العنوان القائد الذي يحي الأمة والآخر الذي يواريها التراب
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 08-نوفمبر-2003
مشاهدات 71
نشر في العدد 1576
نشر في الصفحة 47
السبت 08-نوفمبر-2003
يتفاوت الناس، ويتفاضلون وصدق الله القائل: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (الأنفال: ٦٥) وتعلو الهمم حتى تطاول عنان السماء وتتعاظم حتى يصير الرجل بأمة وصدق الله القائل: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: 120)، وتسفل العزائم والنفوس حتى تمرغ في الأوحال، وتخترق الأراضين السبع، وتحمل الشؤم وتنثر الوبال هنا وهناك فتقطع دابر الأقوام وتبيد خضراءهم وتستأصل شافتهم، وصدق الله القائل: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ (التوبة:٤٧)، ﴿أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (المائدة: 60).
والأمة المنحوسة هي التي تجعل هذا الضعف الخبيث قدرها وترتضيه لقيادتها وتبش له وتهش وتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فإذا به يوردها الحتوف ويقودها إلى المهالك.
كم صفيق الوجه صفقنا له *** وسفيه قد جعلناه إماما
بحث الأصوات في تمجيده *** وتبعناه اعتزازاً واحتراما
وشريف القصد شهرنا به *** وظلمناه اعتداء واتهاما
وتذبذبينا بمسعانا فلا *** سادة عشنا ولا متنا كراما
والأمة العظيمة هي التي تجعل الرجال الكرام أئمتها وسندها وعزها وفخرها، وهداتها، وهؤلاء هم حماة الذمار الذين يعقد النصر فوق جباههم والعز فوق نواصيهم.
عشنا أعزاء ملء الأرض ما لمست *** جباهنا ترابها إلا مصلينا
لا ينزل النصر إلا فوق رايتنا *** ولا تمس الظبا إلا نواصينا
وهؤلاء هم سلفنا الصالح الذين زرعوا الأرض مجدًا وسعدًا ورجولة.
سأل هرقل ملك الروم في القسطنطينية رجلًا من قومه قد أسره المجاهدون المسلمون فأفلت عن المسلمين، فقال له أخبرني عن القوم، فقال له: أحدثك كأنك تنظر إليهم هم فرسان بالنهار، رهبان بالليل، ما يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام، وظل يصفهم حتى قال يقفون على ما حاربهم حتى يأتوا عليه، فقال هرقل: لأن صدقتني ليرثون ما تحت قدمي هاتين!!
رجل يبيع ملك الروم بكلب: قال ابن النحاس: «خرج ملك الروم من القسطنطينية في ستمائة ألف مقاتل، فكانوا لا يدركهم الطرف، ولا يحصرهم العد، بل كتائب متواصلة وعساكر متزاحمة، وكراديس يتلو بعضها بعضًا كالجبال الشوامخ، وقد أعدوا من السلاح والكراع وآلات فتح الحصون ما يعجز الوصف عنه، واقتسموا بلاد المسلمين، فجعلوا لكل ملك على مائة ألف قطرًا، العراق لملك ومضر وربيعة لملك ومصر والمغرب لملك، والحجاز واليمن لملك منهم، فاضطربت ممالك الإسلام، واشتد وجلهم وكثر جزعهم وهرب بعضهم من المتاخمين لهم وأخلوا لهم البلاد.
ولكن ملك العراق المسلم البطل الب أرسلان التركي، جمع وجوه مملكته وقال: «قد علمتم ما نزل بالمسلمين فما رأيكم، قالوا: رأينا لرأيك تبع وهذه جموع لا قبل لاحد بها، فقال: فموتوا كرامًا شهداء أفضل من أن تموتوا مغلوبين أذلاء فقالوا: أما وقد ضحيت بنفسك، فنفوسنا للإسلام فداء وعزموا على لقاء العدو في جموعه الهائلة، وقال: تلقاهم في أول بلادي فخرج في عشرين ألفًا من الأمجاد الشجعان المنتخبين، فلما سار مرحلة عرض عسكره فوجدهم خمسة عشر ألفًا، ورجعت خمسة، فلما سار مرحلة ثانية عرض عسكره من ورجعت فإذا هم اثنا عشر ألفًا، فلما واجههم عند الصباح، رأى ما أذهل العقول، وحير الألباب وكان المسلمون كالشامة البيضاء في الثور الأسود فقال: إنني هممت ألا أقاتلهم إلا بعد الزوال. قالوا: ولم قال: لأن هذه الساعة، لا يبقى على وجه الأرض منبر إلا دعوا لنا بالنصر، وكان ذلك يوم الجمعة، فقالوا: افعل.
فلما زالت الشمس صلى وقال: ليودع كل واحد صاحبه، وليوصي، ففعلوا ذلك، فقال: إني عازم على أن أحمل فاحملوا معي، وافعلوا كما افعل، فاصطف المشركون عشرين صفًا، كل صف لا يرى طرفاه، ثم قال: بسم الله وعلى بركة الله احملوا معي، ولا يضرب أحد منكم بسيف ولا يرمي بسهم، إلا أن أفعل، وحمل وحملوا معه حملة واحدة، فخرقوا صفوف المشركين صفًا بعد صف لا يقف لهم شيء.
حتى انتهوا إلى سرادق الملك، فوقف وأحاطوا به، وهو لا يظن أن أحدًا يصل إليه، فما شعر حتى قبضوا عليه، وقتلوا كل من كان حوله، وقطعوا رأساً فرفعوها على رمح وصاحوا: قتل الملك، قولوا منهزمين لا يلوون على شيء، وحكموا السيوف فيهم أيامًا، فلم ينج منهم إلا قتيل أو أسير.
وجلس الب أرسلان على كرسي الملك في مضربة في سرادقه على فراشه، وأكل من طعامه، ولبس من ثيابه، وأحضر الملك بين يديه، وفي عنقه حبل، فقال: ما كنت صانعًا لو ظفرت بي؟ قال: أو تشك أنت في قتلك حينئذ؟ قال الب أرسلان وأنت أقل في عيني من أن أقتلك اذهبوا فبيعوه، فطافوا به على جميع العسكر والحبل في عنقه، يُنادى عليه بالدراهم والفلوس فما يشتريه أحد، حتى انتهوا في أخر العسكر إلى رجل فقال: إن بعتموني بهذا الكلب، اشتريه. فأخذوا الكلب، وأتوا بهما إلى ألب أرسلان وأخبروه بما صنعوا به، وبما دفع فيه فقال: الكلب خير منه، لأنه ينفع وهذا لا ينفع خذوا الكلب وادفعوا له هذا الكلب - يعني الملك - ثم إنه بعد ذلك أمر بإطلاقه، وأن يجعل الكلب قرينه مربوطاً في عنقه، ووكل به من يوصله إلى بلاده فلما وصل عزلوه عن الملك وكحلوه»
لله درك يا ألب أرسلان ودر جيشك جيش الأكفان.
والله إن العقل ليقف عاجزًا عن تصور هيئة هذا الجيش الذي فاحت منه رائحة الحنوط استعدادًا للموت والشهادة. وعلى مثل هؤلاء وقائدهم يتنزل النصر.
رحم الله من غزا بلاد الروم مرتين، وافتتح القلاع، وأرعب الملوك.
ورحم الله هؤلاء القادة والرجال الذين أحيوا الأمة وسطروا لها آيات المجد والفخار: أمين أمين