العنوان القدس إسلامية ولن يغير طبيعتها احتلال صهيوني ولا قرارات أمريكية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 12-أكتوبر-2002
مشاهدات 60
نشر في العدد 1522
نشر في الصفحة 9
السبت 12-أكتوبر-2002
أصدر الكونجرس الأمريكي قانونًا يعترف بالقدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني، ويُجيز للإدارة الأمريكية نقل سفارتها من تل أبيب إلى المدينة المحتلة، وقد صادق عليه الرئيس جورج بوش، وإن أبدى بعض التحفظات التي لا تقلل من دلالات توقيعه عليه وأخطاره.
وتعد الخطوة الأمريكية الأخيرة حلقة في سلسلة المواقف الأمريكية المنحازة والمجافية للحق والقانون والمنطق، فهي تمثل اعتداء مباشرًا على الحق الديني والتاريخي للشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية في القدس، وانتهاكًا لحرمة المسجد الأقصى قبلة المسلمين الأولى، واستفزازًا لمشاعر المسلمين في أنحاء المعمورة، فلا الولايات المتحدة ولا غيرها تملك أن تقتطع جزءًا من أرض المسلمين، لتمنحه لقطعان المحتلين والمستوطنين، ففلسطين أرض الأنبياء، منهم: إبراهيم، وداود، وسليمان، وموسى، وزكريا، ويحيى، وعيسى -عليهم وعلى نبينا السلام- وكلهم مسلمون: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (سورة آل عمران: 19)، ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة آل عمران: 67). فهذه الأرض -وفي القلب منها المسجد الأقصى- تخص المسلمين، وهي وقف على أجيال المسلمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا يغير من طبيعتها لا قرار الكونجرس الأمريكي، ولا قرارات الإدارة الأمريكية، ولا الاحتلال والعدوان الصهيوني، وهي جزء من الأرض المباركة، أرض فلسطين، ونحن نسأل الرئيس بوش: ماذا لو أعلن برلمان إحدى الدول أن واشنطن من حق البريطانيين، لا لأنهم أصحاب الأرض، ولكن لأنهم كانوا يحتلون الولايات المتحدة قبل ما يزيد على قرنين؟ هل يغير هذا القرار الحقائق التاريخية والجغرافية؟ وهل يعتد بمثل هذا التشريع المنافي للحق والعدل والصواب؟
إن القرار الأمريكي بمثابة تشريع للاحتلال، ويشكل مكافأة لمجرم الحرب شارون وحكومته الإرهابية على مجازرهم التي يقترفونها ضد الشعب الفلسطيني، وهدية تقدم على طبق من ذهب للاحتلال الذي ينتهك حرمة أراضي وشعب واقع تحت الاحتلال، وموقف الإدارة الأمريكية من القانون دلالة جديدة على انحيازها الفاضح للكيان الصهيوني، وتكريس للتحالف الصهيوني الأمريكي، ووجه آخر من وجوه الحرب العدائية ضد الإسلام والمسلمين، وضد مقدسات الأمة، وفي مقدمتها القدس والمسجد الأقصى المبارك، وهي رسالة واضحة لكل أولئك الذين يراهنون على السياسة الأمريكية، سواء في الساحة الفلسطينية أو العربية، على أنه لا رهان على الولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنها تضع نفسها في حالة عداء مع العرب والمسلمين بتبنيها، ودعمها، ومناصرتها لألد أعدائهم.
فالفلسطينيون يقتلون كل يوم بالسلاح الأمريكي، وتقوم الولايات المتحدة بتغطية هذا القتل والإرهاب تغطية سياسية، من خلال قراراتها، سواء في الأمم المتحدة، أو من خلال الكونجرس، كما أن القرار الأمريكي يعد انتهاكًا فاضحًا لقرارات الأمم المتحدة، وبشكل خاص للقرارين رقمي (٢٥٢ و٢٦٧) في وقت تدعي فيه الإدارة الأمريكية حرصها على قرارات الأمم المتحدة، وتسعى للتمرس خلفها في حربها المقبلة على العراق؛ لأنه ينتهك قوانين الأمم المتحدة.
وسؤال نوجهه للأمة العربية والإسلامية: ألم يأن لها أن تصحو من غفوتها، وأن تستيقظ على طبيعة المعركة وحقيقتها، وأن تتوحد تحت راية الإسلام؟ ألم يحن الوقت للحكومات العربية والإسلامية لاتخاذ موقف رسمي ومسؤول تجاه هذا الاستخفاف بمقدسات الأمة ومسرى رسول الله ﷺ؟ ألا ينبغي تفعيل مهام جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، للقيام بالدور المنشود على المستوى الرسمي؟
إن هذا القرار الأمريكي يستدعي وقفة عربية وإسلامية على الصعيدين الرسمي والشعبي، والضغط على الإدارة الأمريكية بكل الوسائل المتاحة لدفعها للتراجع عنه، كما يستدعي وقفة تجاه القضية الأم، وقفة من معالمها:
1- الرجعة الصادقة إلى الله، فما ضاعت فلسطين وغيرها من بلدان المسلمين إلا بسبب البعد عن منهج الله، والإيمان بأن الإسلام هو المنطلق الأساسي للتعامل مع قضية فلسطين، وفي ضوئه تعامل جميع المستجدات بشأنها.
2- تربية الأمة على الاستعداد العلمي والتربوي والمالي، لمواجهة التحدي القائم والأخطار المحدقة، وأعلى مراتب الاستعداد المواجهة الساخنة مع العدو إذا أصر على سلب الحقوق وإنكارها وهضمها، ومن مدارس التربية تلك سينشأ القادة الصادقون الربانيون الذين تشتد حاجة الأمة إليهم هذه الأيام، والذين يجعل الله النصر على أيديهم إن شاء الله، ويتواكب مع ذلك تقديم مختلف أشكال الدعم البشري والمادي والإعلامي للشعب الفلسطيني، وفي طليعته قوى المقاومة الوطنية والإسلامية المخلصة، حتى يتمكن من الصمود والتصدي لحين مجيء ساعة الحسم.
ولا ينبغي أن تبعث تلك الأحداث الجسام ولا التحالفات المناوئة ولا الهجمة الإعلامية على اليأس أو القنوط أو الرضوخ والاستسلام واللجوء إلى إعطاء الدنية، فالنصر حليف المسلمين -إن شاء الله- بشرت بذلك أحاديث المصطفى، وقد جاءت المبشرات مطلقة دون تقييد بزمن حتى يجتهد المجاهدون في تحصيل هذا النصر، إن لم يكن اليوم، فغدًا إن شاء الله.
وليكن منهجنا منهج الأنبياء والرسل والمصلحين الصبر والمصابرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة آل عمران: 200)، ولنعلم أن المحن إنما هي ابتلاء وتمحيص للمؤمنين: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (سورة آل عمران: 179).
فلتصبر الأمة، ولتصابر، ولترابط، ولتعمل، ولتستعد، ولتتق الله، وسيأتي النصر إن شاء الله.