يبدون شديدي الانزعاج مما يحدث عبر أوروبا الوسطى «الشرقية» وآسيا الوسطى «الشرقية»، وهم قادرون على إلحاق الأذى بالإستراتيجية الأمريكية في تلك المناطق، لا سيما المناطق الآسيوية شديدة التعقيد، سواء تعاونوا مع الصينيين الغاضبين بدورهم أم لا - ولم يستبعد أن يدعم الروس ما أسماه بالإسلام المتشدد في بعض الجمهوريات على الرغم من أن ذلك قد يؤثر على وضع الشيشان.
ویرى بريجنسكي، الذي يعد أبرز الباحثين المستقبليين في الولايات المتحدة، أن الخطأ القاتل الذي ارتكبه الرئيس جورج بوش هو أنه أدار ظهره للحلفاء الأوروبيين، بل إنه وبنصيحة رديئة من مستشاريه، طبق خطة على جانب كبير من البلاهة، لتجزئة القارة «أوروبا القديمة وأوروبا الجديدة» ظنًّا منه أنه بهذه الطريقة يستطيع أن يحمل الأوروبيين على السير في ركابه، رغم أن التحالف القائم في العراق يفترض أن يشكل أمثولة للذين لا يفقهون ما هي أهمية أوروبا الموحدة بالنسبة لحماية مستقبل أمريكا.
ويرى بريجنسكي أن الصين تستطيع في العقود المعدودة المقبلة أن تبتلع أمريكا إذا لم يتم إحداث تعديلات أساسية في الرؤية الإستراتيجية بحيث يعاد تفعيل التحالف مع أوروبا، مستغربًا الرفض الأمريكي لانضمام دولة عملاقة مثل ألمانيا إلى الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.
وقال بريجنسكي: إن البعض يحاولون المزج بين عملية صوغ السياسات وبين مفاهيم ميتافيزيقية مثيرة للجدل. فإذا كان هناك من يعتبر أن النصوص المقدسة تشكل أساسًا في الرؤية السياسية، فلابد من أن نستغرب كيف يكرس هؤلاء الانغلاق وبناء علاقات ملتبسة بل وعدوانية مع العالم.
ومع أن بريجنسكي يظهر الكثير من الجدية، كلما بدرت عنه إشارة ساخرة، لكنه لم يتردد، عند الحديث عن تسويق الديمقراطية كسلعة جاهزة للاستهلاك، عن التساؤل فيما إذا كانت المركبات الفضائية التي سترسل إلى المريخ ستحمل معها منشورات تدعو إلى الديمقراطية فوق الكوكب الأحمر، لكنه يؤكد أن باستطاعة الولايات المتحدة أن تساعد على نشر الديمقراطية بطريقة تأخذ في الاعتبار أن مهمتنا إنسانية وحضارية بالدرجة الأولى (!!) لا يمنطق قاذفات القنابل.
ولم يتوقع بريجنسكي أي خطوة نحو السلام في الشرق الأوسط في غضون الأشهر المقبلة، لكنه لم يستبعد تجميدًا للوضع، لأن الإبقاء على ما أسماه بوتيرة العنف سيخلف آثارًا كارثية، مؤكدًا ضرورة أن يضغط بوش على شارون للحد من الإفراط في العنف، وهنا استدرك بريجنسكي قائلًا، إنه من الصعب أن يصغِي الرئيس إلى نصائح من هذا القبيل، لأن للمعركة الانتخابية معاييرها التي لا تدخل في منطق التحليل الأكاديمي للموقف السياسي!!..