; القصة في القرآن الكريم | مجلة المجتمع

العنوان القصة في القرآن الكريم

الكاتب محمد أبو سيدو

تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1998

مشاهدات 71

نشر في العدد 1298

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 05-مايو-1998

القصة في القرآن لا يقصد بها تاريخ الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا تاريخ قومه، وإنما المقصود بها ما في هذه القصة من دروس وعبر، وما فيها من هدي وعظة لكل داع إلى الحق ولكل مدعو إليه.

ويهدف القرآن من عرض هذه القصص التوصل إلى عبرة أخلاقية والبلوغ إلى مغزى سام أو عظة أدبية.

﴿نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ (يوسف: ٣).

والقرآن الكريم لم يقصد بالقصص التاريخ وسرد الوقائع مرتبة حسب أزمنة وقوعها، وإنما المراد بها الاعتبار والعظة والبيان، فقصة نوح عليه السلام وردت في عدة سور منها العبرة والموعظة، وخصوصًا حادثة الطوفان.

والأحداث التاريخية التي وردت رتبت ترتيبًا خاصًا لاستثارة الهمم وتحريك النفوس والدراسة التحليلية تكشف لنا الغايات والأهداف التي تشكل لنا خبرات الأنبياء وتجاربهم المليئة بالمعاناة والانتصارات وكذلك تشخص لنا ملاحم الأنبياء وأدوارهم في مراحل التاريخ الإنساني، وعندما نقرأ هذه الأحداث نأخذ العبرة والتأمل واستخلاص الدروس ﴿لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٞ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ.

ومن أهداف القصة ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ (هود: ١٢٠).

والتوحيد هو دين العالم أوله وآخره، سابقه ولاحقه، والشرائع كلها اتفقت على إثبات التوحيد على كثرة عدد الرسل، وكثرة كتب الله -عز وجل- المنزلة على أنبيائه.

والأنبياء جميعًا عليهم السلام على كثرة عددهم واختلاف أزمانهم، وتباعد مساكنهم قد اتفقوا جميعًا، وصار الآخر منهم يقر بنبوة من تقدمه وبصحة ما جاء به، ويترتب على ذلك أن من أدرك محمدًا -صلى الله عليه وسلم- أو دينه من أهل الكتاب فلكي يكون مؤمنًا بنبيه لابد من أن يؤمن بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، وإلا كان كافرًا بنبيه، فإن الأنبياء المتقدمين بشروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم-، فمن جحد نبوته فقد كذب الأنبياء جميعًا قبله فيما أخبروا به، فالتصديق به من لوازم التصديق بهم.

فوحدة الرسالة ووحدة العقيدة والهدف المشترك والدعوة إلى هداية الناس وتعريفهم بخالقهم في الرسالة الخالدة التي جمعت الأنبياء جميعًا إلى الإسلام.

فنوح عليه السلام يقول لقومه: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (يونس: ٧٢).

ودين إبراهيم عليه السلام هو الإسلام ﴿مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (آل عمران: ٦٧).

﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (البقرة: ١٣٢).

ويوسف عليه السلام يقول: ﴿أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ (يوسف: ١٠١).

وموسى عليه السلام يخاطب قومه ويقول لهم: ﴿يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ (يونس: ٨٤).

وسليمان عليه السلام يستخدم البسملة التي جاء بها القرآن الكريم في خطابه لملكة سبأ ويدعوها وقومها إلى الإسلام: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (النمل: ٣٠ – ٣١).

ثم تحدد بلقيس أخيرًا بأن ذلك الدين الذي اعتنقته على يد سليمان إنما هو الإسلام ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ (النمل: ٤٤).

ويتحدث القرآن عن لوط عليه السلام فيقول: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ (الذاريات: ٣٥ – ٣٦).

وفي نهاية المسيرة يتحدث القرآن عن الحواريين وإيمانهم بعيسى عليه السلام فيقول: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (المائدة: ١١١).

وجاء القرآن الكريم يدعو المؤمنين بهذا القول الصريح: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (البقرة: ١٣٦)، ومن هنا ندرك عظمة القرآن الكريم الذي لا تنقضي عجائبه من القول الخالد: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (آل عمران: ٨٥).

 

■ كن ولا تكن

 لاتكن أمينًا

كانت الأمانة من عادات العرب في الجاهلية، بل كان يشتهر من يعرف بها لأنها خلق نبيل ووصف جميل، وذلك ممن لا يعرف الحنيفية السمحة فكيف وقد أتى الإسلام ورسخها وجعلها من الأصول في الأخلاق، بل جعلها «لازم الإيمان» (1)، وأيضًا يخرج من الملة من خانها كما في حديث أبي هريرة في مسلم (۲): «من علامات المنافق ثلاث، وذكر منها: وإذا اؤتمن خان»، وكما في حديث أنس عند أحمد (۳): (لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له).

ومفهوم الأمانة واسع ليس يقتصر على الودائع فقط، بل إن كل الأعمال الدينية هي أمانة: كالصلاة، والصيام، والحج، والطهارة.

قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (الأحزاب: ٧٢).

قال القرطبي - رحمه الله - عن الأمانة في هذه الآية: «هي جميع وظائف الدين» (٤).

فيا أخي عليك بالاتصاف بهذه الصفة الشريفة ليزداد إيمانك بخالقك، واعلم أيها الشاب أن التعليم والأبوة والوظيفة أمانة وأنت أمين على جوارحك، في جميع شؤونك.

فهد عبد العزيز الجوعي

-----------------------------

الهوامش

1-راجع فتح الباري بتعليق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - حفظه الله - كتاب الرقائق باب رفع الأمانة.

٢-حديث رواه أبو هريرة في مسلم برقم ٥٩ بشرح النووي.

٣-حديث رواه الإمام أحمد.

الرابط المختصر :