; القراءة بعين واحدة | مجلة المجتمع

العنوان القراءة بعين واحدة

الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي

تاريخ النشر السبت 05-سبتمبر-2009

مشاهدات 93

نشر في العدد 1868

نشر في الصفحة 66

السبت 05-سبتمبر-2009

(*) باحث وأكاديمي عراقي

من الأقوال المعروفة لـ «موشي دايان» وزير دفاع العدو الصهيوني السابق: إن «العرب لا يقرؤون»، ولعل في ذلك بعض المبالغة، وقد تكون عبارة «القراءة بعين واحدة أكثر دقة. 

ولقد عانى الكثير من كتابنا الأذى وسوء الفهم من جراء تعامل الدارسين والنقاد مع أعمالهم بعين واحدة, ولم أنج شخصيًا من ذلك، رغم حذري الشديد ودعوتي المتواصلة لمبدأ هذا وذاك»، وليس «إما هذا أو ذاك»، وتأكيدي على ضرورة إدارة الكاميرا على الحالة موضوع الدرس من أطرافها كافة؛ لكي يكون الاستنتاج أكثر دقة وإحكامًا.

في كتابي «التفسير الإسلامي للتاريخ» خصصت صفحات للحديث عن الصراع، وهو مفهوم مؤكد في كتاب الله وفي نسيج معطياته عن قوانين الحركة التاريخية، ورغم أنني - بالمقابل أعطيت مساحات أوسع لمفهوم «التوافق» من أجل تقديم الصورة بجانبيها، فقد اتهمني أحدهم بأنني من دعاة «الهيجلية» والصراع بين الأضداد. 

ولأنني أنجزت عددًا من كتب التراجم مثل: «ملامح الانقلاب الإسلامي في خلافة «عمر بن عبد العزيز»، و«عماد الدين زنكي»، و« نور الدين محمود »، فقد حكم علي باحث آخر بأنني من دعاة مفهوم « البطل في التاريخ، رغم أنني كنت أؤكد دائما على قطبي الحركة التاريخية البطل والجمهور، ودورهما المشترك في صيرورتها.

وقال آخر من المعنيين بالهم الأدبي، وقد قرأ بحثًا لي عن وظيفة الأدب» بأنني من دعاة «المضمونية»، رغم أن معظم كتاباتي التنظيرية والنقدية ترمي بثقلها باتجاه الجانب الفني أو الجمالي؛ باعتباره ضرورة أساسية في عملية الإبداع الأدبي وإلا فهي المعاني الملقاة على قارعة الطريق كما يقول الجاحظ. 

وغير هؤلاء كثيرون اكتفوا بقراءة جوانب محدودة من كتاباتي المتواضعة، ثم أصدروا حكمهم على صاحبها. ونحن كمسلمين نعرف بداهة أن الله سبحانه وتعالى كتب الإحسان على كل شيء، كما حدث رسول الله ﷺ، «وأن الله يحب إذا عمل أحدنا عملًا أن يتقنه»، كما قال رسول الله كذلك.

وطالما قرأنا في كتاب الله دعوة مؤكدة لالتزام العدل والموضوعية في إصدار الأحكام, ﴿وَإِذَا حَكَمتُم بَينَ ٱلنَّاسِ أَن تَحكُمُواْ بِٱلعَدلِ﴾ (النساء:٥٨), ﴿وَإِذَا قُلتُم فَٱعدِلُواْ وَلَو كَانَ ذَا قُربَىٰ (الأنعام: ١٥٢). بل إننا نقرأ ...( ولا يَجْرِمَنَكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: ۸)، وهي دعوة للعدل حتى مع الخصوم والأعداء، فكيف إذا كانت الحال بين بعضنا بعضًا؟

ومن حيث أدرنا المنظور وجدنا الخطاب الديني ومنطق الأشياء يتطلب ألا نصدر حكما على مسألة ما إلا بعد الاطلاع على حيثياتها كافة، فإذا ما أردنا أن نقيم عمل مؤلف ما، أو حتى جانبًا من أعماله، فإنه يتحتم علينا إذا أردنا أن نكون موضوعيين وعادلين في الوقت نفسه، أن نقرأ كل ما قدمه المؤلف بخصوص هذه المسألة أو تلك، وإلا كان حكمنا أو تقييمنا ناقصًا ومبتسرًا وقد يكون خاطئًا من أساسه.

لا بد من القراءة المتأنية، المستقصية التي تتابع المفردات كافة، وتدير الكاميرا على وجوه وملامح الظاهرة موضوع البحث من زواياها كافة، وسواء كان هذا الموقف الخاطئ سببه التسرع، أو الكسل العقلي، أو كان متعمدًا مقصودًا، فالأمر سواء، وهو ذهاب هذا المؤلف أو ذاك ضحية الآخرين.

ونحن في الدائرة الإسلامية أحوج من غيرنا، وألزم بمفردات أدب النقد والحوار، وبمطالب الاتقان والإحسان في الأداء, وبأن نتحاشى الأحكام غير العادلة ما وسعنا الجهد, وألا ينفي أحدنا الآخر، بل يعضده ويتمم المشوار الذي بدأه, فإذا أخذ عليه شيئًا فبضوابط أدب الخلاف، وبالمحبة والإيثار، لا الأثرة والكراهية والرغبة المعلنة أو المستترة في إبراز أخطاء الآخرين وعيوبهم. 

ولمن يريد التأكد من الجانب السلبي للصورة، ما عليه إلا أن يتابع بعض أنماط المناقشين في الندوات والمؤتمرات, إنهم - باختصار شديد - لا يسعون بالتعاون مع المحاضر لتأكيد «الحقيقة»، وإنما يبحرون ضد المحاضر لتأكيد الذات, ويغادر الأخير المحاضرة أو الندوة وقد أثخنته سيوف المناقشين وسكاكينهم، بدل أن يتلقى نصحهم وتقويمهم المنبعث من معين التجرد والإخلاص, فلا حول ولا قوة إلا بالله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 48

102

الثلاثاء 23-فبراير-1971

يوميات المجتمع (48)

نشر في العدد 381

83

الثلاثاء 10-يناير-1978

شريط الأخبار (العدد 381)