العنوان الفيتو الأمريكي والعجز العربي
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1995
مشاهدات 188
نشر في العدد 1151
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 30-مايو-1995
لأول مرة منذ خمس سنوات استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض
«الفيتو» في مجلس الأمن ضد مشروع قرار يعبر عن الأسف لقيام الحكومة الإسرائيلية
بمصادرة 53 هكتارًا من أراضي القدس الشرقية – ويطالب إسرائيل بإلغاء قرار
المصادرة، وقد انفردت الولايات المتحدة من بين جميع الدول الأعضاء في المجلس في
معارضة مشروع القرار، حيث أيدته الدول الأربع عشرة الأخرى الأعضاء في المجلس.
ويأتي الموقف الأمريكي الجديد ضمن سلسلة من المواقف والخطوات
والتوجهات الأمريكية التي تؤكد انحياز الإدارة الأمريكية الكامل لصالح الكيان
الصهيوني على حساب المصالح العربية والإسلامية، فقبل أيام تقدمت الأغلبية
الجمهورية التي تسيطر على الكونجرس الأمريكي بمشروع قرار يعترف بالقدس عاصمة
للكيان الصهيوني ويطالب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى مدينة القدس.
وخلال الأسابيع القليلة الماضية أعلن الرئيس الأمريكي أمام الكونجرس
اليهودي العالمي قرار فرض الحظر التجاري على إيران استجابة للضغوط الصهيونية
المتواصلة في هذا الاتجاه رغم معارضة المؤسسات الاقتصادية الأمريكية التي تضررت من
هذا القرار، ولم يؤيد الولايات المتحدة في قرار الحظر هذا أي من الدول الأوروبية
أو اليابان أو روسيا.
كما تواصل الإدارة الأمريكية تعزيز الترسانة العسكرية الإسرائيلية
وتمدها بالمعدات والأسلحة الهجومية والتجسسية المتطورة، وتؤكد باستمرار حرصها على
ضمان التفوق الإسرائيلي العسكري النوعي في المنطقة رغم أجواء السلام المزعومة، وفي
الوقت نفسه تواصل الإدارة الأمريكية انسياقها بشكل أعمى وراء حملة التحريض التي
يشنها الكيان الصهيوني ضد أي حركات أو توجهات إسلامية تحت شعار مقاومة الأصولية
والتطرف والإرهاب الإسلامي الذي تروج له الصهيونية كخطر وتهديد جديد بعد سقوط
الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفييتي.
وهذا الانحياز الأمريكي الصارخ لصالح الكيان الصهيوني، والذي برز بشكل
واضح خلال الفترة الحالية عبر استخدام «الفيتو» في مجلس الأمن، يرتبط بشكل مباشر
بحملة انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 1996م، حيث يتسابق كلا الحزبين الديمقراطي
والجمهوري على كسب ود ورضا الناخبين اليهود الأمريكيين الذين يشكلون ثقلاً
انتخابيًا منظمًا لا يستهان به في الولايات المتحدة فالتنافس على أشده بين زعماء
الحزب الجمهوري الذين يسيطرون على مجلس النواب والكونجرس الأمريكي وبين الرئيس
كلينتون وبقية زعماء الحزب الديمقراطي في إظهار مدى التأييد للمواقف الصهيونية
والارتهان للقرار الصهيوني، فالرئيس كلينتون وزعماء الحزب الجمهوري في الكونجرس
ومجلس النواب بوب دول ونيوت جنجريتش يدخلون هذه الأيام مزادًا علنيًا في تقديم
التعهدات أمام المؤسسات وجماعات الضغط الصهيونية كالكونجرس اليهودي العالمي،
وجمعية الإيباك اليهودية الأمريكية، ويتوقع لحالة التودد للصهاينة والارتهان
لقرارهم فيما يخص قضايا المنطقة أن تستمر خلال الفترة القادمة حتى الانتخابات
الأمريكية العام القادم، وبالتالي فإن على الأطراف العربية أن تتوقع المزيد من
الانحياز والتأييد الأمريكي للمواقف الإسرائيلية على جميع الأصعدة.
ونحن إذ نشير إلى أن تزايد التأييد الأمريكي للمواقف الإسرائيلية في
هذه المرحلة يرتبط بصورة مباشرة بانتخابات الرئاسة الأمريكية، فإن ذلك لا يعني
بالتأكيد أن هذا هو السبب الوحيد للتأييد الأمريكي للسياسة الصهيونية، وإنما هو
عامل مساعد يعزز هذا التأييد والانحياز، فالعلاقة الأمريكية – الإسرائيلية علاقة
استراتيجية وليس هناك ما يدعو الولايات المتحدة للتفكير في إعادة النظر في هذه
العلاقة في ظل حالة الضعف والعجز العربي والإسلامي.
وقد جاء الرد العربي على القرار الإسرائيلي بمصادرة أراضي القدس وعلى
استخدام الولايات المتحدة حق الفيتو، منسجمًا مع المواقف العربية الضعيفة السابقة
حيال القضايا المشابهة المتعلقة بالقضية الفلسطينية وبالحقوق العربية والإسلامية،
ولم يتجاوز الإدانة والاستنكار ورفع الشكوى إلى مجلس الأمن الدولي والدعوة إلى عقد
قمة مصغرة أو مكبرة، وربما يظن البعض أن القمة العربية المصغرة هي التي كانت وراء
موقف الحكومة الإسرائيلية بتعليق قرار مصادرة الأراضي في القدس الشرقية.
وحقيقة الأمر أن القرار الإسرائيلي لا يعدو كونه تأجيلًا لتنفيذ قرار
المصادرة إلى فترة قادمة، فالحكومة الإسرائيلية لم تلغ قرار المصادرة وإنما اكتفت
بتعليقه، وبالتالي فإن الحديث عن تراجع إسرائيلي وعن إنجازات عربية هو مجرد وهم
وخداع، كما أن السبب الحقيقي والمباشر الذي دفع رئيس الحكومة الإسرائيلية إسحاق
رابين لتعليق قرار المصادرة هو لتفادي اقتراح بحجب الثقة عن الحكومة الإسرائيلية
في حال إصرارها على قرار المصادرة، وتقدم باقتراح حجب الثقة في الكنيست الإسرائيلي
الحزب الديمقراطي العربي والحزب الشيوعي (حداش).
غضب إسرائيلي من الموقف الفرنسي
بخلاف ترحيبها بالفيتو الأمريكي وإشادتها بأن الولايات المتحدة «تصرفت
بشكل جيد»، فقد أعربت الحكومة الإسرائيلية عن انزعاجها الشديد لاستخدام ممثل فرنسا
في الأمم المتحدة تعبير «سلطات تل أبيب» أثناء مناقشة مجلس الأمن لموضوع مصادرة
الأراضي للإشارة إلى الحكومة الإسرائيلية على اعتبار أن هذا التعبير يتضمن إشارة
إلى أن فرنسا تعتبر تل أبيب وليس القدس عاصمة للكيان الصهيوني، وقد صرح الناطق
باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية «بأن من حق فرنسا ألا تعترف بالقدس كعاصمة
لإسرائيل إذا رغبت بذلك، ولكن ليس لها أن تقرر ما إذا كانت تل أبيب عاصمتها».
ويأتي هذا الموقف الفرنسي في سياق توجه المجموعة الأوروبية وفرنسا
بشكل خاص للعب دور نشط وأكثر فاعلية في المنطقة وعدم تركها حكرًا على الأمريكيين،
وقد وجه متحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية انتقادًا لاستخدام الفيتو، ضد المشروع
المقدم بخصوص مصادرة أراضي القدس، وعبر عن أسفه «لأن الولايات المتحدة لم تتمكن من
الانضمام إلى الأعضاء الآخرين في مجلس الأمن»، ومما يزيد انزعاج الحكومة
الإسرائيلية من الموقف الفرنسي الأخير أن هذا الموقف قد جاء بعد أيام من فوز
المرشح الديجولي جاك شيراك برئاسة فرنسا وتسلمه لمهام منصبه.
ومما يؤسف له أن هناك عجزًا عربيًا وإسلاميًا عن استغلال التناقضات
والخلافات التي تنشأ نتيجة تضارب المصالح بين بعض الأطراف الدولية فالقدرة على
استثمار التغييرات والتطورات على الساحة الدولية تحتاج إلى استعدادات ذاتية وقدرة
على التأثير في مجرى الأحداث، وهو ما تفتقده أمتنا في هذه المرحلة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل