العنوان القابضون مرتين.. قطعة نقد واحدة ثمن ولائهم السياسي
الكاتب محمد المرداوى
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1980
مشاهدات 84
نشر في العدد 487
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 01-يوليو-1980
من مشكلات الوطن العربي الراهنة، والخطيرة، عدم مقدرة المثقفين العرب على استيعاب الشمول في القضايا العالمية، مما نتج عنه نظرة مبتورة وجزئية وتفسيرات غير دقيقة ومن ثم غير فعالة، وقد أفرز ذلك حلولًا متضاربة متناقضة ساهمت في تفتيت الأمة العربية إلى انتماءات فكرية وثقافية وسياسية واجتماعية مجثوثة من آخر الجذع مما فوق الجذر، ولا يبدو ذلك منسقًا مع الاستراتيجيات العالمية على الساحة للهيمنة على العالم الثالث من إمبريالية غربية أو أممية شرقية.
فمنذ طلع هذا القرن العشرين رأى ماكندر الانجليزي في حركة التاريخ البشري صراعًا مستمرًا بين الدول القارية وبين الدول البحرية، فالدول القارية ترنو دائمًا إلى شواطيء البحار لتطل منها على العالم الخارجي بينما كانت الدول البحرية تحاول النفوذ من شواطيء البحار نحو معاقل القارات الداخلية ورأى أيضًا أن العالم مكون من مراكز طبيعية للقوة السياسية هي:-
أ-المنطقة القارية.
ب-المنطقة البحرية.
ج-المنطقة الوسطى.
ويهيمن على المنطقة القارية روسيا وتشكل مستعمراتها في تركستان الغربية قلب العالم، يحيط بهذا القلب هلال داخلي مكون من ألمانيا والنمسا وتركيا غربًا وجنوب غرب آسيا والهند جنوبًا والصين شرقًا، وهذا هو العالم القديم.
أما العالم الجديد، أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وأستراليا فهي هامشية، ولذلك فهي تشكل مع جنوب أفريقيا وغرب أوروبا والجزر البريطانية واليابان هلالًا خارجيًا، هذا الهلال الخارجي تهيمن عليه دول الاستعمار الغربي.
يرى ماكندر أنه ينبغي أن يكون الصراع بين الكتلتين الكبيرتين القارية والبحرية على السيطرة على المنطقة الوسطى، إذا تم لإحداهما تلك السيطرة خلصت لها السيطرة على العالم، ومع أن سبيكمان الأمريكي قد طور هذه النظرية في النصف الثاني من القرن العشرين غير أنه لم يخرج عن الشمول في نظرته لطبيعة الصراع القائم، وكان نص نظريته «من يتحكم في إقليم الحافة «الوسطى عند ماكندر» يتحكم في أوراسيا ومن يتحكم في أوراسيا يسيطر على العالم».
إن هذا يعني أن قضية شرق أوروبا وتركيا والبلاد العربية وإيران وأفغانستان وشبه القارة الهندية والصين هي قضية واحدة؛ لأن هذه هي المنطقة الوسطى أو الهلال الداخلي والتي تتجاذبها قوى الهيمنة الأممية والإمبريالية، على أنه لا ينبغي أن نكون أسارى النظرة الطبوغرافية، فلا بد من الالتفات إلى القوى البشرية المتحركة في هذه المنطقة سواء من الناحية الديموغرافية أو من ناحية الانتماء الحضاري.
فإن أغلب أو أوسع مناطق هذا الهلال تقطنها شعوب إسلامية ذات انتماء حقيقي للحضارة الإسلامية، على الرغم من المحاولات اليائسة التي بذلت في خلال القرن الماضي لغسل دماغها.
إن هذه الحقيقة التي تعكسها النظرة الشاملة في الاستراتيجيات العاملة للهيمنة على العالم تثير انتباهنا إلى مدى فقرنا إلى استراتيجية شاملة لإعادة تلحيم فتات المواطن الإسلامية ووصلها بالطرف الشرقي للهلال؛ ليكون لدينا عالم ثالث حقيقي قادر على درء قوى البر الزاحفة من جبال أورال وقوى البحر السابحة من سواحل أوروبا الغربية والولايات المتحدة، وإيجاد نوع من التوازن الحقيقي لدعم السلام العالمي القائم على العدل.
ولا يمكن أن يتحقق ذلك ونحن نتمارى بغباء: من أولى بنصرتنا فلسطين أم أفغانستان؟؟
إنهما وجهان لقطعة نقد واحدة ولكن لغبائنا نقبض هذه القطعة مرتين ثمنا لولائنا السياسي ففلسطين بوابة الشرق الأوسط «موطن الشعوب الإسلامية» على البحر الأبيض المتوسط، وأفغانستان بوابة هذه المنطقة المفضية إلى الساحة الخلفية في وسط آسية، وإن كانت القضية الفلسطينية قضية إسلامية عربية فإن قضية أفغانستان قضية إسلامية، ولكنها ليست غير عربية كما يظن بعض الناس وبخاصة أن تهديد الروس لأمن الخليج العربي لا يحول دونه سوی تحريك قضية البلوشستان سواء في باكستان أم في إيران أم في كليهما معا، وربما عني ذلك أو نتج عنه تحرك الأكراد في إيران وتركيا والعراق أيضا كما تحرك الأرمن في تركيا من قبل ولعل ما يحدث في جبال الجزائر صدى لكل ذلك.
إذ من المعروف أصلًا أن السوفييت يتعاطفون مع الحركات الوطنية، والوثبات القومية ويؤيدونها ويدعمونها ثم يعملون على تظهيرها لحساب طموحاتهم الأممية، وتحقيق الهيمنة المطلقة بواسطة زرع الأيديولوجية اللينينية الماركسية في رحم المجتمع القومي.
وبذلك يهيمن الروس على العالم بواسطة النخبة المولدة وإن كانت الإمبريالية تلجأ بواسطة مخابراتها إلى تفريخ عملاء أنابيب لها في الرحم نفسه فيشبون على أنهم من نسل شيوعي وهم في حقيقتهم من ظهر أمبريالي.
إن كل ذلك يحدث في غيبة الاستراتيجية الشاملة القادرة على صهر القومية في بوتقة إسلامية لتكوين مركب صلب غير هلامي ولا متسيب؛ لإيجاد العالم الثالث الحقيقي بهويته غير المزيفة لتغدو كما شاء الله أمة وسطًا، ولتكون شهداء على الناس ويكون الرسول عليها شهيدًا.