; القدس وشدّ الرحال | مجلة المجتمع

العنوان القدس وشدّ الرحال

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1980

مشاهدات 95

نشر في العدد 493

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 12-أغسطس-1980

القدس مهد الأديان، وأم الأنبياء. والمسجد الأقصى ثاني بيت وضع في الأرض بعد المسجد الحرام ..... وأول ما فرضت الصلاة على المسلمين كان قبلتهم... ومن ثمَّ تحولت القبلة بأمر الله إلى الكعبة. 

أُسرى بالرسول – صلى الله عليه وسلم – من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، الذي نصَّ الله – سبحانه – على أنه بارك حوله..... ومن هناك من الصخرة صعد – صلى الله عليه وسلم – إلى السماوات العلى... وفي هذه الليلة فُرضت الصلوات الخمس كما نصليها... والمسلمون في شوق دائمٍ إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى، فالرسول – صلى الله عليه وسلم – يقول في الحديث الذي يرويه مسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد الأقصى».

نعم هذه مكانة القدس عند المسلمين من وجهة النظر الدينية المحضة... وإذا أضفنا إلى ذلك

التاريخ والأمجاد منذ تسلم مفاتيحها الخليفة العادل عمر بن الخطاب – رضى الله عنه – لتبيَّن كم هي عزيزة علينا، وأنها تستحق منا كل تضحية وفداء .....

ولکن أین هم المسلمون اليوم؟!

وأين هي القدس؟؟؟

قبل أقل من قرن من الزمان تدنست القدس بالصليبين... 

قتلوا أهلها حتى غاصت السيقان في الدم .... ولكن الله – سبحانه – لما علم صدق العزيمة في المسلمين بعث فيهم صلاح الدين، فحاصر القدس وحرَّرها من الصليبين المجرمين، عام ١١٨٧م.

  • واليهود ليس لهم في القدس من الأماكن التي يزعمون أنهم يقدسونها، سوى حائط المبكى، أو بالأحرى «حائط البراق»، وهو الجدار الغربي للمسجد الأقصى، الذي يُروى أن جبريل – عليه السلام – ربط فيه براق النبي – صلى الله عليه وسلم – ليلة الإسراء.

 ولكن اليهود يطمعون في أن تكون القدس عاصمة «لدولة إسرائيل الكبرى» ويريدون أن يبنوا فيها هيكل سليمان من جديد، وسليمان منهم براء.

  • وإذا كان الكنيست اليهودي قد اتخذ قرارًا بالإجماع لتوحيد القدس «واتخاذها عاصمةً لإسرائيل إلى الأبد» يوم 30/ 7/ 1980، وتلا ذلك نقل مكاتب رئيس الوزراء مناحيم بيغن إليها، فالحق أن هذا القرار ليس غريبًا ولا عجيبًا كما وصفته معظم أنظمة الحكم العربية والإسلامية، فاليهود منذ قيام دولة «إسرائيل» في١٥ آيار ١٩٤٨ وهم يعملون جاهدين لتهويد مدينة القدس، وجعلها عاصمة لهم.

ففي عامي ١٩٤٨، ١٩٤٩ أصدرت الأمم المتحدة قرارين بإدانة الإجراءات التي اتخذها اليهود «لتغيير معالم القدس»، وقد تحدَّت إسرائيل هذين القرارين وواصلت سياستها بالتوسع في الاستيطان، وتهجير السكان العرب؛ بحيث انقسمت المدينة إلى الشرقي القديم، وقد ظل مع المسلمين، والغربي الحديث لليهود.

ودماء الوسيط الدولي الكونت برنادوت، شاهدةً على مكرهم وخداعهم.

ومنذ وقع القسم الشرقي في القدس تحت الاحتلال عام ١٩٦٧، وإسرائيل تحاول طمس المعالم الإسلامية في القدس الشرقية، وتوحيد المدينة تمهيدًا لإعلانها عاصمة أبدية لإسرائيل، والذين عايشوا هزيمة عام ٦٧ كم قد شعروا بالمهانة والذل والانكسار، وعندما شاهدوا الجنود اليهود يتسابقون إلى تقبيل حائط المبكى وقراءة التوراة عنده، وهم يقولون: «محمد مات وخلف بنات» «وإن نسيتك يا أورشليم تنساني يميني».

ومدَّ موشى دايان يده على حجر بارز بالحائط قائلا: «لا فراق بعد اليوم. ولا عزلة ولا ابتعاد. سنبقى معًا: الشعب والأرض والحائط». 

ومنذ ذلك الحين لم يبقَ زعيم يهودي صقرًا كان أم حمامة؛ إلا وصرَّح بأن القدس قد توحَّدت لتصبح «عاصمة أبدية لإسرائيل». 

ومنذ تسلُّم بيغن السلطة، ومنذ بدأت مفاوضات ما يُسمَّى بالحكم الذاتي، واليهود يُعلنون أنهم لن يتخلُّوا عن القدس... لقد أوضح ذلك بيغن في رسائله لكارتر... ولقد أصدر وزير الداخلية أنظمة وقوانين بشأن القدس، كلها تُكرِّس العدوان وتهويد المدينة الحبيبة.

 وأخيرًا صدر القرار بالضم ولم يبقَ قرارًا، بل أردف بالتنفيذ.

  • فماذا كان رد الفعل في العالم الإسلامي وماذا كان الفعل؟!

على المستوى الرسمي: ظل السادات سادرًا في غيِّه، ماضيًا في طريقه الذي اختاره، طريق كعب ديفيد ومفاوضات الحكم الذاتي، بل إنه اعتكف في طور سيناء، ودعا لبناء مجمع ديني يضم مسجدًا وكنيسة وكنيسًا «معبدًا يهوديًّا» !! ودعى المسلمين للتبرُّع من أجل ذلك، وهذه مهانة وذله، تستغرب كيف يقبلها عاقل أو حتى إنسان، وأما ردود أنظمة الحكم العربية والإسلامية الأخرى، فلم تزد حتى الآن عن استنكار شديد اللهجة! أو شجب كله سباب وشتائم! أو استغراب واستهجان.... مُطالبةً بقمة عربية أو إسلامية عاجلة!.... لجنة القدس سوف تجتمع في الرباط برئاسة الملك الحسن الثاني، يوم ١٦ الجاري لتبحث «التدابير الضرورية التي يتعين اتخاذها على وجه السرعة لإحباط قرار إسرائيل بجعل القدس عاصمة لها... مجموعة الدول الإسلامية تُعدُّ مشروع قانون لمجلس الأمن، يطالب بفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية على إسرائيل، وبعد أسبوع من المداولات والمشاورات في ردهات مبنى الأمم المتحدة، أعدت مجموعة الدول الإسلامية مشروع قرار لمجلس الأمن، يقضي بإعطاء مهلة لإسرائيل، قدرها ثلاثة أشهر، لإلغاء ضم القدس!!!.

وعلى المستوى الشعبي، لم تزد الردود عن الشجب، ووصف القرار بأنه تحدٍ صارخ للرأي العام العالمي وقرارات الأمم المتحدة، وعلى العموم فإن ردود الفعل إزاء ما لحق بالقدس، لم تتجاوز أسوار الأمم المتحدة ومؤسساتها، وأسوار المؤتمرات المختلفة.

  • وأما القرار الذي اتخذته بعض الدول بالتهديد بقطع العلاقات مع الدول، التي تنقل سفاراتها من تل أبيب إلى القدس، فلا يمكن أن يكون فاعلًا إلا إذا وضع موضع التنفيذ، وكذلك الدعوة للجهاد المُقدَّس.

 فلقد سئم المسلمون المؤتمرات والقرارات، وما عادوا يؤمنون بغير الفعل الذي تظهر آثاره .... فهل تدرك أنظمة الحكم العربية والإسلامية ذلك؟..

وتبدأ بالفعل لكي ترى المسلمين يتسابقون للتضحية من أجل القدس وإنقاذ المقدسات؟!.

  • ونحن على كل حال لا نريد أن نبكي القدس، ولا حتى نبكي أنفسنا، وإن كنا نستحق ذلك، ولكننا نريد أن نقف عند الحدث، أي قرار إسرائيل بضمِّ القدس وإعلانهـا «عاصمة أبدية» لنستخلص الدرس ونستلهم العبر...

أولًا: فلقد ثبت بشكل قاطع أن إسرائيل لا تقيم وزنًا لقرارات وتوصيات الأمم المتحدة، وكل القرارات الدولية .... فقرار ضم القدس جاء بعد يوم واحد من قرار الأمم المتحدة بالاعتراف «بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولة مستقلة على أرضه» والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطيني، ممثلًا شرعيًّا وحيدًا للشعب الفلسطيني، وقد ثبت ذلك لجميع دول العالم.

ثانيًا: إن القرار الإسرائيلي بضم القدس وإعلانها عاصمة أبدية، صدر بموافقة جميع الأحزاب الإسرائيلية بلا استثناء، في مقدمتهم شيمون بيرز، زعيم المعارضة الذي تُعوِّل عليه بعض الأنظمة خيرًا لحل القضية سلميًّا إذا سقطت حكومة بيغن!! وكذلك صوت عليه يادين وأيبان وكل الحمائم اليهود!.

ثالثًا: لقد جاء القرار في ظروف الانتخابات الأمريكية ووصولها إلى مرحلة الصراع من جهة، وتفكك الأنظمة العربية وتصارعها وتناحرها وضعفها من جهة ثانية؛ أي أن الزعماء اليهود استثمروا الزمن لصالحهم، فمتى يستطيع الحكام العرب أن يستثمروا الوقت لصالح قضاياهم؟!.

رابعًا: في الوقت الذي أخذ العرب يلقون كل ما عندهم من بيض في السلة الأوروبية، ويترقبون لاهثين المبادرة الأوروبية لحل أزمة الشرق الأوسط، امتنعت الدول الأوروبية التسع بما فيها فرنسا وبريطانيا عن التصويت على قرار هيئة الأمم المتحدة الذي صدر يوم 29/ 7 / 80؛ يُؤكِّد حق الشعب الفلسطيني في إنشاء دولة مستقلة ويُطالب إسرائيل بالانسحاب من الضفة الغربية، وقطاع غزة والقدس الشرقية، خلال الأشهر الثلاثة المُقبلة.

خامسًا: لقد ثبت لجميع دول العالم أن إسرائيل دولة معتدية، وأن الزعماء اليهود مخاتلون مخادعون، وأن القضية اليوم لا تحتاج إلى دعاية إعلامية دولية بقدر ما تحتاج إلى اتخاذ خطوات تنهي الظلم وتسترد الحق لأهله.

سادسًا: إن القرار بحد ذاته سخرية من المسلمين جميعًا الحكام قبل المحكومين، وإن تصريح بيغن بأن الضجة العربية حول القرار مجرد زوبعة ستنتهي؛ يُعتبر سخرية بكل حكام العرب والمسلمين، ويستنهض فيهم أدنى حبة من خردل من إيمان أو كرامة أو عزة.

  • وإذا أردنا أن نكون أعزاء مكرمين، ولديننا حافظين، فإنه ينبغي اتخاذ الخطوات التالية على صفة الاستعجال والسرعة:

أولًا: يجب أن يعلن الحكام في بلاد المسلمين كفرهم بجميع الحلول والمبادرات الدولية، فالطريق إلى القدس ليس من واشنطن ولا لندن ولا باريس ولا موسكو؛ بل الطريق إليها من مكة وعمان ودمشق وبغداد وكل رجاء من أرجاء المسلمين.

ثانيًا: تُقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية، وكل أنواع العلاقات مع جميع الدول التي تتعامل مع إسرائيل، وتُقيم معها علاقات، مهما كان ميدانها حتى تتراجع عن القرار، وتنسحب من الأراضي التي احتلتها عام ١٩٦٧.

ثالثًا: إعداد كتائب الجهاد من ثم لتحرير فلسطين جميعها بلا استثناء.

ولكي تتحقق هذه الأهداف فلابد طبعًا من التوبة النصوح إلى الله أولًا ... وتحكيم شرع الله، وتكييف الحياة طبقًا لذلك ... ولابد من توحيد كلمة المسلمين على أساس من ذلك أيضًا..

  • وتلك أمانة عظيمة من يُضيِّعها يُضيُّعه الله ولا يبالي، والذي لا يؤدي هذه الأمانة يكون خائنًا لله والدين والقدس ... وهو أهل بعد ذلك لاستعباد أذل خلق الله، وسخرية بيغن و دایان ورييريز وغاؤلا كوهين، وكل ذراري قتلة الأنبياء والمجرمين.
الرابط المختصر :