; القلب | مجلة المجتمع

العنوان القلب

الكاتب عمر التلمساني

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1975

مشاهدات 5

نشر في العدد 258

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 15-يوليو-1975

عجيب - وحق جلال الله - أمر هذا القالب الصنوبري، المركوز إلى الجانب الأيسر من الصدر بين الضلوع! ليس العجب في تكوينه العضوي، فهو مضغة من خلايا وأمشاج، تقرب أو تبعد عن تكوين المخ والعيون.

إنه جزء من جسم الإنسان، يؤدي وظيفة من الوظائف التي أعده الله للقيام بها، وهو في كل ذلك ليس بالشيء العجيب؛ لأن قدرة الله محل التسليم والإقرار، وليست مدارًا للدهشة والعجب.. العجب يأتي من تصرف المخلوق تصرفًا لا يقوى عليه الأكثرون.. أما الذي هو على كل شيء قدير، كيف يثور العجب لصنعه وتصرفه؟! إن صنع الله يستوجب الاعتراف الكامل بالقدرة التي لا حد لها، ولا سلطان عليها، ثم يعقب ذلك الخضوع والشكر والحمد والرضاء بكل ما يصدر من هذا الجلال.

العجب من هذا القلب في تقلباته، يضيق - معنويًا - فتضيق الدنيا بأسرها معه، حتى تصبح كسم الخياط، يضيق فتظلم الدنيا في وجه صاحبه، لا يرى فيها وميضًا يهديه السبيل. يضيق فيبتئس صاحبه، لا يستروح النسمة، ولا يلمح البسمة.. يضيق.. فلا مسرة تسعده، ولا ترنيمة تنعشه، ولا منظر بهيج يؤنسه، ويستبد به الضيق، فإذا به قد طمس وابتأس، وهوى وانتكس، وحيل بينه وبين الرؤية الصادقة، فضاع منه التمييز بين الأشياء: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾.

إنه في كل هذا البلاء ليس عبئًا على نفسه، ولا ثقلًا على ذاته فحسب، ولكنه يحمل الضيق أينما حل، وحيثما اتجه؛ لأن ظله لا يفقه ولا يفيق، فماذا بعد الطمس إلا البوار: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾.. ضائع في الزحام، أكمه في الضياء، ساخط على كل شيء، يحمل الناس كل وزر، ولو صح قلبه لاجتنب الضلال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، لا يرى المتعة فتسعده وترفعه وتنقذه، وتزيد محنته محنًا، يحاول الهرب ولا مهرب. يكره الناس فيُكرَه، وينقم عليهم فينبذونه، فهو بذلك يتردى من وهدة إلى وهدة، ويتخبط من ضيق إلى ضيق حتى تصبح حياته جحيمًا لا تطاق.. كل ذلك لأن قلبه قد ضاق، لعلة أو لغير علل: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾.. هذا شأن من ضل قلبه عن طريق الله.

ويتسع هذا القلب - معنويًا - فتتسع مع الدنيا بأسرها، يرى في نورها بهاءً، وفي ظلامها إيذانًا بمطلع فجر جديد.. يرى في اتساعها ميدانًا فسيحًا لمشاعر طيبة، يفيض بها على من حوله، ويرى في ضيقها مفزعًا إلى أرحم الراحمين: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ قارعًا باب الرجاء يلفه خوف ودعاء: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾.

تناله المنحة فيرى في فيضها فضل الله عليه: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ فيستمتع بها، ويُشرِك غيره منها معه، يسعده أن يعم الخير كل الناس.. يحس بالرحمة تغمر الكون الفسيح فيأنس فؤاده، وينعم باله: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، لا يصدر منه إلا الخير كحامل الطيب، محبب إلى الناس أينما حل، ناثر للبر كيفما سار.. الرحمة دثاره، والبر نفقته، والحب ركيزته.. الوفاء عطاؤه.. الإخلاص دخيلته.. بهجة قلبه أن يرى الناس هانئين.. ذلك أن السعادة لا تتم إلا باثنين، أحدهما يعطي راضيًا، والآخر يأخذ شاكرًا.

وتحل به المحنة فيرى فيها ابتلاء الرحيم، فيتزود لها بالصبر، ويستعين عليها بالرضاء، ويستقبلها بالحمد الرصين، فإذا بصلوات الله ورحمته وهداه، واقيات مانعات من وسوسة الشياطين: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ وعلى يقين بأن الله يقلب الليل والنهار، بإيمان أن في طيات المحنة منحًا رطابًا.

ولن يجتاز الاختبار سليمًا، إلا إذا اتسع قلبه لها.. لا ضجر.. لا سخط.. لا ملام.. ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، بهذا القلب المطمئن، وبهذه السكينة الراسخة التي ينزلها الله في قلوب المؤمنين، تنعم الحياة، ويزخر الوجود بأحاسيس، تمر بيد الرحمة على صفحات القلوب، كما تتمايل أعطاف النسيم تعابث وريقات الورد وأغصان الشجر، في أوقات الأصيل، وعند سويعات السحر، هادئًا في الحالين.. منحة أو محنة.. أليسا قضاء الله؟ مرحبًا به إقرارًا بالقدرة، ورضاء بالمشيئة، وما شاء الله كان، وترقبًا للرحمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.. وهنا.. لن يضل ولن يخيب، ولن ييأس ولن يضيع.

تدور الحياة في محيط هذا القلب سعادة وشقاء، ويا لها من مضغة، إذا صلحت صلحت معها الأيام، وإذا فسدت فكل شيء هموم وآلام! حظيت هذه المضغة من العليم الخبير بما لم يحظ به أي عضو في جسم الإنسان: تنبيهًا من الله وتذكيرًا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾، مهوى الذكريات، ومستقر العبر، ومحبط الخشية: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بَقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾.. المطية الذلول التي يقدم بها المؤمن على ربه: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، مهبط الهدى، وموئل اليقين: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، أما إذا انعكست الآية فقسا القلب، وتاه في بيداء الحائرين، فمثار الطرد، وبؤرة اللعن، وغضب رب العالمين: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ وغدا السد المنيع، الحائل بين كل هداية ويقين: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾، وأصبح العازف عن كل خير: ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، وبات العدو الألد المحطم لكل يمن وإسعاد: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ وعلى الجملة فهو النور أو الظلام، الصحة أو السقام، العدو أو الحبيب، المضلل أو الدليل.

يا من يضيق صدره إعراضًا وانصرافًا، فتظلم الدنيا في وجهه، وتسود أمام عينيه: اذهب إلى ربك قدمًا تر الضيق فرجًا، والعقبة متسعًا.. اتجه في صدق وإخلاص إلى من بيده الأمر، تجد التيسير أسهل مما تظن، فقد تكفل الله به، وإذا تكفل القوي القادر بأمر فلا بد من نفاذه، ولا مرد له من دونه: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

أخي صاحب القلب المتفتح لنفحات الله، إليك نصيحتي وبالله التوفيق:

1- المنية ولا الدنية.

2- استقبال الموت أعز وأشرف من استدباره.

3- هالك مغدور أكرم وأنبل من ناجٍ قدور.

اللهم إن كان فيما قلت ما يرضيك فهب لي ثوابه، وإن كان غير ذلك فقني عذابه، فما أردت إلا خيرًا، وما توفيقي إلا بك، عليه توكلت وإليه أنيب، أنت حسبي ونعم الوكيل.

عمر عبد الفتاح التلمساني

الرابط المختصر :