; القضية الفلسطينية حية بدماء شهدائها | مجلة المجتمع

العنوان القضية الفلسطينية حية بدماء شهدائها

الكاتب إبراهيم الكندري

تاريخ النشر السبت 09-يونيو-2001

مشاهدات 72

نشر في العدد 1454

نشر في الصفحة 28

السبت 09-يونيو-2001

لا نكبة في فلسطين ما بقي طفل يرمي دورية المحتل بالحجارة

المقاومة تستنزف المشروع الصهيوني والفلسطينيون يسجلون النقاط ضده

مظاهر الدمار والقتل والحصار قد تكون واحدة منذ بدء الصراع مع الصهاينة إلى اليوم، حتى في أوج التسوية لم يتوقف إطلاق النار، فوجه التسوية كان يخفي خلفه وجه القوي الذي يفرض الاستسلام ولا يعطي صاحب الحق شيئاً حتى وصلنا إلى نقطة كامب ديفيد التي أماطت اللثام عن أقصى ما يمكن أن يعطيه أقصى يساري صهيوني، فانفضح المستور وانكشف زيف التسوية، فتفجرت انتفاضة الأقصى الغاضبة. لم تكن حالة انقسام بين مؤيد ورافض أو حالة فصام بين شعب وسلطة، بل بدأ أن الجميع موحد في بوتقة المقاومة.

صحيح أن الأهداف مازالت مختلفة لكن حجم الدماء النازفة واستمرار المقاومة يقلص الفجوة ويوضح الرؤية ويؤصل الصراع مع العدو الصهيوني، اليوم نقف عند حدث ماض ولكنه شكل متجدد وحاضر قد يحوي اسم (النكبة) المرتبط بتشريد شعبنا واحتلال أرضنا، ولكن هذه المذبحة التي مازالت مستمرة لا يمكن قياسها فقط بوجه المأساة والحزن، ورغم أنها حملت بالأمس واليوم ثقل العذاب الذي لا يزال يلاحق كل فلسطيني في داخل أرضه أو خارجها، اليوم نقرؤه بشكل مغاير، فديمومة الصراع واستمرار الشعب الفلسطيني بتقديم سيل الشهداء، واستمرار كل لاجئ بالتأكيد ليل نهار على حقه في بيته وأرضه، كل هذه الحقائق المتأصلة على طول الصراع تؤكد أن النكبة اسم لا يناسب هذا الشعب العظيم.

حقائق أخرى

نعم قد تكون أرقام اللجوء، وحقائق القوة واستمرار الصمت العربي والإسلامي الرسمي مع استمرار الصلف الصهيوني ومده أمريكياً بكل أسباب البقاء المالي والعسكري ودعمه بالإفلات من كل قرار أممي، بل وحتى إعطائه شرعية الاحتلال والوجود.

 قد تكون هذه الصورة متكررة كما هي بالأمس حيث كان هناك الدعم البريطاني وقرارات التقسيم ووعد بلفور والضعف العربي، ولكن صورة تماثل الماضي والحاضر.. قد تكون مضللة كثيراً لأسباب عدة ومهمة أولها: أن الشعب الفلسطيني لم يستسلم وابقى النار مفتوحة ضد الوجود الصهيوني ورغم الطعنات التي تلقتها كل الثورات من النصير الرسمي العربي إلا أنها لم تستكن وكانت تعاود الكرة في كل مرة وحتى اتفاقية أوسلو التي عبرت عن واقع انهزامي وتكاد تصلح لتكون نكبة ثانية إلا أنها في حقيقة الأمر وبالوجه الآخر هي مسارعة صهيونية نحو إيقاف مؤثرات الانتفاضة الأولى التي بدأت تهز الروح المعنوية الصهيونية في الداخل وكذلك المعنى الأخلاقي لوجوده في الخارج حتى لدى الرأي العام الغربي، لهذا كانت أوسلو من زاوية مقابلة هي تعبير عن اعتراف صهيوني بالهزيمة ولولا تسرع نفر من المنظمة بالتجاوب مع متطلبات الصهاينة لاستطاعت الانتفاضة أن تحقق الانسحاب من الضفة وغزة دون أن يدفع شعبنا أثماناً أمنية وسياسية أقساها أن يتحول الفلسطيني سجاناً الفلسطيني مناضل.

ثانيها: خمسون سنة من الصراع أثبتت أن العدو الصهيوني من السهل هزيمته وكسر شوكته، ولقد استطاعت أحداث الانتفاضة الأولى أن تثبت ذلك وجاء الانتصار في الجنوب اللبناني تأكيداً جلياً على هذه الحقيقة، فالخمسون سنة التي قدم خلالها الشعب الفلسطيني عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى على امتداد تاريخه، وهي بالمناسبة قليلة نسبة لعهود الاستعمار، إلا أنها على قلتها استطاعت أن تجعل العدو ينهزم فالكيان الصهيوني اليوم في ظاهره موحد قوي، ولكن صلفه وشدة إجرامه يخفي خلفه حقيقة يهرب منها كل الصهاينة، فهم مشتتون بين علماني وتلمودي ويساري ويميني بين شرقي وغربي، بين روسي ومغربي، كان بالإمكان أن نقول إنه كيان تظهر فيه تباينات الديمقراطية حول برامج وتفاصيل ولكن الخلافات أعمق، وتزداد وتيرتها باستمرار الصراع لذا لم يكن مقتل رابين حادثاً عابراً بل هو دليل على صحة ما نذهب إليه مما يدلل على أن الشعب الفلسطيني - ومن خلفه العرب والمسلمون - استطاع أن يستنزف المشروع الصهيوني، فالخلاف اليوم لا يتعلق بثمن التسوية وحجمها ومقدارها فحسب، بل هو يتناول الهوية والتاريخ، وحتى العقيدة لم تسلم من ذات الخلاف إذن منطق المقاومة يستنزف المشروع الصهيوني والفلسطينيون عملياً يسجلون النقاط ضده، وانتفاضة الأقصى الحالية ستقرب الهدف أكثر وسيصرخ شارون ومن خلفه الرأي العام اليهودي لينسحب من الضفة وغزة بأكملها وبعدها سندرك جميعاً أن استمرار المقاومة قادر على إزالة هذا الكيان الدخيل

ثالثها: اليوم كما بالأمس هناك قوة داعمة للكيان الصهيوني، في السابق بريطانيا العظمى واليوم الولايات المتحدة الكبرى التي وصلت إلى أوج صلفها وغرورها، ولكن هذه القوة الكبرى تفقد اليوم سمعتها الدولية وما خسارتها لمقعدها في لجنة حقوق الإنسان إلا إشارة لذلك، ثمة فشل دولي يتهدد هذه القوه الكبرى التي تريد أن تفرض منظومة الدفاع الصاروخي مما سيعجل بإعلان التمرد ضدها، بعد أن جلبت لنفسها الاستعداء الروسي والصيني وثمة تململ أوروبي قوي من غرورها، هذه الدولة العظمى التي يتكئ عليها الكيان الصهيوني فاقدة لدورها متخبطة بخطوتها، مكانتها تتناقص لا تتعاظم، وستظهر نتائج الانكسار قريباً وعندها ستفقد هذه الدولة مكانتها وبالتالي ستفقد تل أبيب أساس عمادها 

رابعها: حقائق القوة والضعف هي أيضاً اليوم ليست واحدة. صحيح أن العدو الصهيوني لا يزال يملك القوة النووية الرادعة ولكنه ضعيف متها و معنوياً فاقد لأمنه الشخصي، يشعر أكثر من ٨٠ من أفراده أنهم مهددون أو قد يكونون بين الأموات في عمليات قادمة. وما فوز شارون إلا ترجمة لهذا الضعف الداخلي العميق معنوياً وأمنياً، وحتى بالموازين العسكرية الصرفة فالقضية لم تعد واحدة والسلاح النووي أصبح سلاحاً مشاعاً يشرى ويباع وعاجلاً أم أجلاً ستمتلكه دول أخرى مناهضة للمشروع الصهيوني. أما على صعيد الأسلحة التقليدية فلم تعد الأهداف اليهودية بعيدة ليس فقط عن الصواريخ السورية والإيرانية، بل هي في مرمى صواريخ حزب الله البسيطة، الكيان الصهيوني لم يعد قوة تستطيع أن تؤذي ولا تؤذى بل يمكن أن تدفع الثمن غالياً حين تقرر خوض المعركة. هذا ما أدركه باراك من قبل حينما أراد أن يفرض منظوره للتسوية في كامب ديفيد حتى يحصل على أرخص التسويات بدل أن يدفع أغلاها بعد خمس أو عشر سنوات قادمة.

خامسها: الموقف العربي الرسمي والشعبي لم يعد واحداً، فعهد الاستبداد والتخاذل لم يعد مقبولاً من الشعوب العربية، بل ثمة جيل وأجيال أصبحت أكثر وعياً وأكثر تحدياً، كما أن الحقيقة لم تعد حكراً على وسائل الإعلام الرسمية التي تريد صوغها كما تشاء.

باختصار شرعية بعض الرسميين من العرب والمسلمين أصبحت مهزوزة ضعيفة لا تملك الصمود، وحس التغيير والصحوة لدى الشعوب العربية والإسلامية اليوم أقوى من ذي قبل.

سادسها : معادلة التسوية والإيمان بها، هي الأخرى أصبحت ضعيفة متضعضعة انكشف زيف السلام مع الصهاينة، ولم يعد وجود المنطق التفاوض ولن يرضى الشعب الفلسطيني بالرجوع المربع تجاوزته انتفاضة الأقصى، ومن يريد أن يتأكد فليراجع أحاديث الناس والمفكرين والمثقفين من قبل انتفاضة الأقصى، لقد كان منطق المقاومة وحيداً ضعيفاً محصوراً في نداء جهة واحدة وكادت أشرعة التسوية تأخذ كثيراً من الناس، ولكن أوهام التسوية تحطمت بعد سنوات من المكياج الذي أخفى حقيقة ما يريد اليسار واليمين الصهيونيان، واليوم دماء إيمان حجو، ومحمد الدرة تصوغ حقيقة ألا مفر لهذا الشعب سوى الاستمرار لا بخيار المقاومة بل به القدر المكتوب عليه باستمرار المقاومة، لأنه فقط الوحيد الكفيل بإنجاز النصر والتحرير.

 المعادلة الجديدة

إذن ثمة معادلة متبدلة، وثمة موازين مغايرة واستمرار الشعب الفلسطيني بالصمود والمقاومة دليل حياة لا موت نصر لا هزيمة علامة قوة لا نكبة، ومن يلحظ دورة التاريخ يدرك أننا نتقدم بقوة نحو حقوقنا بازدياد التمسك وبازدياد إرغام العدو على دفع الثمن، بينما حالة العدو تزداد ضعفاً كل يوم وتتعرض للتشكيك ليس فقط بقوتها بل بوجودها ومعنى كيانها في المنطقة، من أجل ذلك نقول إن اسم النكبة لا يصلح لشعب لا يزال فيه طفل يرمي دورية المحتل بالحجارة.  

 

الرابط المختصر :