العنوان القدس.. ألا يوجد خيار ثالث غير التهويد والتدويل؟
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1984
مشاهدات 61
نشر في العدد 669
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 01-مايو-1984
حين يضعف الإيمان يصبح بديلًا عن الكل ويصبح التدويل بديلًا عن التحرير.
خرج علينا بابا الفاتيكان مؤخرًا ببيان طالب فيه بتدويل مدينة القدس باعتبار أنها تهم «الديانات الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية» ...
وفي 16/3/1984م نشرت إحدى صحف الكويت حديثًا لأحد زعماء الدول الإسلامية غير العربية حديثًا جاء فيه: «حول موضوع القدس أشعر بالعاطفة المتأججة، ولكني أقول لك يجب أن يكون موقفنا بأننا لا نريد ولا نقدر أن نقذف بإسرائيل إلى البحر علينا كمسلمين أن تتعاون ونتفاهم ونخطط من أجل الوصول إلى حل «عملي»!؟ أنا أعتقد أن إسرائيل باقية وعلينا القبول بهذه الفكرة بصورة ما! وما دمنا غير قادرين على استعادة «كل» فلسطين فإن علينا أن نكتفي بجزء من فلسطين، وأن يصبح هذا الجزء هو الوطن الفلسطيني لكل الفلسطينيين! مع الاعتراف للجميع بحق تقرير المصير...» ...
وحين سأله الصحفي عن القدس بالذات أجاب: «القدس قضية تهم كل الأديان، إنها تهم المسيحيين وتهم المسلمين كما أنها تهم اليهود! وعلى ضوء هذه الحقيقة يجب أن نبحث عن الحل! إنها ليست لأمة واحدة ولا لدين واحد...».
ونحن لا نلوم «البابا» حين يطالب بنزع الصفة الإسلامية للقدس باسم «التدويل» ولكننا نستغرب كيف يصدر عن حاكم مسلم كلام ينفي عن القدس صفتها الإسلامية الخالصة لكون اليهود قد احتلوها أو لكون النصارى لهم فيها كنيسة القيامة.
إن كون القدس مدينة عربية إسلامية لا ينفي حرية العبادة لدى اليهود والنصارى وأن احتلال اليهود للقدس لا ينبغي أن يؤدي إلى تخلي المسلمين عنها والمطالبة بتدويلها بل إن الواجب الإسلامي يقتضي إعلان الجهاد لتحريرها مع بقية فلسطين سواء بسواء.
والنصارى الذين مارسوا حرية العبادة في ظل الحكم العربي الإسلامي لا يحق لهم الآن أن يطالبوا بتدويل القدس مستغلين وضعها الحالي في ظل الاحتلال اليهودي.
كما أن اليهود الذين احتلوا القدس بقوة السلاح ودعم الدول الكبرى وانحطاط المسلمين لا يمكن لهم أن يبقوا فيها إلى الأبد مهما كان دهاؤهم وجبروتهم.
إن القدس أو بيت المقدس أو المدينة المقدسة أو إيلياء كما ورد في الوثيقة العمرية أو أور سالم نسبة إلى مليك سالم أو صادق ملك اليبوسيين أو أورشليم أو يبوس أو مدينة السلام... هذه المدينة بناها اليبوسيون وهم بطن من بطون الكنعانيين الذين نزحوا إلى فلسطين من جزيرة العرب في الألف الرابع قبل الميلاد فسميت أرض كنعان ولا يعرف التاريخ شعبًا قبل الكنعانيين سكن فلسطين، وليس لأسماء القدس صلة باللغة العبرية كما يتخيل البعض.
لقد ورد في سفر يشوع في التوراة «أما اليبوسيون الساكنون في أورشليم فلم يقدر يهوذا على طردهم فسكن اليبوسيون مع بني يهوذا في أورشليم»...
ونحن هنا لا نصنف سكان فلسطين بأجناسهم بل بعقيدتهم فالصراع في فلسطين هو صراع بين الحق والباطل بين الإيمان والكفر وما دام الإسلام خاتم الرسالات السماوية فهو يجب ما قبله، وما دام المسلمون فتحوا القدس وأعطوا أهلها الأمان وتركوا النصارى على دينهم ومنعوا اليهود من دخولها والسكن فيها كما جاء في الوثيقة العمرية فإن من واجب المسلمين جميعًا أن يستردوها اليوم بالجهاد وعلى النصارى الذين يطالبون بتدويل القدس أن يكفوا عن ذلك فأكرم لهم أن يمارسوا عباداتهم في ظل حكومة عربية إسلامية.
وأما المسلمون الذين يرون في التدويل حلًا فهم مخطئون في حق فلسطين وفي حق الإسلام على حد سواء.
قلنا إننا لا نستغرب أن تخرج البيانات وتصدر القرارات عن جهات غربية مسيحية تطالب بتدويل القدس وذلك بنزعة صليبية متأصلة فيهم كما حدث في القمة الأوروبية التي عقدت في لكسمبورغ في 21 ديسمبر 1980م حيث جاء في البند العاشر من الوثيقة السرية التي تبنتها عدة دول أوروبية والتي نشرتها مجلة «المجلة» في 17/1/81م عن مصير القدس: «التدويل، وفقًا للقرار الصادر عام 1947م».
ومن المعروف أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت في 29/11/1927م قرارها رقم 181 الذي عرف باسم قرار التقسيم والذي نص على أن يكون للمدينة كيان مستقل يخضع لنظام دولي خاص. كما أصدرت الجمعية العامة قرارًا في 11/12/1948م رقم 194 وقرارًا آخر في 9/9/1949م رقم 303 تكرر فيه تدويل القدس مع الحاجة إلى وضعها تحت إدارة سلطة الأمم المتحدة.
القدس التي استردها المسلمون من الرومان وليس من اليهود يراد لها أن تكون مدينة دولية. واليهود الذين دخلوا القدس لأول مرة عام 1150 قبل الميلاد كانوا يشعرون أنهم غرباء في مدينة بناها اليبوسيون العرب منذ أربعة آلاف سنة قبل الميلاد. هؤلاء اليهود -وفرق بين هؤلاء اليهود وأولئك- يريدون أن يهودوا مدينة القدس بنقل حكومتهم إليها ويبذلون كل الجهد لنقل سفارات الدول إليها، وتستجيب دولتان لا وزن لهما ولا كيان، ومرتبطتان ارتباطًا وثيقًا بالولايات المتحدة هما كوستاريكا والسلفادور ويحتج المسلمون ويقرون قطع العلاقات الدبلوماسية مع هاتين الدولتين وكأنهم يقولون إن عاصمة إسرائيل هي تل أبيب وليست القدس. وتكرر دولة إسلامية ثورية ليل نار والقول في وصفها لإسرائيل بأنها «الكيان الغاصب للقدس» وكان قضية فلسطين انحصرت في مدينة القدس وحدها. فمنهم من يطالب إسرائيل بالتخلي عنها ومنهم من يطالب بتدويلها أما فلسطين التي أصبحت تسمى إسرائيل فلا حديث عن تحريرها ولا إعداد لهذا التحرير إلا عند من عمر الله قلبه بالإيمان.
من المفارقات أن يصدر من لاهور هذه الأيام صوت يطالب بتدويل القدس بينما في لاهور نفسها عقد مؤتمر القمة الإسلامي الثاني في الفترة من 20 محرم إلى 2 صفر 1394هـ الموافق 22 - 24 فبراير 1974م وكانت الباكستان هي الدولة المضيفة وقد جاء في قرارات المؤتمر: «إن القدس هي الرمز الوحيد لالتقاء الإسلام بالأديان السماوية المقدسة... ولقد ولي المسلمون لأكثر من 1300 سنة شأن القدس كأمانة لكل من يعتزون بها. والمسلمون وحدهم هم الذين يمكن أن يكونوا حراسًا محبين أمناء عليها بسبب بسيط هو أنهم هم الذين يؤمنون بأديان الأنبياء الثلاثة الراسخة جذورها في القدس. وعلى ذلك فإن الدول الإسلامية لا يمكن أن تقبل أي اتفاق أو بروتوكول أو تفاهم يتضمن استمرار الاحتلال الإسرائيلي المدينة القدس أو وضعها تحت أي سيادة غير عربية أو جعلها موضع مساومات أو تنازلات».
ثم يعلن المؤتمر: «إن إعادة السيادة العربية إلى القدس يعد شرطًا رئيسيًا ولازمًا لأي حل في الشرق الأوسط وأن أي حل لا يعيد هذا الوضع إلى سابق عهده لن تقبله البلدان الإسلامية كما أنه يرفض أية محاولة لتدويلها».
ومع أن هذه القرارات لم تطالب بأكثر من انسحاب إسرائيل من القدس كشرط لتحقيق السلام في الشرق الأوسط إلا أنها على أية حال رفضت مبدأ تدويل القدس.
وفي بند آخر من القرارات يقرر المؤتمر: «مواصلة الجهاد في سبيل تحرير مدينة القدس الشريفة وصيانة مقدساتها ويصر على ألا تكون موضعًا لأية مساومة أو تنازلات، كما يرحب بأية جهود ودية تخدم ذلك» ...
وهذا القرار غاية في الغرابة فهو يعلن عن مواصلة الجهاد وكأن الجهاد قائم ومستمر ونحن لا نرى للجهاد وجودًا بمفهومه الإسلامي لدى أية جهة رسمية عربية أو إسلامية كما أنه يقصر الهدف من هذا الجهاد على تحرير مدينة القدس وحدها ولا يأتي على ذكر بقية فلسطين، وهذا يعني ضمنا إقرارًا بالتنازل عن بقية فلسطين.
وبعد عشر سنوات من هذا المؤتمر نسمع اليوم من ينادي بتدويل القدس كحل عملي ممكن ونسمع اليوم عن دول إسلامية ومصر العربية من ضمنها من يقطع علاقاته مع السلفادور وكوستاريكا لأنهما نقلتا سفارتيهما إلى القدس ولا تبادر بعض الدول الإسلامية ومن ضمنها مصر بقطع علاقاتها مع إسرائيل لأنها اعتبرت القدس عاصمة أبدية لها. بل لا تبادر لإعلان الجهاد الحقيقي لتحرير فلسطين من المحتلين اليهود.
يقول ثيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية العالمية الحديثة: وهو صحفي نمساوي: «إذا حصلنا يومًا على القدس فسوف نزيل كل شيء لا يعتبره اليهود مقدسًا ولن نتورع عن حرق الآثار التي مرت عليها قرون».
ويقول موشي ديان وزير الدفاع اليهودي حين دخل القدس صباح يوم 6/6/67م: «ها قد عدنا إلى بيت إسرائيل، ها قد عدنا إلى عاصمة إسرائيل».
هكذا يفكر أعداؤنا، وهكذا نفكر نحن... وشتان بين فكرهم وفكرنا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد: 11).