; القروض الخارجية لتونس .. وضرب الإسلاميين | مجلة المجتمع

العنوان القروض الخارجية لتونس .. وضرب الإسلاميين

الكاتب لطفي رمضان

تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1992

مشاهدات 101

نشر في العدد 1025

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 17-نوفمبر-1992

دأبت الأنظمة المعادية للصحوة الإسلامية على كيل الاتهامات للحركات الإسلامية، ووصفتها بأنها تتلقى أموالًا من جهات ودول خارجية وعادة ما تكون هذه الدول من التي لا تنال رضا النظام الدولي الجديد وذلك يحقق هدفين: إلصاق تهمة العمالة بالحركة الإسلامية وتشويهها بالتالي محليًّا، وضربها خارجيًّا بتصويرها في مظهر المتحالف مع جهات معادية للغرب. 

ولكن لا أحد يتساءل من يموِّل هذه الأنظمة التي نذرت نفسها لمحاربة الإسلام وهي حرب مكلفة كما سنرى لاحقًا؟

من أين تأتي ميزانيات وزارات الداخلية الضخمة في بلاد تعاني من الإفلاس والعجز المالي؟

نشرت «المؤسسة العربية لضمان الاستثمار»، تقريرها السنوي (۹۱) الذي قدم إحصاءً عن القروض والمساعدات التي تمتعت بها الدول العربية فقسمتها إلى قسمين:

قسم أول يضم أربع دول هي (مصر، والجزائر، وسوريا، وتونس) وتحصل وحدها على 78% من جملة القروض والمساعدات التي بلغت 12.5 بليون دولار والملاحظ الدقيق يمكن أن يعرف السبب بسهولة إذ إن ما يجمع هذه الدول هو تبنِّيها للحل الأمنِي الاستئصالي في مواجهة الصحوة الإسلامية، وتمتلئ سجونها بالإسلاميين، كما تمتلئ تقارير المنظمات الإنسانية بانتهاكات حقوق الإنسان فيها.

أما القسم الثاني فيمثل الدول التي اختارت التعامل بشيء من الاعتدال مع الإسلاميين أو اختارت أن تسمح لشعوبها بجرعات من الديمقراطية كالأردن واليمن وموريتانيا والمغرب.

حسب الأرقام التي يقدمها التقرير تصدرت مصر قائمة الدول العربية المتلقية للمساعدات الخارجية إذ حصلت على 406 بليون دولار بما يعادل 36.8 في المئة من إجمالي القروض والمساعدات وبزيادة قدرها 16 في المئة عن السنة الماضية (90)، وجاءت الجزائر في المرتبة الثانية حيث تضاعفت القروض المقدمة إليها سبع مرات عن سنة (90) وقفزت من 350 مليون دولار إلى 3,5 بليون دولار (91) لتستحوذ على 20% من إجمالي القروض والمساعدات الخارجية. 

وجات سوريا في المركز الثالث إذ حصلت على 1.2 بليون دولار تلتها تونس التي حصلت على 1.05 بليون دولار أي بزيادة قدرها 215 بالمائة عن إجمالي القروض التي حصلت عليها العام 90 والبالغة 365 مليون دولار.

الجهات المموِّلة

هذا عن المبالغ التي حصلت عليها دول المواجهة، ليس مع العدو الصهيوني طبعًا، أما عن الجهات الممولة فتأتي الولايات المتحدة الأمريكية والمؤسسات المالية الدولية المرتبطة بها مباشرة كالبنك الدولي للإنشاء والتعمير ومنظمة التنمية الدولية وصندوق النقد الدولي حيث بلغت المساعدات والقروض التي قدمتها هذه الجهات وحدها قرابة 40% ثم تأتي في المرتبة الثانية السوق الأوروبية المشتركة وبعض الدول العربية.

تونس

وسنحاول فيما يأتي التعرض لمثال تونس من هذه المجموعة وذلك لأسباب أهمها:

- بعملية حسابية بسيطة يتبين لنا أن النظام التونسي هو الذي تحصَّل على أعلى نسبة من هذه القروض والمساعدات وذلك إذا قارنَّا المبالغ المتحصل عليها إلى عدد السكان والمساحة وحجم الاقتصاد فعدد سكان تونس على سبيل المثال لا يتجاوز الثمانية ملايين نسمة، أي سُبع سكان مصر وثُلث سكان الجزائر ونِصف سكان سورية، بينما تفوق نسبة القروض التي تحصلت عليها تونس إلى ما نالته بقية البلدان ذلك بكثير.

- يقدم النظام التونسي نفسه على أنه طليعة الأنظمة المقاومة للتيار الإسلامي، وهو لا يفتأ يحاول تصدير الحل التونسي الذي يرتكز على استئصال الظاهرة الإسلامية جملة بواسطة السجن والنفي والقتل إلى البلدان العربية الأخرى والإسلامية وحتى منظمة عدم الانحياز، فمما تقوم به السلطات التونسية لقمع الإسلاميين وتحسين صورتها في الخارج تقوم مؤسسات للضغط، وفي هذا المجال تعاقدت سلطات الأمن مع شركة لوبِي أمريكية بمبلغ 360 ألف دولار لتحسين صورة الطُغمة الحاكمة لدى الإدارة الأمريكية، هذا عن الجانب الثقافي الإعلامي الذي سمَّاه منظرو السلطة «خطة تجفيف الينابيع»، أما عن الجانب الأمنِي أو الاستئصال فقد شملت الاعتقالات والمداهمات أكثر من ثلاثين ألفا من الإسلاميين، كما تم تمشيط البلاد طولًا وعرضًا أكثر من ثلاث مرات، ولأخذ فكرة عما تكلفته هذه الحملة نشير إلى أن تقريرًا سريًّا أعدته وزارة الداخلية ذكر أن تكاليف الوقود وصيانة سيارات الوزارة خلال سنة المواجهة (90) بلغت أربعة ملايين دولار.. هذا عن السيارات فقط مع العلم أنه وقع في هذه الحملة استعمال جميع أنواع الآليات من مدرعات ودبابات وطائرات عمودية هذا ما استهلكته السيارات فقط دون ذكر ما صرف على الزبانية الذين قاموا بالحملة والذين يفوق عددهم الـ200 ألف عنصر سواء المرتبطين منهم مباشرة بالرئاسة أو بوزارة الداخلية ويكفي تعداد فرق البوليس التي شاركت في حملة الاستئصال هذه لتعلم أن هذا العدد هو أقل من الحقيقة، فمن هذه الفرق فرقة الأمن الرئاسي، فريق النمور السوداء، فرق مقاومة الإرهاب، فرق النظام العام، فرق التدخل السريع، فرقة سلامة أمن الدولة، الإدارة العامة للاستعلامات، فرق الإرشاد، فريق الطلائع القوات الخاصة (عسكرية ذات مهام أمنية وترتبط بالرئاسة)، وهذه الفرق ليست مركزية فقط بل تتفرع وتمتد لتشمل كل القطر.

هذا بالإضافة إلى الجهاز الشبه عسكري المسمَّى (لجان إحياء) وهو بمثابة ميليشيا مسلحة تتبع الحزب الحاكم وتضم 150 ألفًا من المسلحين مهمتهم مراقبة الإسلاميين ومطاردتهم ويحصل الفرد منهم على منحة شهرية تقدر بثلاثين دينارًا (35) دولارا أي 3,35 مليون دولار شهريًّا لهؤلاء.. لهذه اللجان فقط تصرف من خزانة الدولة.

هذه صورة عن المثال التونسي الذي يمكن سحبه على بقية الأنظمة الأخرى لنفهم سبب السخاء الغربي المفاجئ على هذه الأنظمة. 

ولنعرف كذلك أين تذهب المعونات والقروض التي تأخذها هذه الأنظمة تحت مسميات شتَّى، كتمويل المشاريع التنموية وبناء الطرقات والإصلاح الاقتصادي ثم تنفقها لتمويل «الحرب الأهلية» التي تشنها على شعوبها.

الرابط المختصر :