العنوان القاعدة العمرية في مكافحة الفساد الإداري
الكاتب مهيوب خضر محمود
تاريخ النشر السبت 13-يوليو-2002
مشاهدات 167
نشر في العدد 1509
نشر في الصفحة 42
السبت 13-يوليو-2002
كلمة سجلها التاريخ بماء من ذهب، قالها سيدنا علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- مادحًا سياسة الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مكافحته لوباء الفساد الإداري، إذ قال له:
«عففت فعفت رعيتك ولو رتعت لرتعت» (۱)
هذه قاعدة ذهبية في مكافحة خلايا وباء الفساد الإداري، هذا المرض الذي يشبه في طبيعته مرض السرطان والذي كان ولا يزال سببًا التخلف العديد من دول العالم الثالث، وعلى رأسها الدول العربية والإسلامية. رفعتها منظمة الشفافية العالمية (۲) شعارًا مع بداية الألفية الثالثة، ونصه بالإنجليزية: The Fish Rots From The Head First
بمعنى: «السمكة تتعفن من الرأس أولًا».
وتفيد تقارير المنظمة لفترة السنوات الخمس الماضية تربع أكبر الدول الإسلامية على قائمة الدول التي يكثر فيها الفساد الإداري، ومنها إندونيسيا وبنجلاديش ونيجيريا وباكستان في الوقت الذي يتقدم فيه الكيان الصهيوني على الدول العربية والإسلامية في هذا المجال.
تؤكد الدراسات العلمية الحديثة أن الفقر الذي تعاني منه معظم دول العالم اليوم إنما هو نتيجة للفساد الإداري وليس سببا له، ففي حال فقدان مبالغ كبيرة من الأموال العامة بطرق غير مشروعة، يؤثر ذلك سلبًا في النتيجة الاجتماعية والاقتصادية، تأثيرًا يتمثل في حرمان المواطنين من حقوقهم والتقتير عليهم.
وخير مثال على ذلك ما حدث في إندونيسيا التي يعاني أغلبية سكانها الـ ٢٥٠ مليون نسمة من الفاقة والعوز وقلة ذات اليد. بينما تربع رئيسها سوهارتو الذي حكم البلاد ٣٣ عامًا، على ثروة تقدر بـ ٤٣ مليار دولار، وهو اليوم متهم بالفساد الإداري ونهب أموال الدولة بطرق غير مشروعة، حتى وصل به الأمر إلى استغلال أموال سبع مؤسسات خيرية تابعة للدولة.
لقد ظلت الإدارة العمرية عبر التاريخ مثالًا يحتذى وهي تؤصل مبادئ قامت عليها دولة الإسلام، وقوانين طبقها الخليفة على نفسه قبل غيره، فغدت خلافة الإسلام في عهد عمر أرضًا خالية من الفساد الإداري، نعم أهلها بالخير حتى حصل كل مولود في أرض الخلافة منذ يوم ولادته الأول على راتب شهري من بيت مال المسلمين يعين الوالدين على تربيته وقضاء حوائجه.
أدرك الخليفة عمر أطراف معادلة الفساد الإداري خير إدراك، وعرف نقطة البداية فالزم نفسه بها، فمنذ اليوم الأول لخلافته دعا إليه أفراد أسرته وقال لهم: «إن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم، فإذا وقعتم وقعوا وإن هبتم هابوا، وإني والله لا أوتي برجل منكم وقع فيما نهيت الناس عنه، إلا ضاعفت له العذاب لمكانه مني».
لاحظ هول ورهبة الموقف، وخطاب الخليفة يحوي قسمًا لا يحمل بين طياته إلا جدية التنفيذ، بمضاعفة العقوبة على كل من تسول له نفسه من أهل بيته النيل من مال المسلمين بغير حق.
ارتقت سياسة عمر في مكافحته للفساد الإداري إلى حد التورع عن الشبهات مهما كلفه الأمر من مشقة تكدر صفو العيش فها هو يقسو على نفسه ويقدر له ولعائلته من بيت مال المسلمين ما لا يشبعه أو يشبع عياله، ومالا يكسوه أو يكسوهم، وقد كان صاحب تجارة تكفيه قبل توليه خلافة المسلمين، فاجتمع علي وعثمان وطلحة والزبير، فجاءوا إلى أم المؤمنين حفصة بنت عمر، وأشاروا عليها أن تحدث أباها في زيادة ما يتقاضاه، فالمغانم بحمد الله عظيمة، وقد كثر المال، فلما كلمته حفصة في ذلك غضب، وسألها عمن أشار عليها بما قالته فقالت: «لا سبيل إلى علمهم»، ثم قال: «يا حفصة قولي لهم إن مثلي ومثل صاحبي كثلاثة سلكوا طريقًا، فمضى الأول وقد تزود فبلغ المنزل وتبعه الثاني فسلك طريقه فأفضى إليه، ثم تبعه الثالث، فإن لزم طريقهما ورضي بزادهما لحق بهما، وإن سلك غير طريقهما، لم يدركهما».
لقد أنزل نفسه من بيت مال المسلمين منزلة ولي اليتيم، فها هو يقول: «ألا إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم: إن استغنيت استعففت وان افتقرت أكلت بالمعروف».
هذا في الوقت الذي كان فيه عمر بن الخطاب يسخو على ولاته في أرزاقهم حتى لا ينظروا إلى ما في بيت مال المسلمين، فمما يذكر عنه أنه قدر العمار بن ياسر حين ولاه على الكوفة ستمائة درهم في الشهر، له ولمساعديه يزاد عليها عطاؤه الذي يوزع عليه كما يوزع على أمثاله، ونصف شاة ونصف جريب من الدقيق، ولعثمان بن حنيف مائة وخمسين درهمًا وربع شاة في اليوم مع عطائه السنوي وهو خمسة ألاف درهم، وهكذا حسب الولايات والنفقات (۳).
يخرج عمر بن الخطاب يومًا إلى السوق في جولة تفقدية، فيرى إبلًا سمانًا، تمتاز عن بقية الإبل بنموها وامتلائها، فيسأل إبل من هذه ..؟
قالوا: إبل عبد الله بن عمر.
وينتفض أمير المؤمنين وكان القيامة قامت فيقول: عبد الله بن عمر.. بخ بخ.. يا ابن أمير المؤمنين..!
وأرسل في طلبه من فوره، وأقبل عبد الله يسعى، وحين وقف بين يدي والده قال عمر: ما هذه الإبل يا عبد الله؟.
فأجاب: إنها إبل أنضاء- أي هزيلة- اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى الحمى-أي المرعى- أتاجر فيها، وأبتغي ما يبتغي المسلمون، فعقب عمر في تهكم لاذع:
ويقول الناس حين يرونها .. ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين اسقوا ابل ابن أمير المؤمنين وهكذا تسمن إبلك ويربو ربحك يا ابن أمير المؤمنين.
ثم صاح به يا عبد الله خذ رأس مالك الذي دفعته في هذه الإبل، واجعل الربح في بيت مال المسلمين (٤).
لم يكتف الفاروق بهذا السياج الذي أحاط به نفسه في حربه على الفساد الإداري بل أحاط نفسه بسياج آخر يشكل محور الأمان الحقيقي للقضاء على جذور هذا الوباء في المجتمع، عندما رفع شعار «الحاكم تحت رقابة المحكوم» حيث عمد بهذه السياسة إلى الارتقاء بجانب الرقابة الإدارية إلى أبعد مستوياتها، خصوصًا أن الخليفة عاد ليبدأ بنفسه مرة ثانية يروى أنه دعا الناس فصعد المنبر فقال: يا معشر المسلمين ماذا تقولون لو ملت رأسي إلى الدنيا..؟ إني لأخاف أن أخطئ فلا يردني أحد منكم تعظيمًا لي، إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني فقال رجل "والله يا أمير المؤمنين لو رأيناك معوجًا، قاومناك بسيوفنا" عندها أجاب الخليفة الزاهد والفرحة تغمر قلبه:
«رحمكم الله الحمد لله الذي جعل فيكم من يقوم عمر بسيفه».
لقد أراد أن يبرهن للرعية وبشكل قاطع، أنه لا حصانة لأحد أمام القانون حتى لأمير المؤمنين، بالرغم من موقعه، فقد أدرك منذ اليوم الأول لخلافته أن:
السلطة المطلقة = فسادًا مطلقًا
كما أراد أن يدفع ويفعل دور الرعية في مكافحة هذا المرض الخطير الذي يحتاج إلى تكاتف الجهود حاكمين ومحكومين.
كان هذا هو الحرف الأول من سياسة الفاروق في احتواء خلايا الفساد الإداري للقضاء على جذورها، لقد فكر فأبدع فنجح عندما جعل من نفسه قدوة للأمة، حينما عفت نفسه ويده عن أموال المسلمين، فعفت الرعية من بعده، ووزع المال على أصحابه بالحق، فنال كل ذو حق حقه، فعم العدل، ووقي المجتمع من انفلات سرطان الفساد الإداري.
هذا هو عمر الذي كان يسير في طرقات المدينة لابسًا ثوبًا به إحدى وعشرون رقعة، يبطئ يومًا عن المسلمين في صلاة الجمعة، ثم يعتذر إليهم حين يصعد المنبر قائلًا: «حبسني قميصي هذا، لم يكن لي قميص غيره» (٥).
لقد أتعب عمر الإداري العبقري كل إدغري وقائد وحاكم خلفه، وجعل مسؤولياتهم عسيرة فهل من أمل بعده؟
الهوامش
تشير كلمة رتع إلى الأسلوب الذي تتناول به الماشية طعامها، حيث تأكل من أي مكان دون قيد أو شرط وهذا هو عين معنى الفساد الإداري، حيث تمتد اليد إلى المال العام الموجود أمامها لتنهل منه دون التفكير في جواز ذلك من عدمه، أو الحلال والحرام
منظمة الشفافية العالمية هي منظمة دولية تأسست في ألمانيا في بداية التسعينيات وتعنى بموضوع مكافحة الفساد الإداري في جميع أنحاء العالم لها فروع ومكاتب في مختلف الدول، وتصدر تقريرًا سنويًّا عن مستوى تقدم أو تراجع الفساد الإداري في كل دولة ونسبة ذلك.
عبقرية عمر عباس محمود العقاد، ص ۱۱۰.
خلفاء الرسول– خالد محمد خالد ص ۱۹۹.
المرجع السابق ص ۲۳۲.