; القضية أبعد من الحجاب.. إنها تعني مستقبل المسلمين في الغرب | مجلة المجتمع

العنوان القضية أبعد من الحجاب.. إنها تعني مستقبل المسلمين في الغرب

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 27-ديسمبر-2003

مشاهدات 70

نشر في العدد 1582

نشر في الصفحة 24

السبت 27-ديسمبر-2003

■  مبادئ الجمهورية الفرنسية تمنع المساس به ومجلس الدولة أعلى مؤسسة قضائية أعلن مرتين أنه لا يتعارض مع علمانية فرنسا.

■  صدور قانون كهذا يضع فرنسا وأوروبا في مواجهة الإسلام كدين وحضارة وهو ليس في صالح الطرفين.

لا شك أن القضية أبعد من مجرد حجاب تلميذات مسلمات، أو علمانية الدولة الفرنسية، بل هو يتعلق بمستقبل جالية كبيرة - لعلها الأكبر في فرنسا حيث في الغرب هي الجالية المسلمة، وهو ما سيسفر كتشدد وتطرف علماني سيصب في صالح موجة التشدد والغلو وليس في صالح دعوات الوسطية والاعتدال لأن الحجاب الإسلامي واجب شرعي وليس تطرفاً أو تشدداً.

ولابد في البداية أن نقرر حقيقتين:

الأولى أن مجلس الدولة، أعلى مؤسسة قضائية في فرنسا، أعلن من قبل مرتين عامي 1989م و1992م، أن ارتداء الرموز الدينية كافة بما فيها الحجاب الإسلامي لا يتعارض مع علمانية الجمهورية ولا مع نظام المؤسسات العامة، وذلك عقب تكرار حوادث مؤسفة مع تلميذات محجبات في أكثر من مدرسة. وقد أدى تذمر بعض المدرسين من هذا القرار القضائي إلى المطالبة بتشكيل لجنة "ستازي" التي أوصت بإصدار القانون المزمع إقراره ومعه ترضية للمسلمين واليهود باعتبار يومي الأضحى والغفران عيدين رسميين، وهو ما عارضه رئيس الوزراء ورئيس الجمعية الوطنية فأقر الرئيس شيراك الجزء الأول وهو منع الرموز الدينية، بينما تراجع عن الترضية الشكلية.

ويأتي قرار الرئيس شيراك كموقف من الجالية المسلمة التي يبلغ تعدادها نحو 6 ملايين في فرنسا، و20 مليوناً في أوروبا، التي قد ينتقل إليها الموقف الفرنسي الرسمي خاصة ألمانيا نحو 3 ملايين مسلم. ورغم أن شيراك أكد في خطابه خطورة المشكلات التي تواجه الجالية والضغوط التي تتعرض لها إلا أنه - وللأسف الشديد - توقف عند قضية الحجاب فقط التي لا تمثل إلا جزءاً يسيراً من المشكلة بالنسبة للتهميش والحصار الذي يعاني منه المسلمون.

الثانية أن الحجاب ليس رمزاً دينياً، كما عبر عن ذلك الرئيس شيراك، بل هو واجب وفريضة دينية ملزمة للمسلمة البالغة كما يقول الفقهاء المسلمون، وإن لم تلتزم به إلا نسبة من المسلمات. ولا يصح للوزير برنار ستازي رئيس اللجنة التي أوصت في تقريرها بمنعه أن يعتمد على قول شخصيات مسلمة ليست متخصصة كما نقلت عنه الحياة (18/12)، كان عليه أن يرجع إلى المجامع الفقهية الإسلامية مثل المجلس الأوروبي للإفتاء أو الجامعات الإسلامية والفقهاء الذين لم تختلف كلمتهم أبداً حول فرضية الحجاب.

إن عودة النساء المسلمات إلى الالتزام بالحجاب ليس تعبيراً عن انتماء سياسي، كما يروج خصوم الحركات الإسلامية، بل هو تعبير عن مجرد التدين، والالتزام بأحكام الإسلام كالالتزام بالصلاة والصوم والزكاة، وهو تعبير عن الهوية الثقافية والخصوصية الحضارية، وهو ما لا يمكن لأي قرار أو قانون أن يمنعه، بل إن مبادئ الجمهورية - الحرية والإخاء والمساواة - تمنع المساس به لأنها تمنع الاضطهاد الديني. والعلمانية المعتدلة أو المتصالحة مع الدين مثل تلك التي في أوروبا لا تقف في وجه المتدينين، فضلاً عن أن الحفاظ على مؤسسة الدولة وعلمانيتها يعني ألا تقوم المدارس في مناهجها ولا إدارتها بفرض رموز دينية أو منع المتدينين من الالتزام بأحكام دينهم.

ووضع الحجاب في قائمة واحدة مع الصلبان والقبعة اليهودية يعني عدم فهم الأمر من أساسه لأن الصلبان والقبعات لا تؤدي وظيفة دينية عند الملتزمين بها، بل تعبير عن الانتماء الديني، وهو ما لا نرفضه عند أصحابه. أما الزي الإسلامي للمرأة المسلمة فهو يؤدي وظيفة أمر الله بها وهي ستر جسد المرأة من أن تنهشه عيون المتطفلين أو يكون فتنة للناظرين، فمن هنا يؤدي وظيفة اجتماعية فضلاً عن أنه واجب ديني.

إن المراقبين أصابتهم الدهشة للخطاب الرئاسي، فهل ستتم تونسة فرنسا؟ وهل ستنضم فرنسا إلى الدول المتخلفة التي تحارب الحريات الخاصة ومنها حرية التدين وحرية اللباس؟ وهل سننتظر أن يمتد القرار إلى المؤسسات العامة وأن يتصاعد حتى يمنع المسلمات الملتزمات من وضع صورهن على جواز السفر أو تلقي العلاج أو التوظف في المؤسسات العامة؟!

إن صدور قانون كهذا سيضع فرنسا وأوروبا في مواجهة الإسلام كدين وحضارة وهذا ليس في صالح الطرفين. لقد كان دائماً لأوروبا موقف مختلف عن أمريكا في توتير العلاقات مع العالم الإسلامي خاصة بعد أحداث سبتمبر الكارثية. فهل تبدد فرنسا رصيدها الكبير في نفوس العرب والمسلمين؟

شيخ الأزهر ... وموقف غريب

لقد بدأت ردود الفعل تتوالى، وكان أغربها موقف شيخ الأزهر الذي لم يوضح حكم زي المرأة في الإسلام في الوقت الذي يجب فيه بيان الحكم الشرعي، وهو ما كان أعلنه من قبل مراراً، ولكنه اكتفى باتخاذ موقف سياسي هو ليس مطالباً به، فلم يطالبه أحد بالتدخل في الشأن الفرنسي الداخلي. وقد جبر هذا النقص إمام وخطيب المسجد الأزهر عيد عبد الحميد يوسف، بقوله: الحجاب فريضة أمرنا الله بها، ومن يخرج عليها فدينه ناقص. وكمسلم لا أستطيع أن أوافق على قانون يمنع ارتداء الحجاب، لأنني أمام نص ديني، ولكنني لا أستطيع أيضاً أن أمنع الفرنسيين من فرض حظر ارتداء الحجاب. (الحياة 18/12 نقلاً عن رويترز).

أين مجمع البحوث الإسلامية ليصحح الوضع ويضع الأمور في نصابها؟ وإذا تخلى شيخ الأزهر أو جامعة الأزهر عن دورهما في توضيح الحقائق وبيان الأحكام الشرعية، وإذا لم يسعيا إلى مخاطبة كل الجهات إبراءً لذمتهما على الأقل، فهل نلوم الحركات الشعبية بعد ذلك، أو الشباب إذا اتهم الأزهر بالتقصير، أو السكوت عن الحق؟!

وقد تظاهر طلاب جامعة الإسكندرية في مصر ضد التوجه الرئاسي الفرنسي، وهذا مثال على الحيوية التي يتمتع بها قطاع الطلاب، وهذه قد تكون مقدمة لحملة احتجاجات تتصاعد مع الأيام وتصل رسالة واضحة إلى البرلمان والرئيس الفرنسي أن المسلمين في العالم كله يرفضون التمييز ضدهم وضد أبناء دينهم، وفي الحديث "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم". ولا أدري لماذا يصرح شيخ الأزهر بأن هذا شأن داخلي في فرنسا، وكأنه ينفض يده من مسؤولياته.

ومن تصاريف القدر أنني شاركت مساء في ندوة لمناقشة مسلسل درامي "المرأة في الإسلام" عرضه التلفاز المصري في رمضان. وأعلنت الشابة وفاء الحكيم أن دورها ومشاركتها في هذا المسلسل أتاح لها مزيداً من الاطلاع على القرآن والسنة وأحكام الإسلام، مما دفعها لارتداء الخمار والزي الإسلامي عن اقتناع، وأنها أرادت أن تستكمل ما نقص من التزامها، حيث كانت تلتزم بالصلاة والصوم والزكاة وبقية الفرائض الدينية.

وهذا ما نتوقعه من الجدل الذي سيثار حول هذه القضية في وسائل الإعلام المختلفة وفي الدوائر الاجتماعية والثقافية، لأن الله إذا أراد نشر فضيلة طويت أتاح لها مثل هذا الجدل الساخن فتتعرف المسلمات والمسلمون على أحكام دينهم. وسيزداد الالتزام بالزي الذي فرضه الله على المرأة المسلمة، وهو ما نشاهد بوادره وتزايده منذ ربع قرن حتى الآن. ولن تفلح إجراءات إدارية مثل تلك التي يفرضها وزير التعليم في مصر بمطاردة المدرسات الملتزمات والطالبات المحجبات، ولن تفلح قوانين جائرة مثل هذه التي تفرضها تونس وتركيا لمنع المحجبات من الدراسة أو حتى تلقي العلاج. بل يكفي برنامج واحد للداعية ناجح لإقناع ملايين المسلمات بفرضية الحجاب، وهو في حقيقته إعلاء للهوية التي يريد العلمانيون بتأييد الغرب طمسها وحجبها، والتمسك بالعقيدة والدين الذي يريد هؤلاء حصره في علاقة شخصية بين الفرد وربه، والالتزام بأحكام الإسلام على المستوى الشخصي يؤذن بضرورة الالتزام بها على المستوى العام في المجتمع، ثم في الدول الإسلامية التي ابتعدت كثيراً عن تطبيق شريعة الله.

مظاهرة لندن

وقد خرجت مظاهرة في لندن للرابطة الإسلامية تؤيد حق المسلمات الفرنسيات في الالتزام بالزي الإسلامي، وينتظر أن تتزايد هذه الاحتجاجات في أوروبا وأمريكا بعد أن نفضت الجاليات عن نفسها النوم والكسل. وأعتقد أن المجلس الإسلامي الأوروبي للإفتاء مدعو لبحث القضية من مختلف جوانبها.

رفض الكنيسة

هناك رفض من الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا والفاتيكان مطالب بإبداء رأي واضح في المسألة كما أن اليهود معنيون أيضاً بالمسألة. وهنا على المجلس التمثيلي لمسلمي فرنسا أن يتبنى موقفاً واضحاً لحماية حقوق المسلمات في حرية اللباس وأن ينسق مع تلك الجهات الدينية لحماية الحرية الدينية. وهذا يفتح مجالاً واسعاً فيما بعد للتفاهم والتنسيق والتعاون بين المتدينين من أتباع الديانات الكبرى لحماية الحق في التدين والأخلاق العامة والتماسك المجتمعي في أوروبا كلها. وهنا ينتقل الاستقطاب الحاد الذي يريد البعض خلقه بين الإسلام وأتباعه فقط، وبين النظم الأوروبية في حالة الإسلام فوبيا التي خلقتها مراكز بحوث ووسائل إعلام وسياسيون محترفون يريدون المزايدة بين بعضهم البعض وشوهوا بها وجه الإسلام النقي الناصع. ولا شك أن تضخيم دور جماعات العنف والتشدد وتسليط الأضواء عليهم ساعدهم في هذه المهمة الخطيرة.

قيل قديماً رب ضارة نافعة، ولعل هذا الضرر الذي سيحيق بالجالية المسلمة في أوروبا وبالذات الطرف الأضعف فيها وهو المرأة التي للمفارقة يطالب الغرب بتمكينها في بلادنا بينما يحارب حقها الطبيعي في اختيار لباسها في بلاده، هذا الضرر قد يدفع الجالية إلى مزيد من الاهتمام بالمجتمع الذي تعيش فيه والذي أصبح مهموماً ومهتماً بها. فهل تهتم هي به أيضاً؟ وهل تسعى عبر القنوات الرسمية والإعلامية لبيان صورة الإسلام الحقيقية؟ وهل تتحول احتجاجاتها الصامتة والتزاماتها الفردية والاجتماعية إلى حالة عامة تخرج من الجيتو الذي فرضته عليها ظروف نشأتها وتطورها؟

وإذا نجحت في حشد تأييد من الرأي العام فإنها ستحقق إنجازاً ضخماً لمواجهة حملة التخويف ضد الإسلام.

التخلي عن الهوية والخصوصية يعني ذوبان المسلمين في المجتمعات الغربية والسلبية. وترك الساحة يعني نزوح الملايين من أوروبا وهو خيار مستحيل في ظل الظروف الحالية لأن السؤال إلى أين؟ والعكس هو القائم فموجات الهجرة تتدافع إلى الغرب وليس بالعكس. والحل المطروح بقوة هو مواجهة المشكلة، والمطلوب الحكمة وطول النفس، ولا يهزم أصحاب العقائد أبداً إلا إذا تطرفوا أو تشددوا أو تعجلوا.

إن قضية الحجاب ليست إلا مظهراً من مظاهر الأزمة التي تمر بالمسلمين في العالم، وجزءاً من الحملة التي تستهدف تشويه صورة الإسلام. وإذا كان البعض يتهم المتطرفين وجماعات العنف باختطاف الإسلام، فقد واتتهم الفرصة الآن لتبني قضايا الإسلام والجاليات المسلمة، وليس مجرد الدفاع عن الحجاب فقط، فعليهم أن يخوضوا في هذا المجال بقوة حتى لا ندع الساحة لمزيد من الاستقطاب والتشنج دون الوصول إلى حلول عملية للقضايا المطروحة.

سيزداد الإقبال على الالتزام بالسلوك والمظهر الإسلامي بين الشباب وبين الشيوخ وبين الرجال وبين النساء وهذا ما نلاحظه يومياً. فهل نفيق من سباتنا؟ وهل نقوم بواجباتنا؟

الرابط المختصر :