العنوان القرضاوي يفجر قضية عمل المرأة في التمثيل
الكاتب مجاهد الصوابي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1998
مشاهدات 59
نشر في العدد 1319
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 29-سبتمبر-1998
في ندوة ناقشت العلاقة بين الفقه المعاصر والإعلام المتميز
القرضاوي: لا مانع من قيام المرأة بالتمثيل، وهذه هي الشروط.
التقيت عددًا من الفنانات التائبات وهن يقبلن العمل بشروط.
كشف الدكتور يوسف القرضاوي عن ملابسات ظهور ميلاد أول قناة فضائية إسلامية في العالم العربي والإسلامي «قناة اقرأ»، وذلك في افتتاح مؤتمر إسلامي بالقاهرة بعنوان «نحو فقه معاصر لإعلام متميز».
وأوضح القرضاوي أنه طلب من رجل الأعمال المعروف الشيخ صالح عبد الله كامل الذي له باع في مجال دعم الاقتصاد الإسلامي على مستوى التأصيل الفقهي والعلمي أن يكون له الباع نفسه في مجال التأصيل للإعلام الإسلامي من خلال مؤتمر إسلامي دولي يعقد سنويًا، وتجسيد هذا الإعلام في قناة فضائية، فكانت هذه القناة التي ستبدأ بثها في يناير القادم ۱۹۹۹م.
وقد أكد القرضاوي على أن الفقهاء لا يمكن أن يقفوا عاجزين أمام التحدي الإعلامي ويدفنوا رؤوسهم في الرمال، وعليهم أن يواجهوا مشكلات العصر بفقه جديد وفهم جديد للتكيف مع تطورات العصر في ضوء ضوابط الشرع، حيث يتسع الفقه الإسلامي لإيجاد حلول لجميع معضلات الحياة بما يتمتع به من مرونة وسعة.
وأوضح أن الإسلام يريد إعلامًا حيًا شاملًا من دراما ومسلسلات وأفلام ومسرحيات وبرامج علمية ومهنية وترويحية مختلفة كبدائل كاملة للإعلام الغربي اللاديني الموجه ضد المسلمين ليفسد عليهم دينهم، وسندهم في ذلك الفقهاء والفقه المعاصر المعتدل المرن.. الفقيه الذي يمتاز بسعة الأفق في معرفة الدين والحياة، ويفقه النصوص في ضوء المقاصد، كما يفقه طبيعة الواقع، فضلًا عن تمتعه بالوسطية والاعتدال والورع دون تفريط أو إفراط مؤكدًا على رفض الإسلام للإفراط والتفريط في قضية الإعلام، فلا يقبل بالمنع والمقاطعة ودفن الرؤوس في الرمال، كما لا يقبل التهافت على المحرمات التي يبثها الإعلام.
أكد الشيخ صالح كامل في كلمته التي ألقاها نيابة عنه الدكتور عبد القادر طاش- رئيس قناة «اقرأ»- على ضرورة استلهام روح الشريعة الإسلامية في التعامل مع الإعلام المعاصر، ومواجهة المطر الإعلامي المنهمر والذي يمثل خطورة بالغة على أبنائنا وأهلينا إذا لم نتصد له ونواجهه بالسلاح نفسه الذي يستخدمه ضدنا، وهو البث الفضائي الإسلامي الجاد الهادف.
وحذر من خطورة الهجمات الشرسة للمحطات الأجنبية الموجهة ضد قيمنا وعقيدتنا وحضارتنا وهويتنا وثقافتنا وتاريخنا كأمة إسلامية لتغريب الأجيال الحاضرة عن تراثها الإسلامي وحضارتها.
وأوضح الدكتور محمود عاكف- رئيس مجلس إدارة العالمية للإنتاج الإعلامي ومقرر المؤتمر- أن مقولة «الناس على دين ملوكهم» قد تغيرت وأصبحت «الناس على دين تلفزيوناتهم»، لما للإعلام من تأثير خطير في حياة الشعوب المختلفة، وهذه حقيقة لا يمكن أن يغفلها عاقل، مشيرًا إلى أن الفضائيات العربية تحتاج إلى ٦٦ ألف ساعة بث سنويًا، بينما لا يتوافر لديها سوى ١٥٪ بما يعادل ١٠ آلاف ساعة بث سنويًا، والباقي تضطر لشرائه من شركات غربية، مما يوضح مدى الحاجة إلى برامج إعلامية منبثقة من الواقع والبيئة الإسلامية، بعيدًا عن الغرب وهذه مهمة أصحاب الإعلام الجاد الهادف المتميز.
وقد كانت المحاضرة الرئيسة للدكتور يوسف القرضاوي بعنوان «رؤية فقهية حول الواقع الإعلامي» تناول فيها إشكاليات عمل المرأة في مجال الأعمال الدرامية والفنية، ومشروعية التمثيل وموقع الترويح في الفن الإسلامي، وملامح الإعلام الإسلامي المطلوب خلال القرن الحالي وأهميته ودور الفقه في التغلب على هذه الإشكاليات.
وأوضح أن الإعلام أصبح جزءًا من الحياة والواقع وأنه بأدواته الحالية ليس له حكم في ذاته ووسائل الإعلام المختلفة حكمها حكم المقاصد التي تستخدم من أجلها، سواء في الخير أو في الشر، مشيرًا إلى أن هناك فرقًا كبيرًا بين الإعلام الإسلامي المتميز، وبين الإعلام الديني الذي يعد جزءًا من الإعلام الإسلامي.
وأشار د. القرضاوي إلى أن اشتراك المرأة في التمثيل أمر ضروري لا بد منه، لأننا لا نستطيع أن نخرج المرأة من الحياة وأي عمل درامي هادف لا توجد فيه المرأة فهو عمل غير منطقي، ودليلنا على ذلك أن القصص القرآني منذ آدم- عليه السلام- حتى الرسول الخاتم- عليه الصلاة والسلام- لم يهمل وجود المرأة فيه، حيث آدم وحواء، ونوح وامرأته، وكذلك لوط وزوجته، ثم الخليل إبراهيم وزوجتيه، ثم قصة ابني آدم، وموسى منذ ولادته ووجود أمه وأخته وامرأة فرعون، وابنتي شعيب وحوارهما مع نبي الله موسى، ويوسف وامرأة العزيز وسورة كاملة تحكي تفاصيل قصة احتلت فيها المرأة دورًا رئيسًا، ثم سيدنا عيسى وجدته وقصة والدته مفصلة، وحتى قصة زيد بن حارثة وزينب بنت جحش حيث ذكر القرآن هذه القصص كلها وفيها المرأة بدورها الحيوي، فكيف بنا نغلق الباب أمامها ونخرجها من الحياة؟
وأوضح القرضاوي أن اشتراك المرأة في التمثيل إشكالية تحتاج للاجتهاد والتغلب عليها لإيجاد حل لها، وهذا الحل ليس بفقه «المنع» الذي لا يحل مشكلة رغم سهولته، وترديد الفتوى بأن ذلك حرام حرام فتبقى العقد كما هي، والنتيجة أن ينطلق الناس بدوننا، وليس من الحكمة أن نغلق الأبواب فيدعنا الناس ونقف وحدنا، فلابد من أن نتبنى فقه التيسير ونعمل عقولنا في فقه جديد نجتهد لعصرنا كما اجتهد فقهاؤنا القدامى لعصرهم، ولو كان الأئمة المجتهدون يعيشون في عصرنا اليوم لتعاملوا مع هذه القضايا بصورة مختلفة وفق هذه القواعد الفقهية بأن عموم البلوى من المخففات، وأنه إذا ضاق الأمر اتسع والمضايقات تجلب التيسير دون افتئات على محكمات النصوص.
ويقول القرضاوي ما المانع أن تدخل المرأة مجال التمثيل الجاد الملتزم بضوابط الشرع دون تبذل أو سفور ويتعاون أهل الفقه وأهل الاختصاص للوصول إلى الهدف، لأنه من غير المقبول إنشاء قصة خالية من المرأة، فهذا ضد الواقع، ولاشتراك المرأة في التمثيل عدد من الضوابط أهمها:
- أن يكون اشتراكها ضروريًا.
- أن تظهر بلباس الإسلام ولا تضع المساحيق.
- أن يراعي المخرج والمصور عدم إبراز مفاتنها والتركيز عليها في التصوير.
- أن تتفوه بالكلام الحسن وتبعد عن الفاحش البذيء، ونبتعد عن مشاهد الانحراف والمجون في أعمالنا ولا نتعرض لها بإسهاب أو تفصيل، وهذه أمور يمكن الالتزام بها، ويوجد والحمد لله عدد من الفنانات الملتزمات بالإسلام يقبلن بهذه الشروط ويمكن التعاون معهن، وقد التقيتهن ورحبن بذلك.
ويستطرد القرضاوي ليؤكد على أن التمثيل في حد ذاته ليس حرامًا، حيث اعتمد القرآن على ذلك الأسلوب التمثيلي في قصص عدة، منها قصة سليمان عليه السلام والنملة، وقصته أيضًا مع الهدهد، وقصة الغراب وابني آدم وإسماعيل عليه السلام والكبش وغيرها، ومن غير المعقول أن نحرم التمثيل أو التصوير أو غيرها من مقتضيات العصر، فالفقه إنما هو الرخصة من ثقة- كما قال سفيان الثوري- ولا يعني التيسير والترخيص لّي أعناق النصوص، أو تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، ولكن علينا أن ندرك أن الإسلام جاء لجميع شعوب الأرض وليس لفئة معينة من الناس، والفتوى اليوم تتوجه لأكثر من مليار وربع المليار مسلم، وينبغي أن نتبنى فقه التيسير، ومن رحمة ربنا أن أغلب الأمور المختلف فيها بين الفقهاء ليست قطعيات، حيث اختلف فيها الصحابة والتابعون كالغناء والموسيقى على سبيل المثال، وعلينا أن ندرك أنه كما أن الرياضة تغذي الجسم، والعبادة تغذي الروح، والثقافة تغذي العقل، فإن الفن يغذي الوجدان، وقد راعى الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك فعلم أن الأحباش يحبون اللعب فأفسح أمامهم المجال ليلعبوا بحرابهم في مسجده، وسمح لزوجته أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- أن تتفرج عليهم، كما علم أن الأنصار يحبون اللهو فأوصى عائشة أن تذهب إلى عرس إحداهن وتشاركهن أفراحهن ولهوهن، حيث قال: «هلّا كان معهم الله؟، إن الأنصار قوم يحبون اللهو ....».. إلخ.
ويضيف أن المفتي يتحرك في واقع الناس ويدركه، ولذلك لا ينبغي أن يتشدد على الناس فيما قد يكون لهم فيه مخرج، ومسألة سد الذريعة مطلوبة وهي قاعدة شرعية ولكنه إذا بولغ فيها تأتي بنتيجة عكسية، ويكون شأنها شأن فتح الذريعة.
ويؤكد على أن الإسلام لا يمانع في الترويح الذي هو أحد أهداف العمل الإعلامي الهادف الجاد، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم لحنظلة: «يا حنظلة.. ساعة وساعة»، وورد في الأثر: «روحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا أكرهت عمت وإن القلوب تمل كما تمل الأبدان»، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يمزح فلا يقول إلا حقًا، ولا مانع من الترويح من خلال الموسيقى والتصوير والغناء والموسيقى التصويرية والتمثيل ولكن بضوابط، وأكد الدكتور أحمد كمال أبو المجد- عضو مجمع البحوث الإسلامية- أن العمل الإعلامي الإسلامي بات ضرورة ملحة، ومشروعًا في ظل الضوابط الشرعية والاجتهاد الفقهي بعيدًا عن الانغلاق بزعم الخوف على الإسلام، وأضاف أن الحملة الإعلامية الشرسة لتشويه الإسلام والمسلمين والتشرذم الثقافي الذي يعانيه المسلمون في ظل تحول الميراث المسيحي- اليهودي إلى شعار سياسي ضد المسلمين وحدوث الاجتياح الإعلامي لأمتنا، وغير ذلك يحتم علينا التحرك لسد الفجوة وإيقاف حملات التشويه والحفاظ على خصوصيتنا الثقافية عبر الفضائيات العربية والإسلامية، والتي تعد قناة «اقرأ» خطوة على هذا الطريق في مطلع هذا القرن.
بينما ركز المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة على أن الأمة تعيش صراع الهوية على المستوى الإعلامي، حيث يسعى الغرب لتشويه التاريخ العربي والإسلامي، مشيرًا إلى الانهزام النفسي الذي تتعرض له الأمة الإسلامية، مما يقتل الإبداع في عالمنا المعاصر.
وكانت أعمال المؤتمر قد استمرت ثلاثة أيام، وناقشت خلالها عشر أوراق من أهمها ورقة الدكتور عادل الفلاح- نائب رئيس اللجنة الاستشارية العليا للعمل على تطبيق الشريعة في الكويت- الذي تناول واقع الإعلام المعاصر والعوائق التي تواجه الإنتاج الإعلامي التلفزيوني الهادف الملتزم من صغر الأسواق وأزمة النصوص، وأزمة التمويل والتأخير في سداد المستحقات المالية، وانخفاض أسعار المنتجات الهادفة، ومعوقات الرقابة، كما استعرض المواصفات الواجب توافرها في العمل التلفزيوني الهادف الملتزم، واستعرض مشاريع مقترحة تساهم في إيجاد الإعلام الهادف وإنشاء بنك للنصوص والتمويل الجاد.
كما استعرض الدكتور زهير المزيدي- المستشار الإعلامي بالديوان الأميري بالكويت- والفنان حسن يوسف، والدكتور يحيى بسيوني- الأستاذ بجامعة الإسكندرية- معوقات العمل الإعلامي الجاد من الناحيتين النظرية والتطبيقية، بينما استعرض الدكتور كمال إمام- أستاذ الشريعة بجامعة الإسكندرية- والدكتور أحمد سيف- الأستاذ المساعد بجامعة الإمام محمد بن سعود- الإشكالات الشرعية في العمل الإعلامي، أما قضية وضوح الرؤية والهدف لتحقيق التميز الإعلامي، فكانت من نصيب الدكتور عبد القادر طاش ثم جاءت توصيات المؤتمر بعد هذه المناقشات والمحاضرات الثلاث الرئيسة لتعبر عن ثلاثة أيام من المناقشات والحوار على هذا النحو:
- ضرورة الأخذ بفقه التيسير بضوابطه الشرعية في التعامل مع قضايا الإعلام الإسلامي ومشكلاته.
- السعي إلى تحصين المجتمعات العربية والإسلامية ضد مخاطر الغزو الثقافي في المواد الإعلامية المستوردة والتي تخالف الدين الإسلامي الحنيف.
- ضرورة تنمية التعاون بين أهل الفقه الشرعي والخبرة الفنية الإعلامية للوصول إلى الإعلام الإسلامي المتميز، إلى جانب السعي لزيادة البحث والدراسة للأشكال والأساليب الإعلامية المنضبطة بالأحكام الشرعية، ودعوة العلماء والفقهاء إلى الاجتهاد الفقهي المستمر لمعالجة الإشكالات الشرعية التي تواجه العمل الإعلامي.
- تأسيس الإعلام الإسلامي المعاصر على ثوابت هويتنا الحضارية القائمة على الإسلام واللغة والتاريخ في جميع المجالات، والعمل على توفير متطلبات الإعلام المتميز من نصوص وكوادر وتمويل والاستفادة من التقنيات الحديثة في هذا المجال.
- بناء العمل الإعلامي على مراقبة الله وخشيته والالتزام بالموضوعية والصدق والابتعاد عن التعصب حتى تتحقق المصداقية المأمولة لدى الجمهور.
وآخر هذه التوصيات الأخذ بمبدأ الاعتدال والتوازن في الطرح والمعالجة وتشجيع روح الحوار بين المسلمين وبعضهم البعض، وبين المسلمين وغيرهم في إطار الضوابط الشرعية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل