; القرآن الكريم وأثره في سلوكيات الجيل الأول | مجلة المجتمع

العنوان القرآن الكريم وأثره في سلوكيات الجيل الأول

الكاتب الدكتور عبد الرحمن عميرة

تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1976

مشاهدات 69

نشر في العدد 326

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 23-نوفمبر-1976

جاء القرآن الكريم ومن بين أهدافه تربية جيل من الناس، تربية أمة من الأمم، تربية توافق الفطرة البشرية وتتواءم مع النفس الإنسانية، ولا تحيد قيد أنملة عن الجبلة التي فطر الناس عليها.

جاء القرآن الكريم يربي الإنسان خليفة الله في الأرض.

يربيه قلبًا وروحًا، ويربيه خلقًا وسلوكًا، ويربيه جسدًا وعقلاً، ويرتفع به إلى الأفق الأعلى أفق الإنسانية أخذًا بيده، حتى يحيله في النهاية صورة حية من تصورات القرآن للإنسان الكامل ويصنع منه طاقة كونية فعالة، مهيمنة على الكون ومسخرة له كما أراده خالقه.

﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ (الجاثية: 13) «1».

ويخلق فيه قوة عزيزة أبيّة لا تذل ولا تضعف، ولا تهن ولا تجبن، بل تواجه الأحداث في إيمان وثقة من عون الله العلي الكبير.

وتجاهد هذه القوة أعداء الله وأعداء دينه، وأعداء البشرية كلها وهي مطمئنة إلى نصر الله ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40) «2».

ومن هنا كانت حكمة الله -سبحانه وتعالى- في نزول القرن منجمًا على رسول البشرية محمد- صلى الله عليه وسلم. 

﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا (الإسراء: 106) «3».

نزل القرآن منجمًا ليتدبر في عمق وتنفذ تعاليمه بصدق، ويكون للبشرية منهجًا ودستورًا ، وقائدًا ودليلاً.

دستورًا للحياة الفردية، والحياة الجماعية في كل نواحيها الاجتماعية والسياسية والفكرية والروحية، وتصدر عنه التشريعات جميعًا.

وقائدًا يوجهها إذا بعدت، ويبصرها إذا أخطأت، ويأخذ بيدها بعيدًا عن وعورة الحياة ومزاليق الطريق.

وكان كل مسلم من جيل القرآن الأول -جيل الصحابة- رضوان الله عليهم يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه، وأن كل كلمة منه، وكل حركة، بل كل خاطر، وكل نية، قد تصبح مكشوفة للناس يتنزل في شأنها قرآن على رسوله -صلى الله عليه وسلم- وكان كل مسلم ومسلمة، من الجيل الأول، إذا حزبه أمر أو واجهته معضلة انتظر أن تفتح أبواب السماء غدًا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه «1».

أورد الإمام الترمذي بسنده عن معقل بن يسار، رضي الله عنهما أنه زوّج أخته رجلاً من المسلمين، على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة لم يرجعها حتى انقضت عدتها، فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطاب. فقال له أكرمتك بها وزوجتكما فطلقتها والله لا ترجع إليك أبدًا.

قال: فعلم الله -سبحانه وتعالى- حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 232) «2».

فسمع ذلك معقل بن يسار فقال: سمعًا لربي وطاعة، فدعا زوجها فقال أزوجك وأكرمك «3» فزوجها إياه.. 

بماذا يفسر هذا العمل.. ؟ 

وعلى أي شيء يدل.. ؟ 

يدل على الاستجابة الفورية لأمر الله سبحانه وتعالى، والرجوع عن هوى النفس إلى حكم الله، والطاعة الكاملة له بلا تراخي أو فتور وكانت المرأة في الجاهلية تمر بين الرجال كاشفة صدرها، لا يواريه شيء وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة أذنيها «1».

كانت المرأة تفعل ذلك؛ لأن قانون الجماعة لا يحرمه، وعرف البيئة لا يمنعه حتى جاء أمر الله -سبحانه وتعالى- ونزل توجيهه لتربية الأمة ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ (النور: 31) «2».

نزلت هذه الآية فامتثلن لتوجيه الله وهديه، ولم تمتنع منهن واحدة عن الخضوع لأمر الله سبحانه وتعالى.

«عن صفية بنت شيبة قالت: بينما نحن عند عائشة رضي الله عنها قالت: فذكر نساء قريش وفضلهن. فقالت عائشة: إن لنساء قريش لفضلاً، وإني والله ما رأيت أفضل من من نساء الأنصار أشد تصديقًا لكتاب الله وإيمانا بالتنزيل، لما نزلت في سورة النور: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها الرجل «3»  فاعتجرت «4» به، تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم- معتجرات، كأن على رؤوسهن الغربان» «5».

لقد كانت كلمات القرآن بالنسبة لهم المنهج اليومي الذي يتلقاه المسلمون ليعملوا به فورًا، لا يتخلف أحد، ولا يتباطأ إنسان، بل يتسابقون إلى ذلك ويتلقونه كما يتلقى الجندي في ثكنته، أو في ميدانه أمر القائد فيعيه ويفهمه، ويقوم مبادرًا إلى التنفيذ. 

قال أنس بن مالك رضي الله عنه بينما أدير الكأس على أبي طلحة، وأبي عبيدة بن الجراح، وأبي دجانة، ومعاذ بن جبل، وسهل بن بيضاء، حتى مالت رؤوسهم من الخمر، إذ سمعت مناديا ينادي: «ألا إن الخمر قد حرمت» «1». 

قال: «فما دخل علينا داخل، ولا خرج منا خارج حتى أهرقنا بعضنا وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أم سلمة، ثم خرجنا إلى المسجد» «2».

عن أبي بريده عن أبيه قال: «بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمرة، إذ قمت حتى آتي رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فأسلم عليه، وقد نزل تحريم الخمر فجئت أصحابي فقرأت الآية عليهم إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (المائدة: 91).

قال: وبعض القوم شربته في يده، شرب بعضها، وبقي بعض في الإناء فأراقوا ما في كؤوسهم، ثم صبوا ما في باطنيهم وقالوا: انتهينا ربنا، انتهينا ربنا» «3».

حرمت الخمر وهي أحب شيء إلى نفوسهم كما تروي كتب التاريخ، حتى كانوا لا يستطيعون عنها فكاكًا فهي رفيقتهم إذا أصبحوا، ورفيقتهم إذا أمسوا، وكانوا يتجرعونها في الظعن في الحل والترحال. 

يقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه: «كنت صاحب خمر في الجاهلية، فقلت لو أذهب إلى فلان الخمار فأشرب «4»، وظل عمر يشرب الخمر في الإسلام حتى نزلت آية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ (البقرة: 219) «5» 

قال اللهم بيّن لنا بيانًا شافيًا في الخمر.. 

واستمر حتى نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾  (النساء: 43) «6»

«قال اللهم بيّن لنا بيانًا شافيًا في الخمر» «7». 

حتى نزلت آية التحريم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ (المائدة: 90-91)

قال عمر: انتهينا، انتهينا «8»

وهكذا حرمت الخمر؛ لأن القرآن يهدف إلى تربية جيل، يكون دائمًا مرتبطًا بدينه وثيق الصلة بربه، مراقبًا له في كل خطرة، في كل لحظة في كل همسة.

وكان يستهدف من وراء ذلك إيجاد اليقظة الدائمة، والصحوة المستمرة لهذا الجيل.

يقظة مستمرة في عقله.

وصحوة دائمة في وجدانه. 

حتى يستطيع أن يؤدي تكاليف الخلافة، التي كلفه الله بها، يؤدي تكاليفها تجاه نفسه، ويؤدي ما عليه تجاه الجماعة التي يعيش معها، ويؤدي ما فرضه عليه ربه من فروض وواجبات، ولن يتم ذلك بالكامل ولن يستطيعه، وهو دائمًا نصف يقظ ونصف مخمور.

ولقد استجاب المسلمون لأمر ربهم، ولم يحتج الأمر إلى إصدار قانون أو عدة قوانين، أو صرف ملايين الجنيهات كما فعلت بعض الدول في مجتمعنا المعاصر ولم توفق إلى تحريم الخمر.

«لقد حاولت الحكومة الأمريكية مرة القضاء على هذه الظاهرة، فسنّت قانونًا في سنة 1919م سُمي قانون الجفاف، من باب التهكم عليه؛ لأنه يمنع -الري- بالخمر وقد ظل هذا القانون قائمًا مدة أربعة عشر عامًا، حتى اضطرت الحكومة إلى إلغائه في سنة 1933م. 

وكانت قد استخدمت جميع وسائل النشر والإذاعة، والسينما، والمحاضرات للدعاية ضد الخمر، ويقدرون ما أنفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر ما يزيد على ستين مليونًا من الدولارات، وإن ما نشرته من الكتب والنشرات يشتمل على عشرة بلايين صفحة، وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم في مدة أربعة عشر عاما لا يقل عن 250 مليون جنيه، وقد أعدم فيها 300 نفس، وصادرت من الأملاك ما يبلغ 400 مليون وأربعة بلايين جنيه، وبعد ذلك كله اضطرت إلى التراجع وإلغاء القانون» «1».

أما الإسلام فقضى على هذه الظاهرة العميقة في المجتمع الجاهلي ببضع آيات من القرآن وعلى مراحل، وفي رفق وتؤدة، وكسب المعركة دون حرب، ودون تضحيات ودون إراقة دماء، والذي أريق فقط هو دنان الخمر وزقاقها، وجرعات منها كانت في أفواه الشاربين- حين سمعوا آية التحريم «1».

كيف تمت المعجزة التي لا نظير لها في تاريخ التشريعات والقوانين في أي مكان ولا في أي زمان..؟ تمت أي المعجزة لأن المنهج الرباني أخذ النفس الإنسانية بطريقته الخاصة، أخذها بسلطان الله وخشيته، ومراقبته، وبحضور الله سبحانه- فيها حضورًا لا تملك الغفلة عنه لحظة من زمان، أخذها جملة لا تفاريق، وعالج الفطرة بطريقة خالق الفطرة.

لقد ملأ فراغها باهتمامات كبيرة، لا تدع فيها فراغًا تملؤه بنشوة الخمر وخيالات السكر، وما يصاحبها من مفاخرات وخيلاء في الهواء «2».

ملأ فراغها باهتمامات: منها نقل هذه البشرية الضالة الشاردة كلها، من تيه الجاهلية الأجرد وهجيرها المتلظي، وظلامها الدامس وعبوديتها المذلة وضيقها الخانق إلى رياض الإسلام البديعة، وظلالها الندية، ونوره الوضيء، وحريته الكريمة، وسعته التي تشمل الدنيا والآخرة «3».

استجاب المسلمون لأمر ربهم في تحريم الخمر، واستجابوا له في الامتناع عما نهاهم عنه، وانصاعوا له في تكريم المرأة والرفق بها، والتسليم في إعطائها حقوقها كاملة، وبذلوا أرواحهم رخيصة في سبيل الله، واعتبروا أن ما في أيديهم من مال أو عقار، هو عارية مردودة، وأن المال مال الله، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، فكانوا يتسابقون في الإنفاق.

روى الإمام أحمد رضي الله عنه عن أبي طلحة سمع أنس بن مالك رضي الله عنهما يقول: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا، وكان أحب أمواله إليه بئر حاء وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب.

قال أنس: فلما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (آل عمران: 92)

قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن الله تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، وإن أحب أموالي إلى بئر حاء. وإنها صدقة لله أرجو بها برها وذخرها عند الله تعالى فضمها يا رسول الله حيث أراك الله.

فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- بخ بخ ذاك مال رابح، ذاك مال رابح، وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين «1».

فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله - فقسمها أبو طلحة في أقاربه- وبني عمه «2»

وجاءت آيات كثيرة في القرآن لتشجع المسلمين على التبرع والنفقة والصدقة، واشترط القرآن على أولئك المنفقين من أموالهم في سبيل الله أن يكون ذلك من أحب الأموال إليهم ومن أجودها.

ورباهم على أن المال، مال الله وأن الرزق الذي في أيدي الواجدين هو رزق الله، وكان مجرد إحساس الفرد أن ما في يده عارية محددة بأمد ثم يستردها صاحبها الذي أعارها في الأجل المرسوم، وكأن مجرد استحضار هذه الحقائق، كفيل وحده أن يخفف من الشره والطمع في داخل النفس البشرية، ويبعدها عن الشح والحرص، ويجعلها تترك التكالب المسعور في جمع المال وبالتالي يملؤها بالقناعة والرضى بما  يعطيها الله، ويكسبها السماحة والجود بالموجود «3»، ويطمئن القلب فلا يضطرب ويقر الوجدان فلا يقلق، وبناء على ذلك، فلا تذهب النفس حسرات على فائت أو ضائع لأن فرصة العمر القصير المحدود ليست نهاية الحياة ولا نهاية المتاع ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ (النساء: 77) «4».

ولا يتحرق القلب سعارا على المرموق المطلوب.

﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ (الحديد: 23) «5». 

ولا يتعالى صلفًا وغرورًا بما أعطى.

﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ (الحديد: 23) «6»

فاذا أعطى الواجد من ماله شيئًا فإنما من مال الله أعطى. 

﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: 7) «1»

وإذا قدّم حسنة فإنما هي قرض الله يضاعفه له أضعافًا كثيرة يضاعفه له في الدنيا ويضاعفه له في الآخرة.

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (البقرة: 245) «2» 

وليس المحروم الأخذ إلا أداة وسببًا لينال المعطي الواهب أضعاف ما أعطى من مال الله.

﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 261) «3». 

وهذا المعنى قد يتجاهله بعض الناس عن قصد أو غير قصد، وقد يغيب عن أذهانهم هذا المعنى، أو ينسونه في لحظة من لحظات الغضب والضيق، فتنزل آيات القرآن لتذكر وتنبه.

وهذا ما حدث مع رجل الإسلام الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه- عندما أقسم ألا يعطي مسطح بن أثاثة - شيئًا من ماله، ولا ينفعه بنافعة أبدا.

ومسطح هذا كان من فقراء المهاجرين وقريبًا لأبي بكر، وكان أبو بكر يعوله وينفق عليه فلما كانت حادثة الإفك، خاض مسطح مع الخائضين، ولكن القرآن ينزل معاتبًا لأبي بكر الصديق وأمثاله ومطالبًا أن ينفقوا على هؤلاء، ويعطوهم ما كانوا يجودون به عليهم من قبل، ويستمع الصديق لحكم الله الذي تنزلت به آيات الله.

﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النور: 22) «4».

فيقول الصديق- رضي الله عنه- بلى يا ربنا نحب أن تغفر لنا.

ويعيد إلى مسطح ما كان ينفق عليه ويحلف بالله، والله ما أنزعها منه أبدًا.

البقية في العدد القادم

الرابط المختصر :