العنوان د. أماني قنديل: أمين عام لجنة المتابعة لمؤتمر المنظمات الأهلية العربية: القطاع الأهلى فى الوطن العربى .. كيف يسهم في التغيير وصنع المستقبل؟
الكاتب داود حسن
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يونيو-1998
مشاهدات 85
نشر في العدد 1305
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 23-يونيو-1998
الحركة الإسلامية تفاعلت مبكرًا مع العمل الأهلي لخدمة الشعوب
الجمعيات تفرض نفسها بعد تراجع الحكومات عن تقديم العون للمواطنين
تناولنا خلال الأسابيع الماضية مفهوم المجتمع المدني والعمل الأهلي، والرؤية الإسلامية للعمل الأهلي، ونختتم الملف هذا الأسبوع بحوار مع الدكتورة أماني قنديل أمين عام لجنة المتابعة لمؤتمر المنظمات الأهلية العربية والخبيرة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية بالقاهرة حول واقع ومستقبل الجمعيات الأهلية العربية والدور الذي يمكن أن تؤديه في خدمة دول المنطقة وكان الحوار التالي:
- تعددت المفاهيم التي تناولت الجمعيات الأهلية في الفترة الأخيرة هل يعتبر ذلك تعبيراً عن أزمة في المفهوم واختلاف في طبيعة العمل الأهلي؟
لا توجد حقيقة اختلافات في طبيعة ومفهوم العمل الأهلي من دولة إلى دولة، وإنما يوجد اختلاف في التسميات فقط، مع وجود قدر مشترك من الاتفاق على طبيعة هذا النشاط، ففي بعض الدول وبخاصة الغربية تسمى الجمعيات الأهلية باسم القطاع الثالث للتدليل على أنه ليس قطاعًا حكوميًا أو خاصًا، وفي دول أخرى تعرف بأنها جمعيات لا تهدف إلى الربح، وهذا لا يعبر عن وجود أزمة في المفهوم أو المصطلح، وإنما كل دولة تحاول أن تطلق الاسم الذي يناسبها على هذا النوع من النشاط التطوعي.
- هل يمكن أن تلعب المرجعية الدينية دورًا في نهضة الجمعيات الأهلية؟
تتمثل المصادر المحفزة لنشأة هذا القطاع وتطوره في الأديان السماوية، والمبادئ والفلسفات المستمدة منها، وإذا كان الدين قد قام بدور أساسي - ولا يزال - في حفز العمل التطوعي الخيري في أغلب دول العالم إلا أنه اتسم ببعض الخصوصية في العالم العربي، فإذا ركزنا على الإسلام باعتباره دين الأغلبية العظمى في المنطقة نجد أنه يحفز على العطاء والتطوع لمساعدة الغير من خلال أركان ومبادئ أساسية من أهمها الزكاة والصدقة التي ورد ذكرها في القرآن أكثر من ٣٠ مرة.
إضافة إلى أن «الأوقاف»، و«الأحباس»، لعبت دورًا تاريخيًا في الممارسة المنظمة للعطاء والتطوع وفلسفة التكافل الاجتماعي في المنطقة العربية، لذلك ارتبط ظهور أول منظمة شعبية غير رسمية في التاريخ العربي بالتجمعات الدينية والتي عكست العلاقة القوية بين الدين والعمل الخيري والتكافل الاجتماعي، هذا إلى جانب استمرار وتطور الدور الذي تلعبه الزكاة في تمويل الجمعيات، ففي لبنان مثلا تشير الإحصاءات إلى أن نصف موارد مؤسسات الرعاية الاجتماعية «ذات السمة الإسلامية» مصدرها الزكاة، وفي مصر بلغت حصيلة الزكاة من خلال ثلاثين ألف مسجد عام ۱۹۸۹ حوالي خمسة ملايين دولار.
وبصفة عامة فإن وزن الجمعيات الدينية في الوطن العربي يبلغ نسبة كبيرة فهي تمثل نحو ٣٤ من الجمعيات في مصر على سبيل المثال.
- ويرتبط بالسؤال السابق وجود مرجعيات جديدة عند بعض الجمعيات مثل منظمات حقوق الإنسان التي تتصل بمواثيق دولية قد تتصادم مع الشريعة الإسلامية كالمطالبة مثلا بإلغاء الإعدام والمساواة في الميراث بين الرجل والمرأة أو ما يتعلق بحرية العقيدة والرأي؟
من قال إن مرجعية منظمات حقوق الإنسان كلها غربية هل لو طالبت باحترام الكرامة تكون مرجعيتها غربية؟ أو بوقف التعذيب في السجون والمعتقلات وأقسام الشرطة تكون مرجعيتها غربية؟ إنني ورغم مركزي العلمي لا أريد الذهاب لقسم الشرطة من أجل تجديد بطاقة الهوية الخاصة بي، لأنني أفقد كرامتي داخل قسم الشرطة إضافة إلى أن القائمين على منظمات حقوق الإنسان أنفسهم يتحفظون على ما يتصادم مع الشريعة، مثل قضية إلغاء حكم الإعدام في الجرائم، حقوق الإنسان حالة عالمية والإسلام نفسه فيه حماية لحقوق الإنسان فهل نتركها لأنها تأتي في سياق غربي.
- وهذا الأمر يرتبط أيضا بالتمويل فقد ظهر حديثًا مفهوم التمويل الأجنبي لبعض مشروعات الجمعيات والذي يؤدي إلى حساسية الدولة والمواطنين تحسبا لترويج برامج غربية؟
التمويل الأجنبي من الممكن أن يستخدم في الجمعيات ولكن بشفافية أعلى حيث يعلن عن حجمه وقدره، وهذه النوعية من التمويل لا بد أن تستمر حتى يصبح لدينا من رجال الأعمال والموسرين من يغطون هذه الأنشطة.
- في ظل غياب طرق التغيير السلمي كالانتخاب والحريات هل يمكن أن تساهم الجمعيات بدور في التغيير السياسي والاجتماعي وتداول السلطة؟
التغيير السياسي والاجتماعي يأخذ وقتًا طويلًا، والأهم أن الحكومات لم تقم بعمل التغيير فأين هو مثلًا مشروع النهضة العربي أو المصري أو الليبي.. النقطة الجدلية والمهمة هي غياب تصور ورؤية قومية للتنمية، أيضا فإن هذه الرؤية غائبة عند الجمعيات لكن الجمعيات لها دور قوي في مجالات أخرى تتعلق بتقديم الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم والثقافة والرعاية الاجتماعية.
والنقطة التي يجب إثارتها هنا تلك الحالة من التعتيم الإعلامي على الجمعيات الأهلية ودورها الإيجابي التنموي، بما يسمح بقيام الجمعيات بدورها المنوط بها.
هناك العديد من المشاكل التي تعوق عمل الجمعيات سواء في ممارسة دور في التغيير السياسي والاجتماعي، أو في عملها وأنشطتها يتمثل في وجود قوانين لتنظيم عمل الجمعيات يجب أن تتغير، وممارسات حكومية سيئة ضد الجمعيات، وعدم بناء قدرات وبرامج الجمعيات والتي تحتاج إلى تدريب ناشطيها وإعداد بحوث ودراسات عن واقع المجتمع الذي تعمل فيه.
- ما ملامح التطوير التي يجب أن يتميز بها العمل الأهلي العربي؟
منذ بداية السبعينيات تقريبًا اتجهت منظمات هذا القطاع نحو النمو وتعدد الأنماط والأشكال التنظيمية، وعلى الرغم من أن خبرات بعض الأقطار العربية في هذا المجال تعود للقرن التاسع عشر إلا أن صحوة هذا القطاع ظهرت ملامحها بأشكال مختلفة خلال العقدين الماضيين، ولم تقتصر التغييرات التي يشهدها القطاع على نمو حجم منظماته وتنوع أنماطها، بل امتدت إلى المفاهيم والفلسفات - التي تحدد توجهاته وتؤثر عليها، فبعد أن كان مفهوم الخيرية والرعاية الاجتماعية يمثلان المنطلقات الأساسية لهذا القطاع، طرحت التنمية والمشاركة الشعبية لتعظيم دور القطاع الأهلي، وبعد أن كان الاهتمام بمشكلات القطاع وفاعليته يقتصر على دائرة محدودة من النخبة اتسعت هذه الدائرة لتشمل فئات عديدة ومتنوعة من الرأي العام وصانعي السياسات.
وهذه التغيرات التي يشهدها القطاع الأهلي في الأقطار العربية هي في جانب كبير منها انعكاس لتغيرات وتحولات اجتماعية واقتصادية وأحيانا سياسية ،عموما فإن حجم القطاع الأهلي في الوطن العربي بلغ أكثر من مائة الف جمعية تقدم خدمات رائعة للمواطنين ويكفي الإشارة إلى أن ٨٤٪ من الجمعيات في مصر تعمل في المساعدات الاجتماعية وتعالج نحو 9 ملايين مواطن بأسعار زهيدة جدًا بل تجري لهم عمليات جراحية بمبالغ بسيطة.
- وما العوامل التي جذبت الانتباه إلى أهمية العمل الأهلي؟
هناك عاملان أثرا في تغيير مكانة القطاع الأهلي في البلاد العربية: الأول يتعلق بالسياسات الحكومية الاجتماعية والاقتصادية التي اتبعتها أغلب الدول العربية خلال السنوات الأخيرة، والثاني يتعلق بتغييرات الهيكل - السكاني والمطالب والاحتياجات التي ترتبط بهذه التغييرات، فمن ناحية اتبعت غالبية الحكومات العربية سياسات مالية - ونقدية تهدف إلى مواجهة التضخم وعجز الميزانيات، وفي إطار هذه السياسات اتجه الاتفاق الحكومي على الخدمات العامة كالصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية نحو التناقص النسبي، وهو ما أدى إلى بروز أهمية القطاع الثالث في تغطية جزء مهم من احتياجات المواطنين وإشباعها وهو بذلك دور طبيعي ومكمل لدور الدولة.
كما اتجه عدد سكان الدول العربية نحو التزايد بمعدل ٢.١ % وهو من أعلى المعدلات في العالم مع عجز الحكومات عن تلبية احتياجات المواطنين، فمثلًا انخفض معدل الإنفاق على الصحة خلال الفترة من ١٩٧٥م إلى ۱۹۹۲م في مصر من (3.6% إلى3%) والأردن من (3.1% إلى 2.2%) والإمارات العربية من (١,٥ % إلى 4.6%) في حين أن عدد السكان يزداد.
كذلك فإن بعض الدول العربية والتي تشهد ظروفًا استثنائية مثل: لبنان وفلسطين والسودان برز فيها دور مهم لمنظمات القطاع الأهلي لتلبية احتياجات السكان.
- أین موقع الإسلاميين في العمل الأهلي؟ وكيف تقيمين تجربتهم فيه؟
يدخل الإسلاميون ضمن الأبعاد السياسية التي تؤثر في العمل الأهلي، فمنذ النشأة الأولى لهذه التنظيمات كان من الملحوظ ذلك التفاعل عند الحركات الإسلامية الإصلاحية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، إذ تمثل المنظمات الأهلية إحدى الأدوات الرئيسة للاتصال بالجماهير وتعبئتها، كما أنها كانت تاريخيًا ومازالت تعبيرًا عن «الإسلام الاجتماعي»، الذي يكمل «الإسلام السياسي»، في بعض الأقطار العربية وبالتالي فإن الحركة الإسلامية مع اختلاف أشكالها في الدول العربية تتفاعل مع الجمعيات الأهلية.
- لكن هل تنعكس الاختلافات بين النظم السياسية في الدول العربية على أوضاع الجمعيات؟
طبيعة النظام السياسي تحدد حرية تأسيس هذه المنظمات ثم طبيعة العلاقة بين الدولة وبينها، ومدى إشراف ورقابة الدولة عليها والسلطات التي تتمتع بها، كذلك فإن طبيعة النظام السياسي تنعكس على مجالات نشاط الجمعيات وأنماط عملها وحجم القطاع الأهلي ككل.
ففي الأقطار التي تشهد تطورات ديمقراطية توفر حرية أكبر لهذه الجمعيات ويتجه القطاع فيها نحو النمو والتنوع كحالة مصر ولبنان والأردن مثلا.
بينما في أقطار أخرى كالعراق ولييبا فذلك غير قائم لأن الدولة هناك تنشئ لجانًا مثل الجمعيات في شكل حكومي.
- وما مستقبل عمل الجمعيات في الوطن العربي؟
هناك العديد من المؤشرات التي تسمح بالتنبؤ بأن المستقبل سوف يشهد دورًا أكثر فاعلية للقطاع الثالث، وأن هناك أنماطًا جديدة من الجمعيات سوف تتبلور إسهاماتها بشكل أقوى في المستقبل منها مثلا المنظمات العاملة في مجال البيئة والتنمية وحقوق الإنسان، وأيضًا يمكن التنبؤ بأن العمل الأهلي سيشهد نوعًا من المؤسسية وقدرًا أكبر من التنسيق والتحالف فيما بينها وسوف تؤثر الجمعيات في عملية التحول الديمقراطي في الدول العربية وسوف تتأثر هي بها ..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل