; القرآن.. في القرن العشرين كيف نفهم القرآن في ضوء الحقائق العلمية المعاصرة | مجلة المجتمع

العنوان القرآن.. في القرن العشرين كيف نفهم القرآن في ضوء الحقائق العلمية المعاصرة

الكاتب سليمان السحيمي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1973

مشاهدات 11

نشر في العدد 159

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 17-يوليو-1973

تسود في أذهان بعض الناس فكرة خاطئة عن القرآن الكريم وموقفه تجاه العلم وإزاء الدعوة إلى تناول العلوم المختلفة، وهي أن المفهوم القرآني للعلم ضيق قاصر، وأنه إنما دَعا إلى تناول علوم محدودة اصطبغت بطابع ديني بحت، وأن هذا المفهوم لم يتعد هذه العلوم.

والحقيقة أن المفهوم القرآني للعلم واسع سعة الكون شامل شموله، والعلم الذي يدعو القرآن إليه لم يقتصر على علم مفيد دون آخر كما هو السائد، بل هو يدعو إلى تناول كل ما عاد على الإنسانية بالفائدة من العلوم الطبيعية والكونية، حتى علماء الدين وهم المعنيون بالعلوم الدينية ليس من المفروض أن يكون اطلاعهم قاصرًا على العلوم الدينية المحدودة المعروفة.

فعالم التفسير -مثلًا -يتحتم عليه أن يكون ملمًا إلمامًا غزيرًا بأسرار الوجود والخلق وما في الكون من إبداع وإتقان وحكم ونظم، لأن «أول ما يجب أن نفهم من كلام الله هو الآيات الدالة على وجود الله وعظيم قدرته ومتقن صنعه» وهذه الآيات «لا تفسر على الوجه الصحيح الأكمل إلا باطلاع عالم التفسير على هذه الأسرار».

وعالم الفقه -أيضًا -لا يتحتم أن يقتصر علمه على المعنى الاصطلاحي للفقه وهو الذي يعني -كما هو معروف -استنباط أحكام الدين والشريعة من القرآن الكريم ومصادر التشريع المختلفة الأخرى، بل يجب أن يكون على اطلاع -ولو بسيطًا -على الأسرار ذاتها.

وذلك كله لا يتأتى إلا عن طريق العلوم الطبيعية والكونية.

كما أن القرآن الكريم حينما يوجه الخطاب إلى العلماء رافعًا منزلتهم ومبرزًا مكانتهم في قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28) فإنما أراد بذلك العلماء في مختلف أوجه العلوم الطبيعية والكونية، فمن سياق الآيات التي سبقت هذا الجزء من الآية يتضح أن القرآن خاطب علماء الميتيورولوجيا -أي الظواهر الجوية -وعلماء النبات، والأحياء والجيولوجيا.. ولندرك ذلك لنقرأ هذا الجزء من الآية مع سياق الآيات التي قبلها، يقول تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ -علم الميتيورولوجيا -﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ -النبات -﴿ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ -الجيولوجيا- ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر: 27 - 28).

ثم إنَّ الفاعل في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ هو العلماء والمفعول به هو لفظ الجلالة (الله)، وحيث إنَّ المفعول به (الله) تقدم على الفاعل (العلماء) فإن ذلك يفيد التخصيص بذلك المفعول، كما يقول علماء النحو، فعالم الطبيعة والكون أشد ما يكون إيمانًا بالله ووجوده وعظيم قدرته وبديع صنعه، وأقوال العلماء حتى غير المسلمين في ذلك كثيرة.

ولو أراد القرآن الكريم تحديد العلم بالعلوم الدينية فقط لأورد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ...﴾ في سياق آيات تتعرض لهذه العلوم أو للعبادات أو الأمور الدينية الأخرى كما ورد في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9).

اقرأ معي بعد ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النمل: 61).. ثم تأمل معي ما جاءت به هذه الآية من إظهار لقدرة الخالق سبحانه وتعالى، وإلمام ببعض مخلوقاته العظيمة العجيبة.. ثم تأمل معي تعقيبه على ذلك بقوله تعالى: ﴿بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعْلَمُونَ﴾ لتدرك دلالةً واضحةً على أن العلم الذي تعرضت له الآية ما هو إلا مما يجب الإحاطة والإلمام به ولو إلمامًا بسيطًا وإحاطة يسيرة.

ولو كان المفهوم القرآني للعلم ينحصر في تناول العلوم الدينية فقط، لما دعا القرآن في أكثر من موضع إلى تناول العلوم الطبيعية والكونية الأخرى، ففي القرآن الكريم «آيات مباركة تدل دلالة ساطعة على أن القرآن الكريم يدعو إلى دراسة الكون وما يحتويه.. والإنسان وما يحيط به من كائنات حية وطبيعة عجيبة».

ويكفينا هنا أن نسوق بهذا الصدد قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (الجاثية: 3 - 6)، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأعراف: 185)، وقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات: 20 - 21)، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ (الغاشية: 17 - 21).

وإذا عرفنا هذه الطبقة من المفهوم القرآني للعلم علمنا أي مبلغ من الموافقة وتلبية الحاجات العلمية والفكرية في هذا القرآن العظيم... يقول الأديب الفرنسي غوته: «إن تعاليم القرآن عملية ومطابقة للحاجات الفكرية».

ويقول أليكسيس لوازون: «خلف محمد كتابًا هو آية البلاغة وسجل الأخلاق وهو كتاب مقدس وليس بين المسائل العلمية المكتشفة حديثًا مسألة تتعارض مع الأسس الإسلامية فالانسجام تام بين تعاليم القرآن وبين القوانين الطبيعية».

بل إن الحقيقة التي لا بد أن أثبتها هنا هي أن حضارة المسلمين التي قامت عليها حضارة أوروبا ما كانت لتقوم لولا القرآن الكريم، يقول المستشرق رينو: «يجب أن تعترف بأن العلوم الطبيعية والفلك والفلسفة والرياضيات التي أنعشت أوروبا في القرن العاشر مقتبسة من القرآن».. ويقول دافنبورت: «يجب أن نعترف بأن العلوم الطبيعية والكونية مقتبسة من القرآن فجميع العلماء مدينون له».

ولو أردنا الاستشهاد بكل أقوال العلماء الغرب في هذا المجال لطال بنا الحديث فضلًا عن أقوال العلماء المسلمين، ولا بأس هنا أن نورد ما قاله الأستاذ عباس محمود العقاد في هذا المجال حيث يقول: «القرآن الكريم يطابق العلم أو يرافق العلوم الطبيعية بالمعنى الذي تستقيم به العقيدة».

وتستحضرني الآن كلمة كنت قد قرأتها لفضيلة الشيخ طنطاوي جوهري لا بأس من إيرادها هنا وإن كان في ذلك شطحة قلم: «الإسلام دين علم وعمل ولما ضلت الممالك الإسلامية الكبرى سواء السبيل فجهلت العلوم الكونية والعقلية لم يصلحوا لهداية العالم المتعلم فنبذهم الإسلام فلم ينتصروا على أعدائهم الأوروبيين وأصبح المسلمون يلتمسون العلوم من الأمم الأوروبية».. ونأسف أن تكون هذه حقيقة ملموسة مشاهدة في البلدان العربية والإسلامية عامة.

ثم إن المفروض في الكوني أو الطبعي المسلم بعد ذلك أن يصبغ علومه بصبغة إسلامية ويطبعها بطابع تعاليم هذا الدين السمحة، وأن يدرسها ويدرسها بروح مشبعة بالقيم الإسلامية العالية.

الأغراض التي من أجلها دعا القرآن إلى تناول العلوم:

لم يكن القرآن الكريم كتاب طب أو هندسة أو جيولوجيا أو أحياء أو فلك... أو كتاب أي علم من العلوم... ولم يكن من أهدافه إرشاد الناس أو لفت نظرهم إلى العلوم الطبيعية والكونية بقصد التعليم، وإنما كان ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى﴾ (البقرة: 2)، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 90)، أنزله الله تعالى على رسوله المصطفى محمد -صلى الله عليه وسلم- لإرشاد الناس إلى الصراط المستقيم والطريق القويم وليكون مصدر تشريع لهم ودستورًا في معاشهم ومعادهم وحالتهم العامة، أما العلوم الطبيعية فقد دعا القرآن إلى تناولها لغايات سامية ومغزى نبيل، أو قل بعبارة موجزة... كانت دعوة القرآن إلى تناول هذه العلوم وسيلة لتحقيق غايات عظيمة تتمثل في النقاط التالية:

أولًا: إثبات وجود الله وعظيم قدرته

بقول الأستاذ محمد الغزالي: «عن طريق التفكير السليم في الحياة والأحياء واستخلاص المعارف القيمة الخارجة من الأرض والنازلة من السماء، يمكننا أن ندرك طرفًا من عظمة الخالق الأعلى وما ينبغي أن يوصف به من كمال». ويضيف قائلًا: «وكلما زادت معرفتنا بمادة الوجود وأسراره وانكشفت لنا آياته وخباياه أحسست أن عظمة المبدع الماجد فوق ما يطيقه وعينا المحدود وأن التحية التي تقدم لهذا الإله الجليل في الاعتراف بأن مظاهر وجوده بهرت كما يبهر السنا المتألق عيون الناظرين»، فالنظر في ملكوت الله وبديع صنعه يدعو إلى التفكير والاعتبار والاعتراف بأنه لا بد من وجود صانع لهذا الكون هو الله المسيطر عليه، وهذا ما يدعو بالتالي إلى الإيمان بأن الله تعالى هو الإله المعبود الخالق القادر العليم الحكيم البارئ المصور.

فما هذا الكون العظيم إلا آية جليلة تثبت وجود الله، وفي القرآن الكريم آيات جليلة تؤكد هذا المعنى وتؤيده... قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 164).

وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 190 - 191).

وفي القرآن الكريم أوامر صريحة للإنسان تدعوه لأن يوجه نظره إلى التفكر في خلق هذا الكون والنظر في صنعه البديع المتقن وما حوى من أسرار وعجائب، قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (يونس: 101)، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأعراف: 185)، وقال فيمن غفل عن ذلك: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ (يوسف: 105).

فكل شيء في هذا الكون ما هو إلا دليل ساطع وبرهان قاطع يثبت وجود الله.

إن العلم يدعو إلى الإيمان وهذا شيء لا مراء فيه، وفي علماء الغرب ورجالاتها من يدعم هذه الحقيقة بالبراهين العلمية العقلية والنقلية ولا أرى بأسًا من أن أورد هنا جملة من أقوال بعض هؤلاء العلماء في ذلك مع أن فيهم من ينابذ الإسلام العداء...

1- يقول الدكتور ميريت ستانلي كونغدون: وهو أستاذ سابق بكلية ترينتي بفلوريدا وعضو الجمعية الأمريكية الطبيعية وهو عالم طبيعي وأخصائي فيزيائي: «إنَّ جميع ما في الكون يشهد على وجود الله ويدل على قدرته وعظمته وليست العلوم أداة توصلنا إلى ذلك».

2 -يقول الدكتور والتر أوسكار ليندبرغ: وهو عالم فسيولوجي وكيماوي وأستاذ الكيمياء بولاية مينيسوتا: «إنَّ كل كشف يدعم الإيمان بالله ويزيد من الإدراك والإبصار لأيادي الله في هذا الكون».

3 -ويعلق الدكتور دونالد روبرت كار: أستاذ بالكلية الجيولوجية بجامعة كولومبيا على ذلك قائلًا: «إن الكيمياء الجيولوجية التي أدرسها تعلمنا أن ننظر إلى الأشياء بنظرة واسعة وأن نفكر في الزمان على أساس بلايين السنين وإلى المكان نظرة تشمل الكون بأسره وإلى العمليات المختلفة بحيث تشمل دوران هذا الكون كله، إن مثل هذه النظرة إلى الأمور تجعلنا نزداد تقديرًا لعظمة الله وجلاله، أما غير المؤمنين فسوف يمتلئون رهبة ورعبًا، وقد يضطرون آخر الأمر إلى أن يسلموا بأن السموات تشهد بعظمة الله وأن أحكامها تدل على بديع صنعه».

4 -ومن أحسن ما قيل في هذا المجال ما قاله الدكتور إدوارد لوثر كيسل: الأخصائي في علم الحيوان والحشرات وأستاذ علم الأحياء ورئيس القسم بجامعة سان فرانسيسكو وهو متخصص أيضًا بدراسة أجنة الحيوانات والسلمندر: «إن العمليات والظواهر التي يهتم العلماء بدراستها ليست إلا مظاهر وآيات بينات على وجود الخالق المبدع لهذا الكون وإن دراسة العلوم بعقل مفتح تجعل الإنسان يسلم بضرورة وجود الله والإيمان به».

ثانيًا: إن هذا الكون لم ينشأ ببعض صدفة..

وهذا الغرض وثيق الصلة بالغرض الأول، فنحن إذ نقر بوجود الله وأنه هو الخالق المبدع لهذا الكون فإننا ننكر بالأدلة الدامغة ما يقوله بعض العلماء الحاقدين الملحدين من أن هذا الكون إنما نشأ ببعض المصادفة.

يقول الشيخ نديم الجسر: «إن ما ورد في القرآن من الآيات التي تبحث في علوم الكون إنما ورد بقصد التنبيه إلى ما في خلق الكون وآثار الإرادة والقدرة والعلم والحكمة والإتقان والاتزان الدالة على وجود الله المنافية للكون بالمصادفة»، وأقوال علماء الإسلام في هذا المجال كثيرة، ولكن لنقرأ جملة من أقوال علماء الغرب الذين لا يمتون للإسلام بصلة في ذلك...

1 -يقول الدكتور جون وليام كلوتز: أستاذ الأحياء والفسيولوجيا بكلية المعلمين بكونكورديا: «إن هذا العالم الذي نعيش فيه قد بلغ من الإتقان والتعقيد درجة تجعل من المحال أن يكون قد نشأ بمحض المصادفة».

2 -ويقول الدكتور إرفينغ وليام نوبلوك: أستاذ العلوم الطبيعية بجامعة ميشيجان والأخصائي في الوراثة في النبات: «إني أؤمن بوجود الله لأنني لا أستطيع أن أتصور أن المصادفة وحدها تستطيع أن تفسر لنا ظهور الإلكترونات والبروتونات الأولى أو الذرات الأولى أو الأحماض الأمينية الأولى أو البروتوبلازم الأول أو البذرة الأولى أو العقل الأول، إنني أعتقد بوجود الله لأن وجوده القدسي هو التفسير المنطقي الوحيد لكل ما يحيط بنا من ظواهر هذا الكون».

ومجمل القول أن المصادفة في نشأة الكون قد غدت اليوم خرافة واهية لا تقوم على أدنى أساس من الصحة، بل لقد غدت غير قابلة حتى ولا للمناقشة أو المجادلة، وما كان ذلك ليكون لولا الدراسات الطبيعية والأبحاث الكونية التي قدمها العلماء في هذا المجال، الأمر الذي جعلهم يقفون برهبة وإكبار وتذلل وخضوع أمام هذا الخلق المتقن والصنيع العجيب الذي بلغ درجة من الإكمال تجعل من المستحيل أن يكون قد أوجدته الصدفة أو خلقته الظروف الطبيعية المختلفة أو أنه أوجد نفسه بنفسه.

ثالثًا: معرفة أسرار الطبيعة وتسخيرها لخلق الإنسان..

فالله سبحانه وتعالى خلق هذا الكون بما فيه للإفادة منه، وسخر الطبيعة بكل مكوناتها ومكنوناتها لخير الإنسان فقال عز من قائل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (البقرة: 29)، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (الجاثية: 13).

العلم هو واسطة الإنسان لمعرفة الأسرار الطبيعية واطلاعه على قواها وتسخيرها لخيره ولمصلحته، ولهذا جاءت دعوة القرآن لتناول العلوم الطبيعية وغيرها نيابة عن هذا الوجود إلا والقرآن داعينا إلى دراسته دراسة دقيقة وفحصها والتأمل فيها، كما أن القرآن يلتفت انتباهنا إلى ناحية هامة في هذا المجال يحدثنا عنها الأستاذ فاضل الجمالي إذ يقول: «إن القرآن الكريم يرينا الترابط بين الظاهرات الطبيعية المختلفة وبينها كلها وبين الإنسان، فالسحابُ يؤدي إلى المطر والمطر ينبت الزرع والشجر وهذا كله يغذي الإنسان أو الحيوان الذي يغذي الإنسان، فالإنسان يسخر الكثير من المخلوقات فعليه أن يرى علاقة كل ذلك بخالق الكون ومسيره».

وهذه بعد ذلك آيات محكمات من كتاب الله العزيز تبحث في هذا الغرض وطرق الاستفادة والتسخير، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (إبراهيم: 32 - 34).

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحج: 65).

وقال تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 14).

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (الزخرف: 12 - 13).

وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 12 - 13).

رابعًا: بناء الفرد الصالح الكامل

فالقرآن يهدف إلى بناء الفرد الواحد ليبني من بعده المجتمع والأمة، والنواحي العلمية في القرآن إنما ورد ذكرها لإكمال هذا البناء الفردي والاجتماعي، فالعلم بشتى أنواعه ومختلف فروعه وطوائفه إنما هو إحدى الخواص التي وهبها الله سبحانه وتعالى للعقل البشري وخصه بها، وإذا ما نحن سهلنا السبيل إلى هذه العلوم ومهدنا الطرق إليها أمام العقل الإنساني فإننا نكون بذلك قد ساهمنا مساهمة فعالة في إشباع رغبته من هذه الخاصية.

وبعد أن يسوق القرآن الكريم الآيات العلمية المختلفة يترك بقية المجال بعد ذلك أمام الإنسان ليعمل فيها عقله، فيصيب تارة ويخطئ أخرى سالكًا في ذلك طريق البحث والاختبار والتجربة والتفكير، وهنا يجدر بنا أن نقول إن القرآن الكريم لا يرتبط بهذا العقل أو يتعلق به أو يتمشى بموجب تفكيره وتصرفاته، فعقل الإنسان عرضة دائما للتغير والتحول كما أنه عرضة للخطأ.. فقد يثبت اليوم ما نفاه بالأمس، وقد ينفي اليوم ما أثبته بالأمس، لذلك لا يصح مطلقًا أن نعلق ما جاء في القرآن أو نربطه بفروض هذا العقل ونظرياته المتحولة.

القرآن وجمعه بين المصالح الدنيوية والأخروية:

يجمع القرآن الكريم في دعوته إلى توسيع دائرة الفكر وإشغال العقل الإنساني وإعماله بين مصالح الدارين -الدنيا والآخرة -يقول تبارك وتعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (البقرة: 219 - 220).. بل لقد قدمت الدنيا على الآخرة في ذلك -ذكرًا -لأنها كما يقول المرحوم رشيد رضا «مقدمة في بالفعل»، كما يضيف المرحوم رضا إلى ذلك فيقول: «وكل ما أمرنا الله تعالى به فهو من ديننا، ولذلك قال علماؤنا إن جميع الفنون والصناعات التي يحتاج إليها الناس في معاشهم من الفرائض الدينية إذا أهملت الأمة شيئًا منها ولم يقم به من أفرادها من يكفيها أمر الحاجة إليه كانت كلها عاصية لله تعالى مخالفة لدينه إلا من كان عاجزًا عن دفع ضر الحاجة ومن الأمر به للقادر عليه».

تنبيه:

يعمد البعض في هذه الآونة إلى القرآن الكريم فيردون إليه كل نظرية ويفتشون فيه عن كل مكتشف، وهم يأملون من وراء ذلك خدمة القرآن وخدمة الإسلام، وكما قلت فإن العقل الإنساني متحول متغير دائمًا لا يثبت نظرية إلا ويعدل على غيرها.. وإن القرآن لا يرتبط بهذا التحول أو التغير أو يتعلق به.. فلا يجوز إذن أن نرد كل نظرية علمية تظهر أو مخترع جديد يكتشف إلى آية من آيات القرآن.. أو ندلل على كل نظرية ظهرت بنص أو آية من القرآن الكريم، ثم تلغى هذه النظرية أو تستبدل بمنافية لها، فيجيء آخر فيدلل عليها هي الأخرى بآية أو نص منه، فيتسبب ذلك في نسبة النقص إلى القرآن العظيم وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ونخلص من كل ما قلنا إلى أن القرآن -كما أسلفت -ليس كتاب طب أو فلك أو هندسة أو طبيعة... إلخ.. وهو بالتالي ليس دائرة معارف علمية كما أنه لا يجوز القول بأنه أتى على كل علم من العلوم أو أنه لم يترك مجالًا من مجالات العالم إلا وأشار إليه.

أما ما ورد فيه من إشارات علمية كانت لمحات بعيدة عن الخوض في التفصيل أو المبالغة أو التأويل لمحاولة رد النظريات أو المكتشفات إليه أو ربط هذه الآيات بتلك النظريات.. وهي إنما تجيئ في القرآن لتقرير حقائق علمية أولية مجملة تشتق منها بعد التفكير والاختبار والتجربة النظريات المختلفة المتباينة، ولنأخذ على ذلك مثلًا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (يونس: 61)، فالقرآن هنا يقرر حقيقة علمية أولية هي تجزئة الذرة أما متى؟ وكيف؟ وأين؟ يكون ذلك وبم يكون؟ فلم يتعرض القرآن له.. وأنوه هنا إلى أن النظريات الحديثة التي فرضت بعد ذلك من وراء هذه الحقيقة، وأعني بها نظرية (تحطيم الذرة) أو تجزئتها.

وهاك مثلًا آخر.. يقول تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (يس: 38 - 39)، فالآية الكريمة تذكر هنا حقيقة أولية هي جريان الشمس وتثقيل منازل القمر.. أما متى؟ وكيف؟ وأين؟ فليس ذلك مما تعرضت له الآية الكريمة، بل جاءت من بعد ذلك النظريات والفروض المختلفة التي تفسر حدوث ذلك..

خاتمة:

وأختم حديثي عن هذا الموضوع بوجهة نظر فضيلة الشيخ المرحوم مصطفى المراغي، شيخ الأزهر، حيث قال: «لا أقول أن الكتاب الكريم اشتمل على جميع العلوم جملة وتفصيلًا بالأسلوب التعليمي المعروف وإنما أقول أنه أتى بأصول عامة لكل ما يهم الإنسان معرفته والعمل به ليبلغ درجة الكمال جسدًا وروحًا وترك الباب مفتوحًا لأهل الذكر المشتغلين بالعلوم المختلفة ليبينوا للناس جزئياتها بقدر ما أوتوا منها في الزمن الذي هم عائشون فيه».

كما يرى المرحوم عباس محمود العقاد رأيًا جميلًا في هذا الموضوع إذ يقول: «كل ما يجب على المسلم أن يؤمن به أن كتابه الإلهي يأمره بالبحث والتفكر ولا ينهاه عنه، ولا يصده عن النظر والتأمل في مباحث الوجود وأسرار الطبيعة وخفايا المجهول كيفما كان ولكنه لا يأمره بالتماس التوفيق بين نصوصه وبين نظريات العلوم.. كلما ظهرت منها نظرية بعد نظرية يحسبها العلماء ثابته وهي عرضة للنقص أو التعديل، ونحن لا نطالب بأن نعلق إيماننا بتفسير النظريات العلمية وهي لا تستقر عصرًا واحدًا على تفسير غير قابل للنقص».

والله الهادي إلى سواء السبيل..

مصادر البحث:

1.      تفسير المنار للمرحوم رشيد رضا -10 أجزاء.

2.      قصة الإيمان للشيخ نديم الجسر.

3.      روح الدين الإسلامي للشيخ عفيف طبارة.

4.      الفلسفة التربوية في القرآن لمحمد فاضل الجمالي.

5.      لفتات علمية من القرآن ليعقوب يوسف.

6.      العلم يدعو للإيمان لكريسي موريسون.

7.      الله يتجلى في عصر العلم.

8.      الإسلام والطب الحديث لـ عبد العزيز إسماعيل.

9.      الفلسفة القرآنية لـ عباس العقاد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل