العنوان القدس مشروع تحرير متواصل
الكاتب الشيخ رائد صلاح
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-2000
مشاهدات 86
نشر في العدد 1406
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 27-يونيو-2000
لا ينكر عاقل أن القدس الشريف في خطر، وأن الأقصى المبارك في خطر، ولا ينكر عاقل أن الطرف الإسرائيلي ينظر إلى القدس كقضية تحظى بإجماع ديني وقومي لدى كل الأطياف السياسية والدينية الإسرائيلية، فهم يجمعون فيما بينهم على ضرورة تهويد القدس، وتوسيع مسطح نفوذها بهدف إنجاز المشروع الذي يسمونه القدس الكبرى أو القدس التاريخية، وواضح كل الوضوح لديهم أن ذلك سيتوج ببناء هيكل على حساب الأقصى المبارك وعلى هذا الأساس يبقى السؤال المطروح: ما الدور المطلوب؟
قدر الله تعالى لي أن شاركت في مؤتمر حول هذا الموضوع في مركز إسلامي في «نيوجرسي» يوم ٢٨ مايو الماضي تحت عنوان: «القدس الشريف والدور المطلوب» وتأكيدًا لمداخلتي التي قدمتها في ذلك المؤتمر أورد هذه الملاحظات:
أولًا: لن ينجح «الدور المطلوب» إلا إذا تعاملنا مع القدس كقضية إسلامية عربية تهم كل مسلم وكل عربي في كل العالم، لأن التعامل معها كأنها قضية فلسطينية أو كأنها للمفاوض الفلسطيني يجعلها في مهب الريح، لذلك يجب تأكيد أنه لا يملك أحد أن يوقع على حل ما حول القدس دون التمسك بالعمق الإسلامي، والعربي.
ثانيًّا: لن ينجح «الدور المطلوب» إذا تعاملنا مع القدس كقضية إنسانية فقط بل يجب التعامل معها كقضية حضارية تحمل الجانب الإنساني ضمن ما تحمل، فالمطلوب الحفاظ على إسلامية القدس الشريف والأقصى المبارك بكل أبعادهما الحضارية وعدم التوقف عند كفالة اليتيم فقط أو إعالة الأسرة المستورة فقط هذا بعض الدور وليس كل الدور، هذا هو الدور الإنساني كجزء من دور حضاري مطلوب.
للأسف الشديد اجتهد عالمنا الإسلامي والعربي في أن يقدم الدعم للقدس الشريف والأقصى المبارك يوم أن كانت الانتفاضة المباركة، ويوم أن كان العالم الإسلامي والعربي يرى مشاهد القتل، والجراح، والأطفال الباكين، والأرامل والنائحات، فكان عالمنا الإسلامي يقدم الدعم المادي والمعنوي للقدس الشريف والأقصى المبارك ولكن عندما أجهضت الانتفاضة بأيد فلسطينية لبست مسوح البطولة المزيفة، والنصر المزيف، يوم أن أجهضت الانتفاضة وتوقفت اختفى -تقريبًا- كل الدعم المادي والمعنوي من عالمنا الإسلامي والعربي للقدس الشريف أو الأقصى المبارك!! وهنا الخطر وأي خطر، إذا ظل الحال على ما نحن عليه فستهود القدس ونحن ننظر إليها دامعين، وقد نكون صادقين في دموعنا، ولكن صدق الدموع لا يغني عن ضرورة العمل، أعود وأقول: لن يكون ذلك إلا إذا تعاملنا مع قضية القدس كقضية حضارية تشمل القضية الإنسانية، ولذلك مستلزمات كثيرة ومستحقات ثقيلة.
قميص يوسف.. وقميص عثمان
ثالثًا: بصراحة أكثر.. لن ينجح «الدور المطلوب» إلا إذا تعاملنا مع القدس الشريف والأقصى المبارك على قاعدة قميص يوسف، فهذا القرآن الكريم يخبرنا بأن هذا القميص كان شافيًا ليعقوب، جابرًا لكسره، ومفرجًا لهمه، نجد مصداق ذلك في قول الله تعالى في سورة يوسف على لسان نبي الله يوسف ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ (سورة يوسف، آية: 93).
وفعلًا: فما أن حمل البشير القميص، وألقاه على وجه نبي الله يعقوب -عليه السلام- حتى رد الله عليه بصره، وقد كان ضريرًا مبيض العينين.
هكذا يجب أن نتعامل مع القدس الشريف والأقصى المبارك، وهكذا يجب أن نحمل القدس الشريف والأقصى المبارك على أكتافنا كما حمل البشير «قميص يوسف» وبذلك ستصبح القدس الشريف، والأقصى المبارك قضية تشفي صدور المسلمين والعرب، وسترد إلى اليتيم بسمته، وإلى اللاجئ كرامته، وإلى الأرملة عزتها، ولكن الخطر كل الخطر هو أن نتعامل مع الأقصى المبارك على قاعدة «قميص عثمان» وأقصد بذلك الأسلوب الدخيل، والدور المزيف الذي اقتحم تاريخنا وحضارتنا فأصبح صاحب هذا الأسلوب الدخيل والدور المزيف يتحدث عن قضايانا ليبتزها لا ليضحي من أجلها، أصبح يرقص على جراحنا وهو يذرف علينا دموع التماسيح، فقيل عن صاحب هذا الدور في الماضي، و ما يزال يقال عنه في الحاضر إنه يحمل قضايانا كمن يحمل «قميص عثمان»، فإذا حملنا قضية القدس والأقصى لتجمع عليها الفلوس ليس إلا، أو لنجني منها شهرة إعلامية ليس إلا، أو لنقيم مؤتمرات لنعيها ليس إلا، إذا حملنا قضية القدس كذلك فمعناه أننا حملناها كمن حمل «قميص عثمان» لا كمن حمل «قميص يوسف» والمطلوب هو أن نحملها كقميص يوسف كما قلت.
رابعًا: كي نتعامل مع القدس الشريف والأقصى المبارك على قاعدة «قميص يوسف» فلا بد لنا من أن نفهم فهمًا سليمًا أن رسول الله ﷺ قد جعل القدس الشريف والأقصى المبارك مشروع تحرير متواصل إلى قيام الساعة، والمطلوب من الأمة الإسلامية والعالم العربي مواصلة السعي حتى تحريرها دون توقف بداية من جيل الصحابة -رضي الله عنهم- إلى ما شاء الله من أجيال لاحقة، والمطلوب عدم التثاقل إلى الأرض إذا ألمت بالقدس الشريف والأقصى المبارك أي نائبة في أي زمان كان، وفي عهد أي جيل كان، لأن المنطق الإسلامي السوي يقول إن رسول الله ﷺ يوم أن جعل القدس الشريف والأقصى المبارك مشروع تحرير فإن ذلك يعني أن القدس الشريف والأقصى المبارك سيصابان بانتكاسات عديدة ستطول ظهرهما، وبركتهما، وحريتهما، والمطلوب المبادرة إلى تحريرهما، وقد كانت مثل هذه الانتكاسات في الماضي، كما هي اليوم، وقد تكون في المستقبل، لذلك فعلينا أن نفهم أن تحرير القدس الشريف والأقصى المبارك هو مشروع متواصل كلما ألمت بهما انتكاسة، بمعنى أن قضية تحريرهما ليست لمرة واحدة كانت ولن تعود، بل ليست المرتين أو لمرات كانت ولن تعود، بل إن قضية تحريرهما هي مشروع تربوي ووحدوي يجب أن يجمع الأمة الإسلامية والعالم العربي، وأنا شخصيًّا لدي القناعة المطلقة بأن الأمة الإسلامية والعالم العربي بحاجة ماسة إلى القدس الشريف والأقصى المبارك كي يوحدا فرقتهم، ويجمعا تمزقهم، هذه الفرقة وهذا التمزق الذي جاء ثمرة نكدة لدعوات جاهلية معاصرة كاذبة ما أسمنت وما أغنت من جوع، وما حفظت للأمة الإسلامية والعالم العربي دينًا ولا دنيا، بل أضاعت الإنسان والأوطان وبات كل شيء فينا في خطر، لذلك هناك حاجة ماسة وفورية إلى تجديد إحياء القدس الشريف والأقصى المبارك كمشروع تحرير أبدي دعا إليه الرسول محمد ﷺ.
الدور المطلوب:
خامسًا: هذا الدور المطلوب، يحتاج منا إلى إنشاء صندوق عالمي للحفاظ على إسلامية القدس الشريف والأقصى المبارك بحيث يعمل هذا الصندوق على ما يلي:
١- الحفاظ على الآثار الإسلامية، وترميمها.
٢- الحفاظ على المقدسات والأوقاف، وإعمارها.
٣- الحفاظ على البيوت القديمة خاصة المحيطة بالأقصى المبارك.
٤- دعم مؤسساتنا وأهلنا بهدف دعم صمودهم في القدس الشريف.
٥- دعم موظفي الأقصى المبارك بشكل خاص، بما في ذلك حراسة والأذنة فيه.
٦- دعم إعداد أفلام وثائقية عن القدس الشريف، والأقصى المبارك.
القدس والأقصى قضية إسلامية عربية وجعلها فلسطينية فقط يضعها في مهب الريح
الشعور بالخطر على المقدسات يوحد الأمة في مواجهة الدعوات القطرية التي تمزقها.
٧- إعمار الأقصى المبارك بكل ما يحتاج إليه.
٨- إعداد نشرة شهرية أو تقرير سنوي دائم عن كل التجاوزات الإسرائيلية في القدس الشريف والأقصى المبارك.
٩- دعم منح دراسات عليا عن القدس الشريف والأقصى المبارك.
١٠- تشكيل لجنة علماء آثار من الثقات لبحث وفحص ما يجري تحت الأقصى المبارك، وتوثيق الوضع القائم أو أي متغيرات.
١١- إقامة مكتب إرشاد سياحي ثابت في الأقصى المبارك.
۱۲- العمل على إحياء ذكريات تاريخية عن القدس والأقصى، كيوم حطين، أو يوم البيارق أو يوم عين جالوت.
١٣- رعاية مسابقة معلومات عالمية عن القدس والأقصى.
١٤- رعاية مسابقة عالمية في الشعر، والأدب، والمسرح، والنشيد حول القدس والأقصى، وأن يقام لها مهرجان عالمي يرعى المتسابقين والفائزين، ويحسن لهم الجوائز.
١٥- رعاية مسابقة عالمية للأطفال تشمل مسابقة معلومات، ومسابقة رسم.
١٦- نقل جميع الصلوات في المسجد الأقصى المبارك نقلًا حيًّا ومباشرًا عبر موقع في الإنترنت.
١٧– إعداد دائرة معارف عن القدس والأقصى المبارك.
سادسًا: هذا «الدور المطلوب» يحتاج منا إلى اعتبار يوم سقوط القدس في عام ١٩٦٧م يوم نكبة على الأمة الإسلامية وإحياؤه بكثير من الفاعليات وعلى سبيل المثال:
أقترح توقيع وثيقة شرف.. إنشاء صندوق عالمي، وتخصيص يوم للقدس.
١- تخصيص دعاء وتعميمه لنصرة القدس والأقصى المبارك يتوجه به كل المسلمين في هذا اليوم إلى الله تعالى متضرعين.
٢- تخصيص صدقة مالية في هذا اليوم لدعم القدس والأقصى، تطلب هذه الصدقة من كل مسلم كبيرًا كان أو صغيرًا يستطيع إلى ذلك سبيلًا، ولتكن هذه الصدقة باسم «دينار القدس» أو «درهم القدس».
٣- الطلب من كل خطباء الجمعة القريبة في هذا اليوم الحديث عن القدس والأقصى، بما في ذلك المسجد الحرام، والمسجد النبوي الشريف، والمسجد الأقصى المبارك.
٤- إقامة مسيرات ومهرجانات شعبية نصرة للقدس والأقصى، تنظم في ذلك اليوم بشكل خاص.
سابعًا: هذا «الدور المطلوب» يحتاج منا إلى الضغط على الفضائيات العربية كي تغطي أخبار القدس والأقصى، وأخبار الفاعليات المختلفة التي تقوم نصرة للقدس والأقصى، فهل يعقل أن يقام مهرجان «الأقصى في خطر» على مدار أربع سنوات ماضية بمشاركة أكثر من خمسين ألف مسلم ومسلمة، ولم تغط هذا المهرجان إلا محطة الشارقة الفضائية، وكان ذلك في مهرجان «الأقصى في خطر» الثالث.
ثامنًا: هذا «الدور المطلوب» يحتاج منا إلى إعداد وثيقة شرف تؤكد أهمية القدس والأقصى وتؤكد حرمة التفريط فيهما، بحيث إن هذه الوثيقة تحظى بتوقيع علماء المسلمين ودعاتهم والقيادات السياسية الفاعلة والصادقة في عالمنا الإسلامي والعربي، ثم توجه هذه الوثيقة إلى الحكام والشعوب لتصبح مرجعية تعامل مع القدس الشريف والأقصى المبارك.
تاسعًا: هذا «الدور المطلوب» يحتاج منا إلى تربية الأمة الإسلامية والعالم العربي على «المدافعة الإيجابية الشعبية» بمعنى مقاطعة كل منتجات أهل الأرض أيًّا كانوا من أعداء القدس الشريف والأقصى المبارك أو ممن يناصرون أعداء القدس الشريف والأقصى المبارك.
عاشرًا: هذا «الدور المطلوب» يحتاج منا إلى اعتماد مكتب ثابت في القدس الشريف أو أكنافه لمتابعة تنفيذ هذه التوصيات.
أحدعشر: هذا «الدور المطلوب» يحتاج منا إلى عقد لقاء سنوي لمتابعة تنفيذ هذه القرارات وتقويمها.
ثاني عشر: أخيرًا هذا «الدور المطلوب» يحتاج منا إلى تحويل قضية القدس الشريف والأقصى المبارك إلى مشروع تحرير أبدي في هذه الدنيا إلى قيام الساعة.
قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة يوسف، آية 21).