العنوان الفيتو الأمريكي في قضية القدس يجدد «المواجع العربية»
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1995
مشاهدات 62
نشر في العدد 1151
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 30-مايو-1995
جدد الفيتو الأمريكي الأخير الذي منع مجلس الأمن الدولي من مجرد تناول
قضية مصادرة إسرائيل لأراضٍ عربية جديدة في القدس المحتلة، جدد هذا الفيتو وما
سبقه من سباق محموم بين السياسيين الأمريكيين لكسب رضا اليهود تحسبًا للانتخابات
الرئاسية العام القادم قضية العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية الخاصة وجدوى
التهافت العربي نحو الولايات المتحدة، بل وجدوى الدخول في مشروعات سلام عربية مع
إسرائيل، في ظل انحياز الشريك الكامل الأمريكي إليها.
والواقع أن الفيتو الأمريكي كان أمرًا متوقعًا، فما من قرار قدم إلى
مجلس الأمن خاص بإدانة إسرائيل إلا وعارضته الولايات المتحدة وأسقطته، والجديد هنا
أن هذا الفيتو هو الفيتو الأمريكي الأول منذ خمس سنوات الذي يصدر أثناء مناقشة
موضوع ما، وقبل أن يصل إلى مرحلة القرار، وهو أمر يعبر عن شدة الحرص على عدم
التعرض للحليف الإسرائيلي بأي إدانة، ويجهض حق المجتمع الدولي في مناقشة تصرفاته،
وقد كان الفيتو متوقعًا وبشدة في ضوء اعتبارين:
الأول: هو بدء السباق نحو انتخابات الرئاسة الأمريكية التي ستجري
العام القادم بما يعنيه ذلك من سعي المرشحين إلى كسب تأييد «إسرائيل» وجماعات
الضغط اليهودية التي تلعب دورًا مصيريًا في تحديد شخصية الرئيس القادم في البيت
الأبيض، وإذا أخذنا في الاعتبار الوعد الذي قطعه السيناتور بوب دول أقوى مرشحي
الحزب الجمهوري - حتى الآن - لمنافسة كلينتون على الرئاسة، بتحقيق العلم
الإسرائيلي الخاص بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس وتقديمه مشروع قانون بذلك إلى
الكونجرس، وفي المقابل استمرار تردد إدارة الرئيس كلينتون في إتمام عملية النقل،
إذا أخذنا في الاعتبار هذه المستجدات التي أظهرت كلينتون في مظهر المعارض لنقل
السفارة، فإن استخدامه للفيتو في موضوع مصادرة الأراضي في القدس كان فرصة جيدة
لإثبات إخلاصه لإسرائيل وتقليل خسائره الشخصية في موضوع السفارة وحتى يكون التأثير
قويًا لم ينتظر كلينتون انتهاء مناقشات مجلس الأمن لموضوع الأراضي وبادر باستباق
الأحداث بالفيتو.
أما الاعتبار الثاني: الذي جعل من الفيتو أمرًا متوقعًا وربما منطقيًا
فهو يتمثل في الثغرات العديدة التي حفل بها اتفاق إعلان المبادئ الإسرائيلي -
الفلسطيني، وحجم التنازلات التي قدمها الجانب الفلسطيني فيه، فقد حصر الإعلان
الاتفاق حول كل ما يتعلق بالقدس في المفاوضات المباشرة بين «إسرائيل» والسلطة
الوطنية الفلسطينية، وبذلك يصبح من المنطقي معارضة نقل الأمر إلى الأمم المتحدة
ومجلس الأمن، بعد أن تم إفراغه من محتواه الدولي، وهو ما أكدته مادلين أولبرايت -
مندوبة الولايات المتحدة الدائمة في مجلس الأمن بقولها: «إن حكومة الولايات
المتحدة لن تؤيد قرارًا دوليًا يقرر مسبقًا نتائج المفاوضات التي ستجرى حول القدس
ففي هذا تجاوز من مجلس الأمن لدوره كمساند - فقط - للمفاوضات».
وعلى هذا الأساس ووفقًا لتسليم الطرف الفلسطيني في إعلان المبادئ
بمبدأ المفاوضات المباشرة مع «إسرائيل» كسبيل وحيد لحل القضايا المعلقة، فإن مجلس
الأمن ليس له سلطة التدخل في هذه المفاوضات أو مراجعة الانتهاكات الإسرائيلية
للإعلان، حتى ولو صادرت جميع الأراضي العربية في القدس وليس 53 هكتارًا فقط.
بنود الاتفاق لا تمنع «إسرائيل» من مصادرة أراضي
القدس الشرقية وتؤيد منع مجلس الأمن من التدخل
وإلى جانب تلك الثغرة التي أخلت بين إسرائيل والفلسطينيين ولم ينتبه
إليها المفاوض الفلسطيني، أو انتبه إليها ومر عليها مرور الكرام ولم يعرها
اهتمامًا للتعجيل بالمصافحة التليفزيونية في البيت الأبيض بين رابين وعرفات، فإن
ثغرة ثانية تجعل من موقف الولايات المتحدة موقفًا منطقيًا في معارضتها لنقل موضوع
القدس إلى مجلس الأمن، وهي تسليم الجانب الفلسطيني في البند الخامس من اتفاقية
إعلان المبادئ بتأجيل التفاوض حول الوضع النهائي للقدس إلى وقت لاحق قبل مايو
(1996م)، دون النص على تثبيت الوضع الذي كانت عليه المدينة وقت توقيع الاتفاق وعدم
إدخال أي تغييرات عليه، وهو الأمر الذي يعطي سلطات الاحتلال حق التلاعب في هذا
الوضع بالشكل الذي تريده دون أن تكون قد أخلت بأسس الاتفاق طالما أن موعد التفاوض
حول القدس لم يحن بعد.
ومما سبق يتضح أن «إسرائيل» لم تنقض مبادئ الاتفاق عندما صادرت
الأراضي، وأن الولايات المتحدة لم تتجاوز سلطاتها الدولية عندما منعت إقحام مجلس
الأمن في الموضوع، والفضل في ذلك يعود إلى البراعة الإسرائيلية في صياغة بنود
الإعلان التي قابلها غفلة أو تغافل فلسطيني عن حقيقة مضمون هذه البنود واحتمالات
إساءة تفسيرها واستخدامها.
مستقبل مجهول
وإذا تجاوزنا المبررات المنطقية للفيتو الأمريكي وحتميته في هذا
التوقيت فإن الأمر الذي يطرح نفسه ويتعدى حدود الفيتو هو مستقبل مدينة القدس بعد
إلغاء أي دور خارجي في تقريره.
لقد أصبحت القدس القضية، أقرب ما تكون إلى شأن داخلي، إسرائيلي لا
يمكن الاقتراب منه حتى يحين موعد التفاوض حولها في المستقبل، وهو مستقبل - كما يرى
بعض المراقبين - غير منظور، على الأقل في الفترة الحالية، خاصة إذا علمنا أن
الموعد لبدء التفاوض الثنائي حولها (مايو 1996م) هو موعد مقترح وليس ملزمًا، إذ
يجب أن يكون قد سبقه الاتفاق على قضايا أخرى لم يتم تناولها حتى الآن.
الجهود العربية لم تثمر وأصدقاء أمريكا صامتون
هذا الشأن الداخلي، الذي يتمتع بحماية أمريكية خاصة يفسح المجال أمام
سلطات الاحتلال لتغيير معالم المدينة المقدسة ومصادرة الأراضي العربية فيها، لتصبح
مدينة يهودية قلبًا وقالبًا، وحتى إذا عقدت مفاوضات حولها فماذا يمكن أن تقدمه هذه
المفاوضات مع ثبات الموقف الإسرائيلي الذي يرى في القدس عاصمة أبدية وغير مقسمة
لإسرائيل؟ وهو تقريبًا الموقف الأمريكي الذي عبر عنه «دول» في تشريعه الخاص بنقل
السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس وعبر عنه الرئيس كلينتون في لقائه مع
إسحاق رابين الأسبوع قبل الماضي بقوله: «إنني أنظر إلى القدس كمدينة غير مقسمة
وعاصمة أبدية لإسرائيل» ماذا يمكن أن تقدم المفاوضات في ظل هذه التأكيدات على عدم
تقسيم القدس إلى جزأين (عربي وإسرائيلي)؟ وما فائدتها - أي المفاوضات - إذا ظلت
عاصمة موحدة لدولة إسرائيل، وأي أمل هذا الذي تعيش عليه السلطة الوطنية الفلسطينية
للحصول على الحق العربي في المدينة المقدسة؟
غياب الدور العربي لماذا؟
إن «القدس» في الواقع ليست قضية الفلسطينيين وحدهم وإنما قضية أكثر من
مليار مسلم، وما كان للمفاوض الفلسطيني أن يضعها بندًا في الاتفاق الثنائي مع
غاصبها ومحتلها، وينقلها من محيطها الواسع الإسلامي والعربي إلى محيط ضيق، ومع ذلك
يبقى السؤال: هل من دور عربي أو إسلامي لتصحيح الخطأ الفلسطيني الذي نعتقد أنه لم
يكن مقصودًا؟
لقد سارعت الدول العربية إلى استنكار القرار الإسرائيلي بمصادرة أراضٍ
في القدس، وقامت مجموعة الدول الإسلامية في الأمم المتحدة بعرض الأمر على مجلس
الأمن مطالبة باتخاذ خطوات عاجلة لوقف عملية المصادرة، وإصدار قرار يشجب إسرائيل
لمصادرتها الأراضي خلافًا لأحكام معاهدة جنيف الرابعة، ويطالب بإلغاء أوامر
وترتيبات المصادرة، وأبدت هذه الدول اعتراضها بعد ذلك على الفيتو الأمريكي، ثم
هدأت الأمور ثانية، وصمت الصوت العربي، ولم يأت الاستنكار والشجب - كالعادة - بأي
نتيجة، فلا إسرائيل تراجعت عن قرار المصادرة، ولا أمريكا تراجعت عن الفيتو، وضاعت
الصرخات العربية حول القدس أدراج الرياح.
وللمرة الألف أو المليون نسأل أنفسنا السؤال القديم والمحير عن سر
الحب والتدليل الأمريكي لإسرائيل في مقابل تجاهل العرب والضرب بآرائهم عرض الحائط،
رغم أن ما يقدمونه - أو بالأصح تقدمه بعض الأنظمة العربية - من فروض الولاء
والطاعة المقترنة بعقود تجارية بالبلايين مع الشركات الأمريكية، يفوق بمراحل ما
تقدمه «إسرائيل»، وقد بذلت تلك الأنظمة الغالي والرخيص وقدمت من التنازلات ما لا
يمكن تصوره للحصول على الصداقة الأمريكية، فهرولت إلى توقيع اتفاقات سلام غير
عادلة مع إسرائيل، وتواصل ضرب التيار الإسلامي بشدة للحفاظ على الصداقة، وفتحت
أراضيها للمناورات العسكرية المشتركة وغير المشتركة، وجعلت من نفسها مخزنًا للسلاح
الأمريكي، ومع ذلك فإن الصديق الأمريكي لا يعترف إلا بإسرائيل حليفًا استراتيجيًا
له ولا يقيم وزنًا للأصدقاء العرب.
هذا السؤال الحائر حول وضع وتأثير العرب واليهود في السياسة الأمريكية
وإجابته المحزنة تفسر إلى حد كبير لماذا استخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو في
قضية تعلم مدى حساسيتها للمسلمين والعرب - إن كان قد بقي لديهم حساسية لشيء، فلو
كانت تعلم أن المليار مسلم الغاضبين من أجل القدس لهم ما يمثلهم بقوة مثلما يفعل
الـ 15 مليون يهودي، لما ضربت الشعور الإسلامي بهذا الفيتو كما تفسر لماذا يحرص
المسؤولون الأمريكيون على شراء ود اليهود، وكله ود يأتي دائمًا على حساب العرب
والمسلمين.
اللوبي اليهودي وديمقراطية جماعات الضغط
تعني كلمة لوبي «LOBBY» في
اللغة الردهة الأمامية في الفندق والتي توجد عادة أمام مكتب الاستقبال.. وتطلق في
بريطانيا على الردهة (الصالة) الكبرى في مجلس العموم، وفي أمريكا على ردهة مجلس
الشيوخ، وهو المكان الذي يلتقي فيه النواب والشيوخ مع أصحاب المصالح من ناخبيهم
وغيرهم.
وتطلق الكلمة مجازًا على جماعات الضغط التي يجلس ممثلوها في الردهة
الكبرى للمجلس التشريعي للحديث مع النواب ومحاولة التأثير عليهم وإقناعهم بالدفاع
عن مصالحهم، ويعرف «اللوبي»، في القاموس السياسي الأمريكي بأنه مجموعة منظمة من
الناس تمثل مصالح معينة.
ويوجد في الولايات المتحدة أكثر من لوبي مثل اللوبي اليوناني واللوبي
الإيرلندي، واللوبي الكاثوليكي، ولوبي شركات البترول، ولوبي منتجي الألبان، ولوبي
منتجي البيض، ولوبي العجائز، وحتى مزارعي البطاطا.
وقد اكتسبت جماعات الضغط - كما يقول د. عبد الوهاب المسيري (1991م)،
أهمية كبيرة في النظام السياسي الأمريكي الذي أصبح يسمى بديمقراطية جماعات الضغط،
إذ إنه لم يعد نظامًا ديمقراطيًا تقليديًا يعبر عن مصالح الناخبين مباشرة، وإنما
أصبح نظامًا يعبر عن مقدار الضغوط التي يمكن للجماعات أن تمارسها على المشرعين
والتنفيذيين الأمريكيين لتحديد قرارهم بخصوص قضية ما، وتضم السجلات الأمريكية
الرسمية في واشنطن قوائم بأسماء الآلاف من تلك المجموعات التي تهتم بمختلف
القضايا.
ويمثل اللوبي اليهودي أحد أكبر وأقوى اللوبيات في أمريكا، وتتحدد
مهمته في الضغط بكل السبل على رجال الكونجرس ورجال الإدارة لتأييد ودعم دولة
إسرائيل وضمان التزام الولايات المتحدة المستمر بتعهدها الثابت بضمان أمن ورفاهية
«إسرائيل».
ويسيطر اللوبي اليهودي على مراكز حساسة في الإدارة الأمريكية خاصة في
الإدارات السيادية كالخارجية والدفاع والمخابرات المركزية، ويشتري دعم وولاء نواب
الكونجرس سواء بالمال أو الوظائف أو الدعم في الانتخابات وفي الإعلام، كما يسيطر
على عدد كبير من الصحف القومية ومحطات التليفزيون ويوجهها لخدمة أهدافه.
ويضم اللوبي عددًا من الجمعيات والمنظمات الصهيونية، أهمها المؤتمر
اليهودي وهو مؤتمر رؤساء كبرى المنظمات اليهودية، ولجنة الشئون العامة الإسرائيلية
- الأمريكية المعروفة اختصارًا باسم «إيباك» AIPAC، والأخيرة تضم أكثر من 50 ألف عضو منتشرين في جميع أنحاء الولايات
المتحدة، وتعد أقوى الجماعات اليهودية وأكثرها تأثيرًا.
ورغم أن أعضاء هذه الجماعات من الأمريكيين اليهود، إلا أن مصلحة
«إسرائيل» هي التي تأتي أولًا، وتقدم - في حالة التعارض - على المصلحة الأمريكية،
ويدعم عملها جمعية خاصة تسمى «جمعية النداء اليهودي المتحد» وتتولى جمع التبرعات
السنوية من اليهود الأمريكيين وغيرهم لإرسالها إلى «إسرائيل»، لإقامة المستوطنات
لاستيعاب المزيد من المهاجرين.
يتحكم اللوبي الصهيوني في تحديد شخصية الرئيس الأمريكي عن طريق تمثيل
اليهود - بقصد – لـ 76% من المجمع الانتخابي، فإذا كان انتخاب الرئيس الأمريكي يتم
عن طريق مجموع أصوات المجمع الانتخابي، وليس بمجموع الأصوات الشعبية، فإن 76% من
اليهود يعيشون في المدن المؤثرة والتي إذا فاز أحد المرشحين بنسبة 51% من أصواتها،
كسب جميع أصوات الهيئة الانتخابية في الولاية.
وبسبب تمركزهم في الولايات المؤثرة مثل نيويورك وبنسلفانيا وإلينوي
وأوهايو وفلوريدا فإنهم يسيطرون على أكثر من نصف أصوات المجمع الانتخابي (181
صوتًا من مجموع 270 صوتًا)، وبالتالي يتحكم اليهود في مصير مرشحي الرئاسة الذين
يتسابقون لإرضاء «إسرائيل» تبعًا لذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل