العنوان الفيزياء تنقض نظرية التطور
الكاتب أورخان محمد علي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1998
مشاهدات 107
نشر في العدد 1319
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 29-سبتمبر-1998
هناك قناعة بدأت تنتشر بين أوساط بعض المتعلمين المسلمين، وهي أن نظرية التطور قد دحضت تمامًا، وأنها لم تعد مشكلة فكرية، والحقيقة أن هذه القناعة ليست في محلها، فما زالت مناهج البيولوجيا في المدارس الثانوية، وجميع مناهج البيولوجيا والجيولوجيا في جميع الكليات في العالم، وفي الدول العربية والإسلامية- عدا استثناءات قليلة جدًا- تستند إلى هذه النظرية، وما زال معظم المجلات والكتب العلمية في الغرب- التي نحن عالة عليها- يقف إلى جانب هذه النظرية.
كيف إذن زال خطرها؟ كيف زال خطرها إن لم يكن هناك منهج دراسي بديل في هذا الموضوع في البلدان العربية والإسلامية؟ وأين الكتب العلمية الجيدة في هذا الموضوع في المكتبة العربية؟
لقد تابعت هذا الموضوع منذ سنوات فلم أجد ما يشفي الغليل. أخشى أن الكسل والشلل العلمي عندنا هو مبعث هذه القناعة، لأنها تريحنا من بذل أي جهد علمي، لماذا نبذل مثل هذا الجهد إن كانت هذه النظرية قد ماتت ودفنت؟
هذا لا يعني أن هذه النظرية ليست في عهد التدهور، فالحقيقة أن كثيرًا من الحقائق العلمية التي اكتشفها العلم أخيرًا لا تؤيد هذه النظرية، بل تنقضها، ولكن قولوا لي من منا يتابع التطورات العلمية الأخيرة في هذا الموضوع؟ وأين الكاتب الذي ينقل لنا هذه التطورات؟ وأين الكتب العلمية التي سجلت لنا هذه التطورات الأخيرة؟ يجب ألّا ننسى أمرين:
أولًا: أن هناك أيدٍ خفية في الغرب تريد الإبقاء على هذه النظرية حية ومؤثرة، ولا نريد هنا الخوض في تفاصيل هذا الأمر.
ثانيًا: أنه لم يكتب في العالم العربي كتب علمية جيدة في تفنيد هذه النظرية، فمعظم الكتب التي تناولت هذه النظرية بالنقد كتب إنشائية وبعيدة عن المنهج العلمي وعن المستوى العلمي المطلوب.
إن الفقر الفكري الذي نعاني منه كبير، مع أن العديد منا يحسب أن المكتبة العربية مكتبة فكرية غنية، فطوال سبعين عامًا من انتصار الشيوعية في عدة بلدان وتسببها في فتنة فكرية كبيرة للكثير من شبابنا وكتابنا ومفكرينا وأدباءنا لم يكتب في العالم العربي خمسة كتب جيدة في تفنيد الفكر الماركسي بشكل علمي ومنطقي وفلسفي.
الكثير منا يعتقد أن الكتب الأدبية والحماسية الموجودة في مكتباتنا، تستطيع أن تغني شيئًا في مثل هذه المواضيع الفكرية والعلمية، وهم واهمون مع للأسف.
لذا أرى أن علينا ألّا نستخف بخطر نظرية التطور، طالما أننا لم نستطع تفنيدها علميًا كما ينبغي، ولم نستطع- حسب علمي- وضع مناهج دراسية بديلة في مدارسنا.
مواقف ثلاثة:
للناس ثلاثة مواقف من هذه النظرية:
قبول النظرية.
رد النظرية.
اما الذين يقبلون هذه النظرية فعلى قسمين: أ- قسم يقبل هذه النظرية على أساس أن الصدف العشوائية نجحت في تكوين الخلية الأولى الحية، ثم بدأت آلية التطور بالعمل وهي «حسب النظرية التركيبية Thyntyhetic Theory» تتألف من «الطفرات Mutations»، و«إعادة الخلط Recombination» و«الانجراف الوراثي Ge- netic Drift» و«الانتخاب الطبيعي Natural Selection».
يندرج معظم علماء التطور والفلاسفة والمفكرين الملحدين في هذا القسم، هنا لا محل للخالق، أي نجد هنا إنكارًا مطلقًا للألوهية، وادعاء بأن هذه النظرية قامت بتفسير لغز الحياة دون الحاجة إلى الخالق.
ب- هناك فئة قليلة من علماء التطور والمفكرين والفلاسفة يرون أن التطور هو أسلوب الخلق لدى الخالق، أي أن ظاهرة التطور صحيحة وموجودة في جميع المخلوقات، ولكنها لا تقاد من قبل الصدف العشوائية، بل من قبل الله سبحانه وتعالى، أي أن الله تعالى هو الذي وضع قوانين التطور وآلياته، وهو الذي يوجه هذا التطور، فكما يوجه تطور الجنين في رحم الأم كذلك يطور مخلوقاته حسب قوانين دقيقة قدرها سبحانه.
يندرج في هذه الفئة بعض المفكرين المسلمين أمثال: «نديم الجسر-رحمه الله- والكاتب المعروف الدكتور مصطفى محمود»، وبعض العلماء والمفكرين في الغرب.
ودعوى هؤلاء أن الإيمان بالتطور- على هذا النحو- لا يصادم الإيمان بالله ولا ينفيه، وأن الإنسان يمكن أن يكون من أنصار نظرية التطور ومؤمنًا في الوقت نفسه، وهذا صحيح.
ولكن الأمر الذي ينساه هؤلاء- أو لا يهتم به بعضهم ولا سيما في الغرب- أن الإيمان بالتطور إن لم يصادم الإيمان بالله فإنه يصادم الإيمان بالنبوة، فلا يمكن الجمع بين الإيمان بالنبوة وبين الإيمان بنظرية التطور إلا إذا قمت بتأويلات بعيدة ومصطنعة، ولوي لأعناق الآيات الواردة في جميع الكتب السماوية.
ثم إن هذه النظرية ليست صحيحة من الناحية العلمية كما سنبرهن لاحقًا.
هذه هي المواقف المختلفة من هذه النظرية.
لنأتِ إلى صلب الموضوع ونتناول هذه النظرية «أو بالأصح هذه الفرضية» بالتحليل.
سنقوم في هذه المقالة بتفنيد هذه الفرضية علميًا حسب آخر النقاشات العلمية الجارية حولها، ثم سنتناول فيما بعد أهم البراهين التي استند إليها أنصار التطور لنرد عليها.
قليل منا من يتابع النقاشات الحامية التي تجري منذ سنوات حول فرضية التطور في الولايات المتحدة، فقد عقد في السنوات العشر الأخيرة ما يزيد على مائتي مناظرة في الجامعات وفي محطات التلفزيون بين أنصار «للتطور Evolution»، وبين أنصار الخلق Creation، وسجلت هذه المناظرات على أشرطة الفيديو، كما طبعت أيضًا وفي مكتبتي ما يزيد على عشرين مناظرة من هذه المناظرات.
كانت مفاجأة لكثير من الناس عندما فاز أنصار «الخلق» في جميع هذه المناظرات تقريبا إلى درجة أن العالم الأمريكي التطوري المعروف إسحاق أزيموف أوصى علماء التطور قبل وفاته بعدم الدخول في مناظرات جديدة مع أنصار الخلق، بعد أن شاهد النتائج السلبية لهذه المناظرات، فكيف استطاع العلماء من أنصار الخلق الفوز في هذه المناظرات؟ وماذا كانت أدلتهم العلمية؟
الأدلة العلمية ضد فرضية التطور كثيرة وعديدة، ولكني شاهدت أن أهم دليل علمي شهروه في وجه التطوريين هو قانون من أهم القوانين الفيزيائية، فكان هذا شيئًا حاسمًا في مجرى المناظرات.
فما هذا الدليل العلمي وما هذا القانون الفيزيائي؟
نحتاج إلى إيراد معلومات مختصرة ومركزة للقراء الذين لا يتعاملون مع علم الفيزياء، وسنبذل قصارى جهدنا لتقديمها في أبسط وأسهل صورة لكي تكون مفهومة من قبل الجميع.
وجهتا نظر:
أهم سمة في هذا الكون وفي دنيانا الزاخرة بالحياة هي سمة الحركة والتغير، فكل شيء- اعتبارًا من أجزاء الذرة وانتهاء بالمجرات- في حركة دائبة وفي تغير وتفاعل وتبدل مستمرين.
فما القانون العام لهذه الحركة ولهذا التغير والتبدل؟ تختلف وجهة نظر فرضية التطور عن وجهة نظر علم الفيزياء في هذا الموضوع المهم اختلافًا كبيرًا، بل هما على طرفي نقيض تمامًا.
وجهة نظر فرضية التطور: تقول فرضية التطور إن الكون كان في حالة بدائية في حالة سديم وغازات حسب النظريات القديمة، أو في حالة حساء كوني حسب أهم نظرية حديثة وهي نظرية الانفجار الكبير Bigbang وأنه بعد انفجار كبير حدث في هذا الحساء الكوني- الذي هو خليط من المادة والطاقة- المتمركز بشكل كرة صغيرة كثيفة جدًا، بعد هذا الانفجار تشكلت أجزاء الذرة أولًا ثم الذرات ثم الجزيئات، وأن هذه الحالة البدائية تحولت بمرور الزمن إلى حالة مركبة ومعقدة من جهة وإلى نظام دقيق كل الدقة، أي تحول الكون من الفوضى إلى النظام، ومن البساطة إلى التعقيد والتركيب، وذلك بفعل الصدف العشوائية ضمن بلايين السنين من عمر الكون.
هذا باختصار جوهر فرضية التطور.
فالتطور لا يعني تطور الإنسان وجميع المخلوقات الأخرى من كائن ذي خلية واحدة، كلا، إنما يعني شيئًا أشمل من هذا بكثير، إنه يعني تطور الكون منذ نشأته وحتى وصوله إلى وضعه المعقد والمنظم جدًا، وأن التطور قطع شوطًا كبيرًا في كوكبنا بنشوء الحياة وظهورها، ثم سارت هذه الحياة في درب التطور حتى ذروته بظهور الإنسان والدماغ الإنساني الذي هو في ذروة التطور والتعقيد.
يقول العالم الأمريكي التطوري ثيودوسيوس Theodosius Dobzhansky دوبزانسكي وهو يشرح المعنى الشامل للتطور: «يشمل التطور كل مراحل النمو والتقدم الحادثة في الكون، أي جميع صور التقدم والتطور الكوني والبيولوجي والإنساني أو الثقافي، وأن محاولة حصر التطور في عالم البيولوجيا لا مبرر ولا مسوغ له، فالحياة نتاج للتطور اللاعضوي للطبيعة، والإنسان نتاج لتطور الحياة». [1]
هذه باختصار نظرة فرضية التطور للإطار العام الذي يحكم حركة التغير والتبدل الجاريين في أرضنا وفي الكون المنظور.
أي نستطيع التعبير عن هذه النظرة بالشكل البياني الآتي:
ولكن لعلم الفيزياء نظرة أخرى معاكسة تمامًا لهذه النظرة.
لشرح نظرة علم الفيزياء في هذا الموضوع يجب شرح القانون الأول والثاني للديناميكا الحرارية: Thermodynamics:
بدأت الديناميكية الحرارية كدراسة حول تحول الطاقة الحرارية إلى حركة ميكانيكية ووضعت القوانين حولها على يد علماء بارزين أمثال «نیوتن» و«كالفن»، و«ماكسويل»، ثم تم اكتشاف الأشكال الأخرى للطاقة، وتبين أن هذه القوانين تنطبق عليها أيضًا. ولكن الخطوة الكبيرة تمت على يد آنشتاين الذي وضع نظريته النسبية وعد فيها المادة شكلًا من أشكال الطاقة، وذلك في قانونه المشهور E = MC2، «حيث الطاقة = E سرعة الضوء = C الكتلة = M».
لذا أصبحت قوانين الديناميكا الحرارية أشمل قانون في الكون، إذ لم يعد هناك شيء خارج نطاقها، سنشرح هنا باختصار القانون الأول والثاني للديناميكا الحرارية.
القانون الأول: «مجموع الطاقة ثابت في الكون ولا يتغير، ولكن يمكن تحويل الطاقة من شكل إلى آخر».
ولكن بعد وضع آنشتاين قانونه الشهير حول علاقة المادة بالطاقة فقد أصبحت صيغة هذا القانون أكثر شمولًا:
«مجموع المادة والطاقة ثابت في الكون، ويمكن تحويل الطاقة من شكل إلى آخر».
كما يمكن صياغة هذا القانون كما يأتي:
«لا يمكن خلق ولا إفناء المادة أو الطاقة، ولكن يمكن تحويلهما من شكل إلى آخر».
القانون الثاني: له عدة صيغ أشهرها صيغة «كلفن» و«كلوسيوس»، وهذا القانون يشرح كيفية سير الحوادث مثلما يشرح القانون الأول بقاء مجموع الطاقة ثابتًا.
يقول هذا القانون «لا توجد هناك عمليات تحول في الطاقة دون أن يتحول جزء من الطاقة إلى شكل لا يمكن الاستفادة منه».
وهذا هو السبب في استحالة عمل أي جهاز بكفاءة ۱۰۰%، أي أنك لو قمت بإدخال (۱۰۰) وحدة من الطاقة إلى أي جهاز فلن تحصل منه إلا على (٩٥) وحدة أو على (٩٠) وحدة من الطاقة، أي إن كان الجهاز يعمل بكفاءة ٩٥٪ أو ٩٠٪، لأنه لا بد من ضياع جزء من هذه الطاقة «للتغلب على مقاومة الاحتكاك مثلًا».
يقول العالم الفيزيائي الأمريكي «ف. بوش» في كتابه «أساسيات الفيزياء» علق بعضهم ذات مرة على الكون فقال:
«الأحوال تسير من حسن إلى سيئ ثم إلى الأسواء»، وهذا يلخص القانون الثاني للديناميكا الحرارية بشكل فج جدًا، وكما رأينا فإن القانون الأول هو صيغة لبقاء الطاقة، ولكنه لا يذكر أي شيء عن طريقة سير الحوادث في الكون، فالطاقة محفوظة عندما يسقط حجر على الأرض إذ تتحول طاقة وضعه التثاقلية إلى طاقة حركية، وعندما يصطدم الحجر بالأرض ويصل إلى السكون تتحول طاقة حركته إلى طاقة حرارية، ومع ذلك فإن حجرًا مستقرًا على الأرض لا يستطيع أبدًا أن يقوم بتحويل الطاقة الحرارية الموجودة فيه وبجانبه إلى طاقة حركية لينطلق إلى أعلى في الهواء بالرغم من أن القانون الأول يحكم مثل هذه الإمكانية أيضًا، لأن الطاقة محفوظة في هذه العملية العكسية، إلا أن هذه العملية العكسية لا تحدث تلقائيًا.
هناك عمليات كثيرة أخرى يحكمها القانون الأول، ولكنها لا تحدث، فالماء يتبخر من الطبق ولكن البخار الموجود في الهواء لا يتكثف تلقائيًا في الطبق، كذلك تتحلل الجثة وتتحول إلى تراب، ولكن عناصر الأرض لا تقوم بتكوين الجسم تلقائيًا في العملية العكسية، إذن للطبيعة اتجاه مفضل لسير الأحداث التلقائية ويحدد هذا الاتجاه بالقانون الثاني للديناميكا الحرارية.[2]
إن الأحداث التلقائية تسير في اتجاه واحد ولا يمكن عكسها، فإن فتحت مثلًا زجاجة عطر في غرفة انتشرت جزيئات المادة العطرة في جو الغرفة ولكن لا يمكن توقع رجوع هذه الجزيئات ودخولها جميعًا إلى الزجاجة مرة ثانية تلقائيًا.
الشمس والنجوم الأخرى تحترق وتبعث بكميات هائلة من الطاقة الحرارية والإشعاعية والضوئية إلى أغوار الكون، ولكن لا يمكن توقع رجوع هذه الطاقات الهائلة إلى الشمس وإلى النجوم الأخرى بحركة تلقائية.
إن تركت أي شيء مدة معينة أسرع إليه التلف، لو تركت قطعة لحم أو كمية من الفاكهة أو الطعام تراه يفسد بعد مدة معينة، وتضطر إلى اتخاذ تدابير معينة للحفاظ عليه من الفساد «كأن تضعه في ثلاجة»، وحتى هذا التدبير لا ينفع إلا مدة معلومة فقط، وإن تركت بيتًا أو قصرًا أسرع إليه البلى بعد سنوات، وهكذا فكل شيء يسير في اتجاه واحد نحو البلى والتحلل والفساد.
الإنتروبيا:
ولكي يستطيع العلماء شرح مفهوم النظام أو الفوضى في الكون أو في أي منظومة «System» فقد استعانوا بمصطلح الإنتروبياEntropy [3] فالإنتروبيا تشير إلى مقدار الفوضى، أي إلى مقدار الطاقة التي لا يمكن الاستفادة منها، لذا يعرف القانون الثاني للديناميكا الحرارية بأنه قانون زيادة الإنتروبيا.
يقول البروفسور «ف. بوش»:
«تحدث جميع التغيرات التلقائية بحيث تزداد الفوضى في الكون، وهذه ببساطة هي صيغة القانون الثاني مطبقة على الكون ككل».[4]
يقول العالم الأمريكي المعروف إسحاق أزيموف Isaac Asimov «حسب معلوماتنا فإن التغيرات والتحولات بأجمعها هي باتجاه زيادة «الإنتروبيا»، وباتجاه زيادة عدم النظام وزيادة الفوضى ونحو الانهدام والتقوض»[5].
ويتناول الموضوع نفسه في المقالة نفسها بشكل أكثر تفصيلًا فيقول: «هناك طريقة أخرى لشرح القانون الثاني، وهي أن الكون يسير بوتيرة ثابتة نحو زيادة الإنتروبيا، ونحن نرى تأثير القانون الثاني حوالينا في كل شيء، فنحن نعمل بكل جد لكي نرتب غرفة وننسقها، ولكن ما أن نتركها لشأنها حتى تنتشر فيها الفوضى من جديد بسرعة وبكل سهولة حتى وإن لم ندخلها، إذ سيعلوها الغبار والعفن، وكم نلاقي من الصعوبات عندما نقوم بأعمال صيانة البيوت والمكائن وصيانة أجسادنا ونجعلها في أفضل وضع، ولكن كم يكون سهلًا تركها للتلف وللبلى والحقيقة هي أن ما يتعين علينا عمله هنا هو لا شيء، فكل شيء يسير ذاتيًا نحو التلف ونحو الانهدام ونحو التفكك والانحلال والبلى، وهذا هو ما يعنيه القانون الثاني».[6]
نستطيع تلخيص القانون الأول والثاني في الشكل التالي:
يقول العالم التطوري جيرمي رفكن – Jere My Rifkin عن القانون الثاني :
«لقد قال «ألبرت آنشتاين»: إنه- أي هذا القانون- القانون الأساسي للعلم بأجمعه، وأشار السير «آرثر أدنجتون» إليه باعتباره القانون الميتافيزيقي للكون بأجمعه».[7]
إذن فإن هذا القانون الشامل يؤكد أن جميع التغيرات والتبدلات الحادثة والجارية في الكون تسير نحو زيادة «الإنتروبيا»، أي نحو زيادة الفوضى ونحو زيادة التحلل والتفكك، أي أن الكون يسير نحو الموت والفيزيائيون يقولون: «إن الكون يسير نحو الموت الحراري»، ذلك لأن انتقال الحرارة من الأجسام الحارة من «النجوم» إلى الأجسام الباردة الكواكب والغبار الكوني مثلًا سيتوقف يومًا ما عندما تتساوى حرارة جميع الأجرام والأجسام في الكون، في هذه الحالة يتوقف انتقال الحرارة بين الأجسام، أي تتوقف الفعاليات بأجمعها، وهذا معناه موت الكون. نستطيع أن نجمع معًا نظرتي فرضية التطور وعلم الفيزياء في شكل بياني واحد.
إذن فهناك تناقض تام بين النظرتين: تقول فرضية التطور إن التغيرات والتبدلات الحاصلة في دنيانا وفي الكون تؤدي إلى زيادة التعقيد وإلى زيادة النظام، أي هناك تطور متصاعد إلى أعلى وبوتائر مستمرة.
أما علم الفيزياء فيقول إن جميع التغيرات والتبدلات الجارية في الكون «وفي دنيانا» تؤدي إلى زيادة «الإنتروبيا»، أي إلى زيادة الفوضى والتحلل والتفكك، أي أن الكون لا يسير نحو الأفضل ونحو الأحسن، بل يسير نحو الأسوأ ونحو الأسفل، أي يسير إلى الموت، وأنه لا توجد أي عملية تلقائية تؤدي إلى زيادة النظام وإلى زيادة التعقيد والتركيب.
ويتبين من هذا أن الزمن عامل هدم وليس عامل بناء، مع أن جميع التطوريين يلجؤون إلى الزمن لتفسير جميع الاعتراضات والمصاعب التي تواجه فرضية التطور، فعندما تستبعد قيام الصدف العمياء بإنتاج كل هذا النظام والتعقيد والجمال الذي يحفل به الكون يقولون لك: «ولكن هذا الأمر لم يحصل خلال مليون سنة، بل خلال مئات بل آلاف الملايين من السنوات»، كأنهم عندما يذكرون شريطًا طويلًا من الزمن يحسبون أنهم يحلون بذلك جميع المصاعب ويقدمون حلًا لجميع المعجزات التي يحفل بها الكون.
وهذا جهل، بل جهل مركب، ونحن ندعو هؤلاء إلى تصفح بعض كتب الفيزياء لكي يعلموا أن الزمن الذي حسبوه عامل بناء وتطوير ليس في الحقيقة إلا عامل هدم وتحلل وتفكك.
فإلى جانب أي نظرة نقف؟
أنقف بجانب فرضية أو نظرية في أحسن الأحوال لم تثبت صحتها حتى الآن والتي يعارضها العديد من العلماء؟
أم نقف بجانب قانون علمي ثابت بآلاف التجارب المختبرية «كل جهاز مستعمل شاهد على صحة هذا القانون» والذي يقبله جميع العلماء دون أي استثناء؟
إذن ففرضية التطور تصادم العلم في صميمه، إذن لا يمكن حدوث أي تطور نحو الأفضل في عالم يسير في جميع فعالياته وحركاته وتبدلاته نحو التفكك والانحلال.
إذن فالتطور مستحيل من الناحية العلمية، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: 18).
[1] Th. Dobzhancky "Changing Man" : انظر –
Science vol. 155 no 3761, 1967 р. 40
[2] انظر: أساسيات الفيزياء، تأليف «ف بوش»، ترجمة الدكتور سعيد الجزيري، والدكتور محمد أمين سليمان صفحة ٣٢٨.
[3] الإنتروبيا: كلمة يونانية الأصل تعني الاتجاه أو الانكفاء نحو الداخل Turningnward.
[4] المصدر السابق صفحة ٢٥٢.
[5] Isaac Asimov: "Can Decreasing En: انظر tropy Exist In The Universe? Science Di- gest. May 1973, p. 67.
[6] المصدر السابق.
[7] Jermy Rifkin: "Entropy: A New : انظر world view" Newyork, viking press,
1980 р.6.