; القذافي.. واعظًا و إمامًا في نواكشوط! | مجلة المجتمع

العنوان القذافي.. واعظًا و إمامًا في نواكشوط!

الكاتب سيد أحمد ولد باب

تاريخ النشر السبت 21-مارس-2009

مشاهدات 69

نشر في العدد 1844

نشر في الصفحة 34

السبت 21-مارس-2009

موريتانيا

غادر الرئيس الليبي معمر القذافي العاصمة الموريتانية نواكشوط، بعد زيارة دامت ثلاثة أيام، قام خلالها بأداء الطقوس الدينية التي يسميها الليبيون «الصلاة الجامعة»، المصحوبة بخطبة توجيهية تعرضت للعديد من الجوانب التاريخية والمواقف الفكرية للرئيس الليبي الذي يحكم ليبيا منذ وصوله إلى السلطة عبر انقلاب عسكري عام ١٩٦٩م.. وقام الوسيط الليبي بالإشراف على لقاء أطراف الأزمة السياسية الموريتانية، وقدم قراءاته السياسية التاريخ موريتانيا، مشيرًا إلى أن الديمقراطية النيابية تناهض الانقلابات، لأنها تدفع للتحزّب والصراع المستمر بين الفرقاء، حيث تشكل كل مناسبة انتخابية فرصة لانقلاب أحد الأطراف على الآخرين.

هاجم الأمويين.. وأنتقد الديمقراطية.. وأثار مخاوف فرقاء الأزمة في البلاد

نواكشوط : 

وأنتقد الرئيس الليبي –بحضور الفرقاء الموريتانيين- المسار الديمقراطي الذي مرت به موريتانيا منذ عام ١٩٨٦م حتى اليوم، داعيًا إلى اعتبار موعد الانتخابات الذي حدده العسكريون في موريتانيا بصورة انفرادية «6 يونيو  ۲۰۰۹م» تاريخًا لإحداث قطيعة مع الماضي، وبناء ما سمّاه موريتانيا جديدة.

تصريحات من يُوصف في ليبيا بــ «الثائر المسلم» ما كادت تكتمل حتى ثارت ثائرة الجبهة المناوئة للانقلاب، فانسحبت محتجّة على كون الوسيط أنحاز للطرف العسكري المهيمن على مقاليد الأمور في موريتانيا منذ السادس من أغسطس ۲۰۰۸م، معبّرة عن خيبة أملها في العقيد الضيف الذي قال عنه «راديكاليو» الجبهة: «إنه غير مؤهّل للوساطة، لأنه رهينة ثقافته وتجربته الشخصية المترَعة بالتسلّط والدكتاتورية، ولم يستطع بعد أن ينتقل إلى آفاق الدور الإقليمي والدولي الذي بوّأته إياه المنظمات الدولية الست في اجتماع باريس الأخير في ۲۰ فبراير ۲۰۰۹م».

فقدان البوصلة

وبذلك تدخل الوساطة الليبية في النزاع الموريتاني مرحلة جديدة من غموض المصير وفقدان بوصلة الوجهة المستقبلية، رغم تأكيد ليبي -لم يتجاوز تصريحًا إعلاميًا- برغبة رئيس الاتحاد الأفريقي في مواصلة لعب دور الوسيط على خشبة المسرح الإقليمي والقارّي، كما هو مقتضى الدور ومتضمّن التكليف الدولي.

غير أن زيارة العقيد الليبي لموريتانيا، التي جاءت بعد انقطاع دام ٢٥ عامًا، حققت للدولتين إنجازات ستبقى ذات دلالة إذا تم تنفيذها بالفعل، فالاستثمارات الليبية التي دشّنها القذافي بصحبة الجنرال محمد ولد عبد العزيز تُعّد -في نظر الرسميين- علامة نجاح بارزة للزيارة الليبية التي أسّست لتعاون تنموي يتمحور حول ثلاثة مشاريع بلغت تكلفتها مليارات الدولارات، ومن أهمها التمويل المقرّر لاستئناف عمل شركة الخطوط الجوية الموريتانية التي انهارت في عهد الرئيس المعزول سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله، إضافة إلى الفندق الذي سيُنهي بطالة ٤٠٠ من الأيدي العاملة، وطريق يحمل اسم «طريق القذافي» في ضاحية «تفرغ زينة» لتكون نواكشوط بذلك العاصمة العربية الأفريقية التي حققت للزعيم ما ترفضه كل العواصم، بل حتى المدن والبلدات على طول العالم العربي وعرضه، حيث لا تستقبل الأفكار الاستعراضية للزعيم الليبي إلا بالنكير والرفض في أغلب الأحيان.

وسيستمر جدل العديد من الموريتانيين بشأن أصداء الزيارة، التي لن يخفت صوتها قريبًا في موريتانيا التي يمتلك شعبها ذهنية «الثقافة الشفهية» التي تعيد التأمل وتسترجع وقع الكلمات، خصوصًا أن الرئيس الليبي تحدّث بسخرية لاذعة، وربما في رأي البعض أيضًا تصرف كذلك.. فالرجل -الذي أصغت له الآذان بوصفه صاحب أفكار جديدة- ظل يسترجع ما دأب عليه منذ عقود من إطلاق المواقف التي قد تكون بالنسبة له في منتهى الجدية، ولكنها بالنسبة للمراقب الخارجي تبدو في أحسن الأحوال هزلية وغير جادة بل وخارجة عن السياق أو كما يعبّر الموريتانيون «أخروج».

فالحديث الطويل الذي تناوله القذافي عن العديد من القضايا التاريخية -كمسألة اضطهاد الأشراف، والدولة الفاطمية- لا يمكن أن يستسيغه الموريتانيون الذين يهتمون أكثر من أشقائهم العرب الآخرين بالأنساب والتواريخ، ولم يحصل في ذاكرتهم التاريخية انقطاع يسمح بتركيب اضطهاد آل البيت -جرّاء ثوراتهم المتتالية في وجه الحكم الأموي والعباسي- على الدعوة إلى بعث الدولة الفاطمية بوصفها «أداة خلاص»، لأن العوائق المنهجية أمام تحويل تاريخ دولة إلى أيديولوجيا خلاصية لن يكون متماسكًا في الذهنية الموريتانية الشنقيطية، ولاسيما عند الأشراف الذين ربما لا يُسلّمون للقذافي بشرعية ادعاء الدولة الفاطمية التمثيل الشرعي للأشراف على عهدها، فكيف بالأمر وهي مجرد خيال تاريخي أنقضى زمنه، وأنفصل واقعه عن التأثير في الواقع المعاش اليوم؟!

جدل تاريخي

وقال باحث موريتاني في التاريخ لــ «المجتمع»: «إن تحقيق مناط شرعية انتساب الفاطميين لآل البيت مثار نقاش وجدل تاريخي قد لا يُحسم لصالح الفاطميين، مع صعوبات بناء أيديولوجيا الشرعية السياسية على أساس نسب هو في نظر الأشراف أنفسهم محل جدل كبير، خصوصًا مع وجود صعوبات أخرى تتمثل في اختلاف مرجعية الأشراف السُنية في الشمال الأفريقي مع الدولة الفاطمية العبيدية «الشيعة الإسماعيلية». وهي صعوبات لم يأخذها القائد الليبي في الحسبان إن كان يقصد ما يقول فعلًا». 

ويعتقد الكثير من المراقبين للوضع السياسي أن أسبوع القذافي وصلواته في موريتانيا ستخلف صعوبات كبيرة في علاقات موريتانيا بدول مجلس التعاون الخليجي، وهي من أكثر الدول العربية تأثيرًا على موريتانيا، ولاسيما في الجوانب التنموية والاقتصادية.

ولن يفارق طيف القذافي صنّاع القرار في الخارجية الموريتانية الذين ستطاردهم لعنته «العربية» و«الغربية»، ولا تُعرف حتى الآن تداعيات موقف القذافي من الحوار -وهو قائد الاتحاد الأفريقي- على مستوى هياكل الاتحاد، وكيف سيكون موقف الدول المؤثّرة الرافضة للانقلابات انسجامًا مع ميثاق الاتحاد، كما أكدت مرارًا دول مثل الجزائر . ونيجيريا، وكيف سيكون تعليق سلطة الاتحاد الأفريقي بعد تصريحات الرئيس الدوري الأخيرة في موريتانيا؟

نواكشوط هي العاصمة الوحيدة التي حققت للزعيم الليبي ما ترفضه كل العواصم العربية التي تستنكر أفكاره الاستعراضية.

دخلت الوساطة الليبية في النزاع الموريتاني مرحلة جديدة من غموض المصير وفقدان بوصلة الوجهة المستقبلية.

الجيش.. والسيادة

يرى العديد من المراقبين أن سماح الجنرال «محمد ولد عبد العزيز» للعقيد القذافي بإدخال وحدات من الحرس الليبي إلى حراسته منافية لأعراف الدول التي تحترم ذاتها، ولا تقبل ما يمس سيادتها الوطنية، ويقول هؤلاء: إن الجيش الموريتاني جُرِح في كبريائه لأنه سمح لقوات عسكرية مدججة بالسلاح بالقيام بمهامّ عسكرية على أراضيه دون مبررات مقنعة، في ظروف يتولى فيها الجيش مقاليد الأمور، حيث ينبغي أن تكون حساسية القيادة العسكرية والسياسية أكثر ارتفاعًا تجاه هذه المسألة، ويذكر الموريتانيون كيف تم إلغاء المناورات العسكرية التي كانت ستشارك فيها قوى أجنبية خلال فترة حكم المجلس العسكري السابق عام ٢٠٠٦م، تفاديًا لإحراج تلك المناورات. 

بل إن الكثيرين يتذكرون رفض الرئيس الأسبق محمد خونة ولد هيدالة وجود قوات عسكرية تحرس القذافي نفسه خلال زيارته لموريتانيا عام ۱۹۸۲م، قائلًا: «إن ذلك يتنافى وأخلاق الضيافة، وإتهام للجهة المضيفة بعدم القدرة على تأمين ضيوفها، وهو إتهام ضمني لا تقبله الدول والجيوش التي لابد أن تفرض احترام ذاتها قبل مطالبة الآخرين باحترامها».

رابحون و خاسرون

وبمعايير الربح والخسارة، فإن المجلس العسكري الحاكم قد ربح وقوف الزعيم الأفريقي إلى صفه، نصيرًا في انتخابات الرئاسة المزمع إجراؤها في السادس من يونيو المقبل، ويرفض الطرفان الآخران جعله سقفًا لتجاوز الأزمة دون ضمانات.

وإن كان لابد من تحديد خاسر، فهو الجبهة المناوئة التي راهنت على الموقف الدولي منذ اللحظات الأولى، وعملت خلال الأشهر الماضية على جعل المنظمات الدولية تتبنّى أجندتها الرافضة لاستمرار الانقلاب، وما أن حانت ساعة قطاف الجبهة لجهودها حتى وجدت كل أوراق اللعبة بين يدَي الزعيم الليبي العصيّ على الانسياق وراء أطروحات الجبهة حول الدفاع عن الديمقراطية، لأن الديمقراطية النيابية بالنسبة للزعيم المؤثّر في الاتحاد الأفريقي هي أيضًا شبيهة بالانقلابات، بل إن القذافي -وهو يحلل أنظمة الحكم وتجاربها في أفريقيا- أكد رفضه تمامًا للديمقراطية في هذه البلدان داعيًا -بصورة ضمنية- إلى نشأة أنظمة وطنية على غرار التجربة التي طبّقها هو نفسه خلال فترة حكمه.. وستجد الجبهة نفسها مرغَمة على الابتهال: «اللهم عجِّل فرج الديمقراطية المنكوبة»!. 

الرابط المختصر :