; القلب في القرآن الكريم- الوظائف الأخلاقية للقلب | مجلة المجتمع

العنوان القلب في القرآن الكريم- الوظائف الأخلاقية للقلب

الكاتب أحمد عبد الرحمن العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1998

مشاهدات 72

نشر في العدد 1321

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 13-أكتوبر-1998

تناول الكاتب في مقال سابق (المجتمع ۱۳۱۲) الوظائف الإدراكية للقلب ويتناول اليوم وظائف القلب الأخلاقية.

«القلب» في لغة القرآن الكريم يقوم بوظائف الضمير الأخلاقي، فهو الذي يميز بين الخير والشر، وهو الذي يحث على عمل الخيرات وينهي عن اقتراف الشرور والرذائل، فثمة وظيفة تمييزية، وأخرى إرادية للقلب.

ولقد قال النبي: من يرد الله به خيراً يجعل له واعظاً من قلبه، والقلب الواعظ هو الذي يقوم بوظيفتي الضمير الأخلاقي التمييزية والإرادية، وأما في لغة القرآن الكريم فنجد تعبير النفس اللوامة، ووظيفة هذه النفس لدى المفسرين هي وظيفة القلب الواعظ أو الضمير.

يقول الله تعالى: ﴿لَآ أُقسِمُ بِيَومِ ٱلقِيَٰمَةِ  وَلَآ أُقسِمُ بِٱلنَّفسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾ (سورة القيامة : 1-2) ويفسرها القرطبي فيقول إن النفس اللوامة هي نفس المؤمن التي تسائله دائماً ما أردت بكلامي؟ ما أردت بعملي؟ وقال مجاهد: هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشر لم فعلته، وعلى الخير لم لم تستكثر منه (۱)، وهذا اللوم، أو الوخز كما يقال، غير ممكن إلا بعد التمييز بين الخير والشر.

وهنا نلاحظ اختلاف المصطلحات والألفاظ بين لغة القرآن وبين اللغة الفلسفية المستخدمة في مباحث الأخلاق حول الضمير، لكن الموضوع واحد، وهو الوظائف الأخلاقية للذات الإنسانية وهي التي ينسبها القرآن إلى «القلب» (۲).

ولكي يكون للفرد الإنساني فضل الالتزام بعمل الخير، مع وجود البواعث على عمل الشر أودع الله تعالى في جبلة الإنسان النفس الأمارة بالسوء» في مقابل النفس اللوامة، قال تعالى على لسان نبي الله يوسف عليه السلام ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفسي إِنَّ ٱلنَّفسَ لَأَمَّارَة بِٱلسُّوٓءِ﴾ (سورة يوسف: ٥٣) فهناك ثنائية في تكوين الفرد الإنساني، وفي هذه الثنائية يقول جل ثناؤه: ﴿وَنَفسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا  فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَىٰهَا ﴾ (سورة الشمس : 7-8) والإلهام هنا يشير إلى الجبلة والفطرة.

وقد وصف رسول الله لعمل النفس الأمارة بالسوء وصفاً شائقاً بليغاً فقال لأصحابه ما تقولون في صاحب لكم إن أنتم أكر متموه وأطعمتموه وكسوتموه أفضى بكم إلى شر غاية؟ وإن أنتم أهنتموه وأعريتموه وأجعتموه أفضى بكم إلى خير غاية؟ قالوا: يارسول الله، هذا شر صاحب في الأرض قال: فوالذي نفسي بيده إنها لنفوسكم التي بين جنوبكم (۳).

والرسول الله يحذر أصحابه هنا من الانقياد للنفس الأمارة بالسوء، ويحثهم على كبح جماحها، فهي - بحق . كما قال ابن القيم: محل الجناية ومصدرها (٤).

وإلى جانب النفس اللوامة، والنفس الأمارة بالسوء ينسب القرآن الكريم إلى القلب وظائف أخلاقية شعورية، مثل: الرحمة والرأفة والشجاعة وفي ذلك يقول جل جلاله:﴿فَبِمَا رَحمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُم وَلَو كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلقَلبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَولِك﴾ (سورة آل عمران : 159) وهذا ينفي الغلظة والقسوة عن قلب الرسول ويصفه بالرحمة بأصحابه وأمته، وفي اية أخرى يقول سبحانه ﴿وَجَعَلنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأفَة وَرَحمَة﴾ (سورة الحديد : ۲۷) والرحمة في القلب تترجم في العمل في شكل سلوك أخلاقي رفيع هو تجنب تعذيب أي كائن حي، والمبادرة إلى رفع العذاب عنه، أو تخفيفه حيثما وقع (٥) ويقول جل جلاله في وصف شجاعة أهل الكهف ﴿وَرَبَطنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِم إِذ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضِ لَن نَّدعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهًا لَّقَد قُلنَآ إِذا شَطَطًا﴾ (سورة الكهف: 14) والربط على القلب وصف له بالشجاعة والثبات في مواجهة الخطر، وتلك فضيلة أخلاقية إسلامية أساسية (٦).

الإرادة الحرة عمل القلب:  والفعل الإرادي الحر وظيفة للقلب بحسب القرآن الكريم، والفعل الإرادي الحر هو أساس الحكم الأخلاقي سلباً وإيجاباً، فلا فضيلة حقة ولا رذيلة حقة، يمكن أن تنسب إلى سلوك الإنسان إلا على أساس إرادته الحرة، وهذا بدهي (۷).

يقول جل ثناوه ﴿وَلَيسَ عَلَيكُم جُنَاح فِيمَآ أَخطَأتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَت قُلُوبُكُم﴾ (سورة الأحزاب : ٥) فأساس الجناح، أو التأثيم، هو تعمد القلب أي إرادة الإثم الحرة، أما الخطأ فليس فيه إثم، وإن كان المخطئ مسؤولاً عن الأضرار التي تلحق بالآخرين نتيجة لفعله الخاطئ، ويتأكد هذا المبدأ القرآني في آيتين اخريين، فيقول سبحانه: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغوِ فِيٓ أَيمَٰنِكُم وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَت قُلُوبُكُم ﴾ (سورة البقرة : ٢٢٥) وكسب القلب يقصد به الإرادة الحرة، والنية والعزم، دون إكراه أو قسر، ويقول سبحانه أيضاً: ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَن أُكرِهَ وَقَلبُهُۥ مُطمَئن بِٱلإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلكُفرِ صَدرا فَعَلَيهِم غَضَب مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُم عَذَابٌ عَظِيم﴾ (سورة النحل: 106)، لأن الإكراه معناه انتفاء الإرادة الحرة، وانتفاء الموقف القلبي الباطن المؤيد للارتداد إلى الكفر، ففي هذه الحالة يسقط الإثم عن الفاعل، أما الإدانة والغضب من الله والوعيد بالعذاب في الآخرة فللفعل الإرادي الحر للردة، درن إجبار أو إكراه، وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت في حق عمار بن ياسر - رضي الله عنه - حين عذبه المشركون وأكرهوه على التفوه بكلام أثم في حق الله ورسوله وشكا عمار ذلك للنبي الله فساله: كيف تجد قلبك؟ فأجاب عمار: مطمئن بالإيمان فقال: فإن عادوا فعد (۸).

وصفوة هذا كله أن الإرادة الحرة وظيفة من وظائف «القلب» في حكم الكتاب والسنة، تضاف إلى الوظائف السابقة.

وحين يمارس القلب فعل الإرادة الحرة، ويصدر أمره إلى جارحة من الجوارح، لتقوم بعمل ما، بحسب الإمكانات المتاحة، فإنه يستعمل المخ كأداة جسدية لتبليغ الإرادة القلبية الحرة، وقد يظن البعض أن هذه الصورة الصلة القلب» بالمخ والجوارح صورة حديثة ناتجة عن تقدم العلوم الطبية، وهذا ليس صحيحاً على إطلاقه، فقد تبين الإمام أبو حامد الغزالي هذه الصلة حين قال إن القوى المدركة نوعان ما أسكن المنازل الظاهرة - وهي الحواس الخمس - وما أسكن منازل باطنة، وهي تجاويف الدماغ (۹) و القلب من وراء كل هذه القوى، وتبعاً لذلك قرر الغزالي أن «القلب» هو المخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب لأنه هو الذي يمارس الإرادة الحرة، ويسخر كل إمكانات الذات البشرية لتحقيق غاياته، ومسؤوليته تتأسس على حريته.

وبناء على هذا كله يمكن أن نقول إن «القلب» بهذا المفهوم الوظيفي المركب الشامل متحد اتحاداً وثيقاً بالمخ والجوارح، وكل القوى الجسدية، فالذات البشرية لها باطن هو الذي يسميه القرآن «القلب» ولها ظاهر هو الجسم بكل قواه وجوارحه، والباطن يؤثر في الظاهر ويتأثر به بطرق عديدة، مثل أي وحدة عضوية، وهذه الوحدة وتفاعلات جانبيها، عرفت منذ زمن بعيد (۱۰) لكنها كشفت عن نفسها إلى حد بعيد في العلوم الطبية الحديثة، حتى نشأ ما يسمى بالطب السيكوسوماتي، أي الطب الذي يعالج تأثير الأحوال النفسية على الجسد.

الهوامش:

(۱) القرطبي: الجامع ج ص ٦٨٨٤.

(۲) انظر مثلاً نظرية شافتسبري عن الحاسة الخلقية في كتاب الريبة تاريخ الفلسفة الحديثة بالفرنسية، ج ٢ ص ٣٣٠.

(۳) القرطبي: الجامع حـ ٤ ص ٣٤٣٩.

(٤) ابن القيم السابق، حـ ۱ ص ۲۱۹.

(٥) الفضائل الخلقية في الإسلام للمؤلف: نشر دار الوفاء سنة ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩م، ص ١٧٤.

(٦) نفسه، ص ١٥٥.

(۷) نفسه، ص ٣٧ - ٤٠.

(۸) القرطبي: الجامع ج ٥ ص ٣٧٩٦.

(۹) إحياء علوم الدين ج ٣ ص ٦.

(۱۰) القرطبي الجامع، ج ١ ص ١٦٤.

الرابط المختصر :