; القدرة على التغيير وأقدار الأقوياء | مجلة المجتمع

العنوان القدرة على التغيير وأقدار الأقوياء

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-سبتمبر-1996

مشاهدات 66

نشر في العدد 1217

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 17-سبتمبر-1996

إن تحويل المبادئ إلى حركة، والأفكار إلى واقع، والرسالة إلى رجال، والمنهج إلى جيل يعمل على صبغ الحياة بالمثالية والطهر والعزة والرجولة، هو من خصائص الدعوة الإسلامية، ومناغمة الفطرة، ومعالجة النفوس، ومغالبة السقوط ومجالدة الانهزام هو بلا شك من طبيعة المنهج الإسلامي وصيانة الحق، وحراسة العدل، وزرع الأخوة وبناء الإنسانية، وتشريع المساواة، هو بلا جدال من مميزات التعاليم الإسلامية، وإطلاق الفكر، وإعمال العقل والحث على التأمل والتدبر، هو من تعاليم الرسالة والقدرة على التغيير، والاستعداد للتحدي، والاستشراف إلى القيادة والسيادة هو من توجيهات الإسلام وخصائصه بلا منازع.

 ففي أقل من ربع قرن كانت الخطة قد وضعت لتغيير العالم، من وثنية رجسية، وجاهلية عمية وكسروية عبثية، وقيصرية ظلامية، وفتح العالم بالإيمان فتحًا مبينًا بغير إكراه أو ظلم أو امتهان وأسست دولة فريدة في تاريخ الإنسانية في صحراء قاحلة، وكان صياغة الإسلام لرجال تلك الدولة، وبناء تلك الأمة العجيبة مجال إبهار وإكبار في التاريخ القديم والحديث رجالها رهبان بالليل وفرسان بالنهار، ودولتها خير أمة أخرجت للناس، رفعت علم التوحيد، وأحيت ما اندثر من الرسالات وأبرزت ما خفي من التعاليم وأنارت ما انطفأ من العقول، وأثارت ما خمد من العزائم، ما كان هذا ليحدث لولا إحياءه رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وجهد نفوس عابدة محتسبة، يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا، وقد عودنا التاريخ أن الباطل لا يترك موقعه إلا مرغمًا، ولا يسلم سلاحه إلا مضطرًا، ولا يندحر إلا بمعركة: ﴿كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ولم تكن المعركة سهلة ولم يكن العدو مهزولًا أو ضعيفًا وضيعًا، وإنما كان جاهلية عتيدة قاسية متحكمة في العرب، وكسروية متآلهة مستعبدة قوية قاهرة في فارس، وهرقلية قيصرية طاغية عاتية في الروم، ولا يتصور عاقل أن هذا كجبهة أو ذلك كفريق يمكن أني زول بجهد مهزول، أو بقوة صغار، أو بعزائم موتى الهمم والضمائر، ولم يخطر على بال بشر أن إزالة هذه الطواغيت البشرية، وهدم هذه النظم الدولية والعقدية يمكن أن تكون نزهة أو رياضة فكرية أو حربية لجماعة من الجماعات أو حتى لأمة من الأمم، وقد صدق شوقي حين صور هذا الوضع المؤسف أمام الرسول بقوله:

أتيت والناسُ فوضى لا تمر بهم *** إلا على صنم قد هام في صــــــنم

والأرض مملوءة جورًا مسخرة *** لكل طاغــية في الأرض محــــتكم

فقيصر الروم يبغي في رعيــته *** وعاهل الفرس من كبر أصــــم عم

يقـــتلون عبـــــــاد الله في شبه *** ويذبحون كما ضـــــــــحيت بالغـــنم

فحين تحتاج إلى قوة لتغير هذا الركام تكون قوة وأي قوة؟ وحين تريد عزائم لإزاحة هذا البلاء تكون عزائم وأي عزائم؟ وحين تتطلع إلى رجال لدحر هذا الفساد لا يكونوا أي رجال، وإنما يكونون صنفًا مخصوصًا، وعزمًا معينًا، وقوة فريدة وصدق الله حين وصفهم رجولة فقال: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23)، ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147)﴾ (آل عمران:146،147) ووصفهم إيمانًا فقال: ﴿مّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ (الفتح:29)، ووصفهم أخوة ونفوسًا فقال: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9).

القدرة على التغيير لها حسابات، أولها المنهج السليم. وثانيها: الإيمان القوي. وثالثها: العقل الذكي. ورابعها: العزم الفتي. وخامسها القيادة الحكيمة المؤمنة المحتسبة.

 وتفصيل ذلك يحتاج كتبًا ومحاضرات واجتماعات وندوات، ولكن أبرز ما في هذا المنهج أنه وضع المؤمن أمام التحدي الحقيقي للتغيير أمام نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)، ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (سورة الأنفال:53)، فكل تحد، وكل تغيير لا بد أن يبدأ من النفس، ومن المجتمع أولًا، وكل تقصير وكل نكوص تكون المسؤولية فيه على الإنسان مباشرة قبل أي شيء ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ (النساء: 79)، ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ (النساء: 111).

والمسؤولية والرعاية جماعية: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، وكل غني وكل فقير له مهمة، وكل ضعيف أو قليل الجهد له رسالة: «أبغوني في ضعفائكم هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟».

والرجل والمرأة متكاتفان متناصران على تنفيذ المنهج ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (التوبة: 71)، إذن فالقدرة على التغيير تكون في منهج قادر، وفي فرد ناشط، وفي جهد دافع وفي أخوة متكاتفة، وفي جماعة متعاونة.

وأقدار الأقوياء ليست كأقدار الضعفاء، وعزائم العمالقة ليست كعزائم الصغار، ولذلك جاء تكليف المؤمنين في الأمة المسلمة تكليفًا بنفس القدر على نفس المستوى، جاء بمواصلة الريادة، ومتابعة المسيرة التي أقرها الرسول وصحبه، محمد وحزبه، وحمل الأمانة الدعوية وتبليغها كما بلغوا، ورفع لوائها كما رفعوا في العالمين: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف:108)، ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143)، ولهذا يتبين عظم الجهد، وحجم الأقدار التي فرضت على الأمة ولكنها اليوم ناكصة عنها، لاهية عن حملها ناكبة لطريقها وعظم الجهد، وفداحة الخطب أمام من يريدون إعادة الوعي للأمة، ورجوع الرسالة إلى حظيرتها، والريادة إلى مكانتها، نسأل الله أن يقوي الظهر، وأن يمد بالعون، وأن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق.. آمين.

الرابط المختصر :