; القذافي يطرد الفلسطينيين إلى البحر | مجلة المجتمع

العنوان القذافي يطرد الفلسطينيين إلى البحر

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1995

مشاهدات 64

نشر في العدد 1167

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 19-سبتمبر-1995

  • الفلسطينيون المطرودون ضحية الشعارات القومية والثورية ومسيرة الاستسلام للصهاينة.

في خطوة مفاجئة- ولكنها غير مستغربة- قرر الرئيس الليبي معمر القذافي طرد ٣٠ ألف فلسطيني من ليبيا بحجة إحراج رئيس سلطة الحكم الذاتي، وإثبات فشل اتفاق أوسلو، ولم يكتف الرئيس الليبي بذلك، بل دعا الدول العربية إلى طرد الفلسطينيين المتواجدين على أراضيها، معتبرًا أن مثل هذه الخطوة ستفضح مؤامرة اتفاق أوسلو على حد زعمه.

وخاطب القذافي الجماهيرية الليبية قائلًا: «طالما يؤكد زعماء الفلسطينيين أنه أصبح لديهم أرض وجواز سفر، فليذهب الـ ٣٠ ألف فلسطيني الموجودون في ليبيا إلى بلدهم، إذا سمح لهم الإسرائيليون بذلك، وإلا فسيرى العالم أن السلام الذي روج له مؤامرة وخيانة، وعلى الدول العربية ترحيل كل الفلسطينيين الموجودين فيها إلى الضفة الغربية؛ لفضح هذا المخطط الإجرامي».

ولم تقتصر مشاعر الغضب والاستياء البالغ على الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم فجأة يواجهون المجهول، ويطردون بصورة قهرية بعد إقامتهم لعشرات السنوات على الأراضي الليبية، بل شملت مشاعر السخط والغضب جميع الفلسطينيين داخل وخارج فلسطين، المؤيدين منهم لاتفاق أوسلو ومشروع الحكم الذاتي والمعارضين على حد سواء.

فالفلسطينيون كانوا يتخوفون- وما زالوا- من مخططات الترحيل الجماعي «الترانسفير» من الأراضي الفلسطينية على أيدي سلطات الاحتلال الصهيوني، ولم يدر بخلدهم أبدًا أنهم سيواجهون عمليات طرد وترحيل جماعي «ترانسفير» عربي وبأيد عربية، بل ودعوة إلى طردهم بشكل جماعي من الأراضي العربية، وإلى أين؟ إلى فلسطين؟ كلا، بل إلى المجهول، والمزيد من المعاناة والقهر، ولعل ما يثير الدهشة والاشمئزاز في آن واحد ما زعمته السلطات الليبية من أن الفلسطينيين في ليبيا أنفسهم باركوا «!!» القرار الليبي وأيدوه عبر وسائل مزعومة نسبتها إلى الفلسطينيين المقيمين في ليبيا، ولم تنطل هذه المحاولة المكشوفة لتخفيف مشاعر الاستياء، وإضفاء صبغة وطنية على قرار «الترانسفير» على عاقل من أبناء الشعب الفلسطيني أو الأمة العربية والإسلامية، وكانت السلطات الليبية قامت بطرد الفلسطينيين من منازلهم، ونقلتهم إلى الحدود في باصات ليبية رغم أن معظمهم يحملون أوراق عمل ليبية قانونية.

حماس: تصرف خاطئ للتعبير عن موقف سياسي

حركة المقاومة الإسلامية «حماس» احتجت لدى الحكومة الليبية على عمليات طرد وتهجير الجالية الفلسطينية في ليبيا، ووصفت الخطوة الليبية بأنها محاولة خاطئة للتعبير عن موقف سياسي، ودعت الرئيس الليبي إلى إعادة النظر في قراره، ووقف معاناة الفلسطينيين في ليبيا، وأعربت عن قلقها البالغ لما يتعرضون له من إجراءات تهجير «غير مبررة»، وقالت حماس في رسالة شفوية نقلها الناطق الرسمي باسمها المهندس إبراهيم غوشة إلى المسؤولين الليبيين- عبر اتصال هاتفي- أن الشعب الفلسطيني الذي يرفض بأغلبيته اتفاقات أوسلو «لا يقبل أن يدفع ضريبة جديدة من المعاناة، وأن يكون ضحية لموقف سياسي»، وشددت على ضرورة أن يحظى الشعب الفلسطيني- في ليبيا، وكافة الأقطار العربية والإسلامية- بالمعاملة الحسنة والكريمة التي تمليها مسؤولية الانتماء للأمة العربية وللدين الإسلامي.

وانتقدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ما قامت به السلطات الرسمية الليبية من أعمال طرد وإبعاد قسري للفلسطينيين المقيمين والعاملين في ليبيا، وقالت: إن هذا الأمر يلحق الضرر بالروابط الأخوية والقومية بين أبناء الأمة الواحدة، ودعت جامعة الدول العربية إلى التدخل لوقف هذه المأساة، وإلزام ليبيا بالقرارات الرسمية العربية، وأكدت الجبهة الشعبية أن الخطوة الليبية لا تشكل ضغطًا على سلطة الحكم الذاتي وفريق أوسلو، بل إنها تخدمهم؛ لأنها تدفع بالمزيد من الفلسطينيين «إلى دائرة اليأس والإحباط التي يستثمرها الفريق المستسلم في التبشير بالخيار الواحد.. خيار الاستسلام»، وأضافت أن السلطة الليبية تطرد الفلسطينيين نحو المجهول، وليس نحو الوطن كما تدعي الأوساط الرسمية الليبية، وهي تعلم أن مسألة العودة للوطن ليست بيد من يرغب، بل يتحكم بها الاحتلال الصهيوني.

وكانت الفصائل الفلسطينية العشرة- التي ربطتها علاقات جيدة في السابق مع الحكومة الليبية- قد بذلت جهودًا حثيثة لإقناع المسؤولين الليبيين بالعدول عن قرارهم، غير أن تلك الجهود فشلت ولم تجد شيئًا، وقد قاطعت الفصائل العشرة التي زارت ليبيا للمشاركة في احتفالات الفاتح من سبتمبر «أيلول» في مدينة «سرت» كلمة القذافي في الاحتفالات بعد التصريحات التي صدرت عنه بخصوص الفلسطينيين، وبعد أن فشل ممثلو الفصائل في لقاء الرئيس الليبي في محاولة لثنيه عن المضي قدمًا في قراره.

كما فشل رئيس الدائرة السياسية المنظمة التحرير الفلسطينية فاروق القدومي- الذي زار ليبيا مطلع الشهر الحالي- في لقاء الرئيس الليبي، ولم يتوصل إلى أية نتيجة مع المسؤولين الليبيين بخصوص مسألة طرد الفلسطينيين.

الحكومة اللبنانية تغلق حدودها

وحتى تكتمل فصول مأساة المعاناة، أعلنت الحكومة اللبنانية إغلاق حدودها البرية والبحرية أمام الفلسطينيين حملة الوثائق اللبنانية بعد دخول ٣٥٠ منهم، وصرح وزير الداخلية اللبناني ميشيل المر أن وزارة الخارجية اللبنانية طلبت من سفاراتها في الخارج عدم منح تأشيرات دخول، أو إصدار وثائق سفر للفلسطينيين إلا بعد تحويل الطلب إلى وزارة الداخلية، ومن ثم إلى الأمن العام لإبداء الرأي في الموضوع، وقال إن هذا القرار اتخذ خلال اجتماع مع الرئيس اللبناني إلياس الهراوي، وبموافقة رئيس الوزراء رفيق الحريري، وحاول وزير الخارجية اللبناني التقليل من شأن القرار اللبناني، وقال إنه حيال الفوضى والتساؤلات عن صحة الوثائق المعطاة للفلسطينيين خلال الأعوام الماضية، فإن قرارًا «مؤقتًا» اتخذ بتجميد عودة الفلسطينيين في انتظار التوصل إلى حل جذري.

وحول الأسباب التي دفعت الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ قرار منع دخول الفلسطينيين من حملة الوثائق اللبنانية، قال وزير الخارجية اللبناني: إنه حتى لو كان هؤلاء الفلسطينيون يحملون وثائق سفر صادرة من لبنان؛ فإن لبنان لا يستطيع أن يتحمل حاليًا عودة أعداد كبيرة منهم لأسباب وصفها بأنها سياسية واقتصادية واجتماعية، وأضاف أن اعتبارات داخلية- ربما تكون مؤقتة- تحول دون استقبال أعداد كبيرة من الفلسطينيين المرحلين من ليبيا، أما وزير الداخلية اللبناني فبرر الموقف الذي اتخذته الحكومة اللبنانيةبأنه جاء «لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي»، وأكدت مصادر سياسية لبنانية أن المسؤولين اللبنانيين يخشون من أن يؤثر استقبال عدد كبير من الفلسطينيين على التركيبة السكانية، وبالتالي الطائفية التي يقوم عليها النظام السياسي في لبنان.

ويذكر أن حوالي ثلث الفلسطينيين المقيمين في ليبيا يحملون وثائق سفر ليبية، ويبلغ عدد الفلسطينيين في لبنان نحو ٣٤٠ ألفًا وفق إحصائيات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» التي تلزم الاتفاقيات الموقعة بينها وبين الدول العربية التي استقبلت الفلسطينيين ومنحتهم وثائق سفر باستقبالهم على أراضيها.

وهكذا وجد الفلسطينيون المقيمون في ليبيا أنفسهم بين مطرقة الإبعاد والطرد الجماعي الليبي «الترانسفير»، وسندان الرفض وإغلاق الحدود اللبنانية، والغريب في الأمر أن كلا الطرفين يبرر موقفه بدوافع ومبررات سياسية وطنية، ولكن حقيقة الموقف أبعد ما يكون عن ذلك.

دوافع القرار الليبي

في كثير من الأحيان يصعب تفسير التصرفات الرسمية الليبية التي كثيرًا ما تنصف بالتفرد أو «الشذوذ» واللا منطقية، ولا تحكمها حسابات سياسية أو عقلية، بل إن المواقف الليبية الرسمية كثيرًا ما تتضارب وتتناقض إزاء القضية الواحدة، وقد أثار الموقف الرسمي الليبي المؤيد للصرب في جرائمهم التي يرتكبونها ضد المسلمين في البوسنة دهشة الكثيرين ممن فاجأهم الموقف الليبي، وفي ظل هذا التخبط والعشوائية في اتخاذ القرار قد لا يكون من السهل الوقوف على الدوافع الحقيقية للخطوة الليبية الأخيرة، ولكن الشيء المؤكد أن المبرر الذي أعلنه الرئيس الليبي- وهو الضغط على ياسر عرفات وإفشال اتفاق أوسلو- أبعد ما يكون عن الحقيقة للأسباب التالية:

١- أن الفصائل والقوى الفلسطينية المعارضة أكدت أن الخطوة الليبية لا تصب في هذا الاتجاه، وإنما تصب في الاتجاه المعاكس؛ لأن ياسر عرفات لن يتأثر بمثل هذه الخطوة، بل سيوظفها لتأكيد صحة وجهة نظره، بأنه كان مضطرًا للقبول باتفاق أوسلو نتيجة خذلان العرب للفلسطينيين، ومن أجل إيجاد فرص للفلسطينيين بالعودة، وأنه مضطر للتحالف مع الشيطان، حتى لو كان هذا الشيطان هو العدو الصهيوني، من أجل البحث عن بارقة أمل بعودة الفلسطينيين.

٢– الطريقة التي طرد بها الفلسطينيون في ليبيا تمت بشكل تعسفي، وبشكل لا يوحي أبدًا بأن أسبابًا سياسية وطنية تقف وراءها، كما حرم الفلسطينيون المبعدون من مستحقاتهم وتعويضاتهم.

٣- قبل عامين فقط قامت ليبيا بإرسال وفد الحجاج الليبيين إلى «إسرائيل» لزيارة القدس المحتلة، وقد أجمعت الأوساط السياسية في حينه على أن هذه الخطوة تمت بموافقة ومباركة القيادة الليبية، وأنها جاءت بهدف تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، أملًا في تخفيف الضغوط الدولية التي تتعرض لها الحكومة الليبية، ولتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة، فكيف ينسجم هذا الموقف مع المزاعم الليبية حول قرارها الجديد؟!

٤– لم تقتصر عمليات الطرد الجماعي على الفلسطينيين وحدهم، بل شملت أعدادًا كبيرة من الرعايا العرب والأجانب الموجودين في ليبيا، حيثتحدثت المصادر الصحفية عن طرد عدة آلاف من العمال المصريين بحجة أنهم لا يحملون إذنًا بالعمل، ووصف أحد العمال المصريين الأسلوب الذين تم طردهم به بقوله: «ألقوا بنا في الشارع»، وقد ربطت مصادر سياسية وصحفية بين عمليات الطرد الجماعي للرعايا الأجانب، وبين أحداث عنف ومواجهات وقعت في بنغازي بين السلطات الحكومية الليبية وبين إسلاميين، وقالت إنها أسفرت عن سقوط أكثر من عشرة قتلى، وتجدر الإشارة إلى أن عدد «الأجانب»، في ليبيا يقدر بنحو مليون ونصف المليون من مختلف الجنسيات.

وفي ضوء ما سبق فإن الاحتمال الراجح هو أن دوافع داخلية هي التي تقف وراء الموقف الليبي المتمثل في طرد عشرات الآلاف من الفلسطينيين وغيرهم من الجنسيات الأخرى، ولا شك أن الفلسطينيين المطرودين هم الأكثر معاناة بين الجميع، حيث إنهم وحدهم الذين لن يجدوا أرضًا ترحب بعودتهم وتفتح لهم أذرعها، ويبدو أن عليهم أن يسددوا باستمرار فواتير التغيرات والاختلافات العربية، كما أنهم دائما ضحية الأزمات، وضحية أوزار قيادتهم وأخطائها.

والتساؤل المطروح: هل ينسجم الموقف الليبي الجديد مع القومية والأممية التي رفع شعارها الكتاب الأخضر؟ وهل تجدي الجهود والتحركات في ثني المسؤولين الليبيين عن خطوتهم التي توجه طعنة جديدة إلى علاقات الأخوة والعروبة والإسلام؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 13

257

الثلاثاء 09-يونيو-1970

ذكرى حزيران.. النصر الذي ننتظره

نشر في العدد 14

131

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!