العنوان القابلية للفوضى.. رؤية في تداعيات الواقع ومفاجآت المتوقع
الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني
تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2011
مشاهدات 50
نشر في العدد 1938
نشر في الصفحة 26
السبت 05-فبراير-2011
في منتصف القرن الماضي، ظهر كتاب مالك بن نبي «شروط النهضة»، وفيه تحدث عن مفهوم جديد يُحلل فيه جائحة الاستعمار الأجنبي الذي غزا أغلب العالم الإسلامي آنذاك، ويبتكر فكرة «القابلية للاستعمار»، التي مهدت الأرض ووفرت المناخ البيئي والفكري لدخول الغزاة إلى قلب المجتمعات الإسلامية.
فالقابلية الذاتية لدخول المستعمر كانت سببًا رئيسًا في الاستعمار من خلال مظاهرها المتنوعة والمتمثلة في الجمود والشلل الفكري والتفسخ الاجتماعي والتبعية السياسية، كل هذه المظاهر ساهمت في إخفاق المقاومة المعنوية والانهزام الذاتي قبل حدوث المعركة هذه القابلية تعرض لنا اليوم بمفهوم مقارب للاحتلال، وربما أخطر وأعنف أثرا منه، وذلك من خلال واقع الفوضى المحتمل لمجتمعاتنا العربية والذي بدأ يهدد كياناتنا الوطنية وهوياتنا الثقافية التي أسهمت بل وأججت هذه الفوضى من خلال الاستغفال والتهميش والاستبداد والتجويع.
والساحة العربية على وجه الخصوص تلحظ نذر هذه الفوضى، كما هي الحال في العراق ولبنان والأردن والسودان والصومال وتونس والجزائر ومصر واليمن.. وغيرها فاحتمالات الفوضى الواقعة اليوم تثير في الذهن الكثير من التساؤلات حول الأسباب والدواعي والجهات المخفية والمعلنة التي تقف وراء هذه الريح الماطرة أو الساحقة؟
هذه الحالة القلقة الفريدة التي لم تمر على التاريخ العربي منذ عقود، إذا لم تحتوي بطمأنينة وتطفأ فتائل الفتنة بوعي وحكمة، وتحقق الشعوب الغاضبة مطالبها الضرورية في سرعة بالغة، وإلا فالمستقبل القريب سيشهد حالات من الفوضى المغرية بالانتشار والاكتساح لكل من يقف أمامها، وربما تتهافت الشعوب على تدمير مكتسباتها بلهفة جنونية بحثًا عن التغيير مهما كانت نتائجه، إننا نقف اليوم أمام ظاهرة إنسانية لديها القابلية للفوضى والاستعداد للتدمير الذاتي دون وعي بمآلات هذا التغيير على المجتمع، كما يقول ابن خلدون «والفوضى مهلكة للبشر مفسدة للعمران»، ولعلي أرصد من وجهة نظري أسباب هذه القابلية للفوضى لمجتمعاتنا الإسلامية من خلال القضايا التالية:
أولًا: الغضب الجمعي من استئثار السلطة بالحقوق والمكاسب والموارد والامتيازات وصمت المجتمع وهو يرى اختلال العدل وتجاوز البغي ليس دليلًا على رضاه بذلك الغين والاستخفاف، ولكن اقتراب اليد المستبدة بعماء الجشع وطغيان القوة إلى خبز الفرد وانتزاعهم مدخراته ومستقبله؛ يجعله يصرخ دون وعي، وينفلت من كل قيود الخوف والرهبة، فلم يعد لديه ما يحميه أو يعيش من أجله، إذا كان قد فقد واقعه ومستقبله وجدوى الحياة الكريمة.. هذه النقطة من الصدام هي في الحقيقة شعلة الانفجار وبداية الثورة وحدوث الفوضى والمواجهة مع تلك السلطات ولو بالموت واقفًا أشرف عند الفرد المسحوق من أن يبقى مستغفلًا مدهوسًا تحت أقدام العوز والذلة والتهميش.
ثانيًا: رغبة المجتمع المحروم من الحقوق والحريات في الولادة من جديد، والبحث عن الأمل مهما كان طريقه بعيدًا وشائكًا هذا الحلم الذي يعيشه كثير من أفراد مجتمعاتنا اليوم، قد يدفعهم نحو المخاض ولو قبل موعده وتحمل آلامه مهما بلغت من شدة، لذلك يتوقع الفرد المقاوم أسوأ الاحتمالات ويقبل بكل نتائج الفوضى المجتمعية في سبيل تحقيق أحلامه ما دام أنها سوف تنقله في أقرب وقت إلى العيش الرغيد، لذلك تكمن القابلية للفوضى في المجتمعات الشابة أكثر من غيرها، لأن من طبيعة الشباب اليافع المغامرة نحو أحلامهم مهما كانت نرجسيتها، فتجعلهم يضحون بكل شي وباندفاع شديد، ويُقدمون على التغيير مهما كانت نتائجه، ويرغبون بالولادة الجديدة ولو من رحم المعاناة والألم، مادام أن ذلك الحلم سيتحقق في واقعهم القريب.
والمجتمعات العربية أغلب سكانها من الشباب، وهذا مكمن قوة لها، بشرط أن تكون تلك الشريحة لا تعاني ظلما أو بطالة أو تخلفًا معرفيًا، وإلا استحالت أدوات فاعلة ومناخًا قابلًا للفوضى المدمرة، وما لم تدرك الجهات المسؤولة هذه الحقيقة النفسية والاجتماعية وإلا فنفق الفوضى في انتظار الجميع.
ثالثًا: الرغبة في محاكاة المجتمعات الغربية المتقدمة والتي باتت تقترب أكثر فأكثر من مجتمعاتنا، وتفتح لنا أبوابها ونوافذها لتلحق بها ونتعايش معها لحظة بلحظة، ولكن هذا العيش هو في عالم الأثير والنقل الفضائي والتواصل الشبكي، مما قد يؤدي هذا التنامي في الوصل والاتصال الخيالي إلى تناد بالاقتراب الحقيقي والمماثلة المادية لتلك المجتمعات، لهذا تأتي المشاكلة والتقليد للمجتمعات الغربية المتقدمة دليلًا واضحًا على صدق تلك الرغبة في اللحاق بركبهم مهما كلف من تبعات، وقد يكون هذا السبب محفزًا لقبول الفوضى إذا كان مآلها الارتماء الطوعي نحو تلك المجتمعات النافذة الغالبة بأنموذجها الرغيد والمتحرر من الهيمنة والاستبداد، والحقيقة أن هذا السبب لا يظهر للوهلة الأولى دوره في تسويغ القابلية للفوضى المجتمعية، كون الجميع حتى السلطة ومؤسساتها الرسمية تحاكي وتقلد أنموذجها الغربي الخاص بما يحقق مصلحتها ورغباتها الشخصية، لكن الأفراد الموجوعين بالاستبداد سيمارسون دورهم في محاكاتهم الخاصة بما يحقق رغباتهم في الانعتاق من واقعهم المحبط والتماهي في مماثلة الآخر وفق تصورهم للحرية والعيش الكريم، وهذا قد يورث خللًا في نسخ الواقع الغربي ونقل تجاربه حتى لو كانت الأرض والزمان لا تنبت هذا الأنموذج من التغيير.
رابعًا: أن الاستقرار المنشود والأمن الذي ترعاه بعض الأنظمة السياسية، يدور في الحقيقة ضمن فلك مصالحها الخاصة، ولا يعنيها استقرار الفرد المنبوذ في قارعة الطريق، والمعاني من الجوع والمرض والعوز الدائم، وعندما تبحث السلطة عن المحتاجين وتنزل للشارع بسبب أزمة معينة، فإن رؤيتها تتغيش تحت أضواء الإعلام وعدسات المصورين، بل لم تعد ترى بوضوح بسبب سياج المعاونين والمنتفعين المراهنين على مصالحهم ببقاء هذه الأنظمة.
هذه الملاحظات المبنية على مشاهدات واقعية وتحولات متوقعة في عالمنا العربي تقتضي احتواء المشكلات لا قمعها وتلبية المطالبات الحقوقية لا سلبها، ولا يكون الأمر مجديًا إلا بجهد جماعي تمارسه مؤسسات المجتمع المحلية والمؤسسات الرسمية الأممية، لأن عدوى الفوضى قابل أيضًا للانتشار في كل جسم لديه القابلية للفوضى والاشتعال.
أما على الصعيد الخارجي والدولي لمناقشة فكرة القابلية للفوضى، فإنها ليست بالجديدة من الناحية السياسية، ففكرة الفوضى كانت سلاحًا فكريًا تبشر به الدول المستعمرة شعوب المجتمعات المغلوبة بما أسموه «بالفوضى الخلاقة» وهذا المصطلح الفلسفي ليس وليد الحالة السياسية المعاصرة، بل قديم المرجعية والتأصيل فقد جعله «أفلاطون» من أنظمة الحكم الفاسدة للمدينة الفاضلة إذ إن الحرية المطلقة هي «الفوضى» ذاتها، والفوضى عند اليونان هي «العماء» الشامل ولذلك سمي أفلاطون، المدينة التي تقوم على «الحرية بهذا المعنى به حكم الدهماء» وهو النوع نفسه الذي حذر منه الفقيه المالكي ابن رشد :الحفيد منبها إلى أن الاجتماع في مثل هذه المدن «مدينة الحرية» إنما هو اجتماع بالعرض؛ لأن سكان هذه المدينة لم يكونوا ليقصدوا باجتماعهم غرضًا واحدًا يجمعهم، وإنما بحسب اختلاف المشارب والأهواء توطنوا تحت ذريعة الحرية لكل فرد فهو حكم الدهماء الفاشل في نواميس المجتمعات.
هذا المصطلح الفلسفي يعود مرة أخرى إلى الساحة السياسية، وضمن تقويم الوضع الأمثل لدول المنطقة العربية، ويحمل في طياته أجندة مجهولة ومستقبلًا مخيفًا؛ لكنه الأكثر تفاؤلاً وقبولًا لدى صناع القرار العالمي من المحافظين الجدد الذين عادوا مرة أخرى إلى ساحة التأثير العالمي بعد فوز الأغلبية الجمهورية في الكونجرس الأمريكي، ففكرة الفوضى الخلاقة كما ينادي بها بعض السياسيين اليوم مرت بعدد من التطورات والتنظيرات، حسب متغيرات الواقع وطبيعة التحديات التي ينظر لها المستعمرون الجدد، ويمكن أن يكون عالم الاقتصاد النمساوي «جوزيف شامبيتر» (۱۸۸۳ - ١٩٥٠م) في كتابه الشهير الذي صدر عام ١٩٤٢م عن «الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية هو أول من سوّغ الفوضى الخلاقة في سياقات التغيير السياسي، مضمناً في كتابه تصوره لآليات اشتغال النظام الرأسمالي وفق الأطروحة الاشتراكية ومؤصلًا في ذات الكتاب فكرة الفوضى الخلاقة اقتصاديًا وسياسيًا.
كما يعتبر « ناتان شارانسكي» - المولود عام ١٩٤٨م من أسرة يهودية وهاجر من روسيا إلى «إسرائيل» ثم أصبح وزيرًا لفترة واحدة في عهد «شارون» - من أكثر السياسيين تنظيرًا لفكرة الفوضى الخلاقة في كتابه «قضية الديمقراطية»، وقد شرح نظرية «الفوضى الخلاقة» التي يدعو فيها أمريكا إلى استخدام الطائفية كوسيلة للقضاء على محاور الشر وتحقيق الديمقراطية في المنطقة العربية و«شارانسكي» له رؤى صدامية وعنصرية؛ فهو يعد الإسلام حركة إرهابية لا تهدد «إسرائيل» فقط، وإنما تهدد العالم الغربي بأكمله، ويرى أن استئصال الإرهاب لا يتم باستخدام القوة وتجفيف المنابع فقط، وإنما بمعالجة الأسباب العميقة للإرهاب التي تنبع من سياسات الأنظمة العربية الاستبدادية والفاسدة وثقافة الكراهية التي تنشرها ، كما يدعم هذه النظرية رجل يهودي آخر هو «إليوت كوهين» في كتابه القيادة العليا الجيش ورجال الدولة والزعامة في زمن الحرب»، ويرى «كوهين» أن الحملة على الإرهاب هي الحرب العالمية الرابعة على أساس أن الحرب الباردة هي الثالثة، ويؤكد أن على الولايات المتحدة أن تنتصر في الحرب على الإسلام الأصولي، من خلال فوضى الطائفية والقضاء على الراديكالية.
هذه التنظيرات السابقة لفكرة الفوضى ونشرها، قد تحول بعضها إلى أيديولوجيا استعمارية، تهدد مستقبل الكثير من الكيانات العربية اليوم، والشعوب العربية مكرهةً تستجيب لهذه الحالة القلقة، وتخوض غمار التغيير دون رؤية وتخطيط لمستقبل أفضل تسعى إليه، مما يجعل الأمر يدعو إلى الريبة والخوف من ثورة تطالب بالحريات والحقوق ثم تخرج بعدها مسلوبة الحرية مهدرة الحقوق لا تملك إلا صراخات ثائرة تلاشت معها كل مكتسبات الماضي وأحلام المستقبل.