; الفهم المخدوش+ التدين المغشوش= فقه الهزيمة + ثقافة الكسل. | مجلة المجتمع

العنوان الفهم المخدوش+ التدين المغشوش= فقه الهزيمة + ثقافة الكسل.

الكاتب النذير المصمودي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يونيو-1998

مشاهدات 90

نشر في العدد 1305

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 23-يونيو-1998

دار بيني وبين أحد النماذج المعلولة من المسلمين حوار مزعج، ملكت فيه نفسي، وأطلت صبري «على غير عادتي» لأقنعه بأن عرضه للإسلام بالطريقة التي سمعتها تسيء إلى حاضر الإسلام ومستقبله، ولا تخدمه بمثقال حبة من خردل، لقد ظل أكثر من نحو ساعتين يغريني بالاستسلام للشر، واليأس من ترجيح كفة الخير؛ لأن الظلام الذي نحن فيه والظلام المقبل قدر لا مهرب منه، وروى في ذلك أحاديث نبوية شريفة مقطوعة عن ملابساتها القريبة، فظهرت وكأنها تقرر أن الإسلام يقاتل في معركة انسحاب يخسر فيها على امتداد الزمن أكثر مما ربح.

قال: إن حديث «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء»، حديث صحيح الرواية سندًا، لا يحتاج فهم متنه إلى تأويل.

قلت: إن بعض العلماء على رأي أن الحديث يشير إلى الأزمات التي سوف يواجهها الحق في مسيرته الطويلة، وليس معنى الغربة الانزواء والانطواء وانتظار قيام الساعة، إنما هي جهاد قائم دائم حتى تتغير الظروف الرديئة، ويلقى الدين حظوظًا أفضل، وقد جاء في بعض روايات الحديث طوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي».

قال: هذا تأويل غير صحيح، والغربة هي الغربة، وعلينا أن نستكين للأفول الذي لا محيص عنه، ثم ذكر حديث أنس بن مالك الذي رواه البخاري عن الزبير بن عدي قال: «شكونا إلى أنس بن مالك ما تلقى من الحجاج، فقال: اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم سمعته من نبيكم».

قلت: إن القضية التي أفتى فيها أنس محدودة، ولا يجوز أن تتحول إلى مبدأ قانوني يحكم الأجيال، إن أنس بن مالك أشرف دينًا من أن يمالئ الحجاج أو يقبل مظالمه، ولكنه أرحم من أن يزج بالأتقياء والشجعان في مغامرات فردية تأتي عليهم، ويبقى الحجاج بعدها راسخًا مكينًا، ولعله يقصد بهذا الحديث منع الخروج المسلح على الدولة بالطريقة التي شاعت في عهده ومن بعده، فمزقت شمل الأمة، ولم تنل المبطلين بأذى يذكر هذا ما قاله الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله.

قال -وهو ينتفض-: الغزالي ليس حجة، وتأويله مردود عليه.

قلت -في هدوء-: والقرآن الكريم أليس حجة؟ لقد كشف القرآن أن الإسلام سوف يظهر على الدين كله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ(سورة الصف: 9) وأن الذين تحملوا المعاناة من أجله سوف يذوقون النصر والأمانَ: أُخرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصر مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتح قَرِيب وَبَشِّرِ ٱلمُؤمِنِينَ (سورة الصف: 13).

ثم قلت لصديقي: لو أن هذا الفهم المريض تسرب إلى طارق بن زياد وصلاح الدين الأيوبي وسيف الدين قطز، وغيرهم من أبطال الإسلام في القرون المتأخرة- لما فكر أحدهم في فتح الأندلس، أو استنقاذ بيت المقدس من الصليبيين القدامى، أو دحر التتار في عين جالوت.

 ثم قلت لهذا المعلول: إذا كنت مهزومًا في نفسك، ذاهلًا عن المكانة التي منحك الإسلام إياها، أو هابطًا عن المستوى الذي شدك إليه دين عظيم؛ فلا تعمل على إشاعة «فقه الهزيمة» بين أبناء الأمة، فإن الإسلام سلخ من تاريخه المديد أكثر من أربعة عشر قرنًا، وسيبقى على ظهر الأرض ما شاء الله أن يبقى، وسيخرج من محنته منتصرًا، ولعله يستأنف زحفه الطهور بإقلاع حضاري قوي، فيضم إلى أرضه أرضًا، وإلى رجاله رجالًا، وستحرم أنت من هذا الشرف؛ لأنك أعجز من أن تعيد مجدًا تهدم، أو ترد عدوًا توغل.

قلت الصديق حضر الحوار: إن هذا الفهم السقيم جريمة مخلة، تمهد لانهيار المقاومة في النفوس المؤمنة، ومرور العدوان الباغي دون رغبة في جهاد أو أمل في استشهاد، وأسباب هذا الفهم السقيم التثاقل إلى الأرض والتخاذل عن الواجب والإزورار عن إدارة الحياة على محور من الشرف والاستقامة، وهي ذات الأسباب التي أخرجتنا من الأندلس مطرودين، وأخرجتنا من بيت المقدس مهزومين بعد أن قتلت خصائصنا النفسية في حياتنا العامة، وشغلتنا عن المعاني السامية التي جاء الإسلام يعلي رايتها، وهل ينتج ذلك إلا صياغة أجيال في قوالب تجعلها صالحة للكسل والغباء، تنمو وهي تبحث عن الخلود إلى الأرض، ثم تبحث عما يبرر انهيارها بعيدًا عن التفكير الراشد والفهم الصحيح.

إن الفتن التي حدثنا عنها صاحبنا والتي طال تحذير الإسلام منها، لا أشك في وقوعها، وتبصير الناس بها لا يعني تفهيمهم أن الظلم يبقى إلى قيام الساعة، وأن الاستكانة الظالمة سنة ماضية إلى الأبد، وأن علينا أن ننزوي في بيوتنا، ونستكين للأفول الذي لا محيص عنه.

إن الرسول الكريم عندما يأمرنا بالصبر واعتزال الفتن لا ينهي واجبنا عند هذا الحد، بل يجعل الجهاد في سبيل الله والإقبال على تغيير أنفسنا وواقعنا من أشرف الواجبات وأوكدها، وحراسة الحق أرفع العبادات أجرًا.

 إن العالم الرحب من حولنا عارم القوى الأدبية والمادية، والمعتدون لم ييأسوا بعد من طول الاشتباك معنا، فهم ما يزالون يحفرون القبور التي تطوينا، وإشاعة فقه «النصر» بين الأجيال تمهيد واجب للمعركة القادمة، وأثر محتوم للنصر الآتي بإذن الله.

أما يوم ينتهي الإسلام من هذه الدنيا فلن تكون هذه دنيا؛ لأن الشمس ستنطفئ والحصاد الأخير سيطوي العالم أجمع، وأعود لأقول: إن مجال الدعوة إلى الله ينبغي أن يتنحى عنه أصحاب العقد النفسية، فإن الدعوة «عقل ذكي» يأبى «الدروشة»، و«قلب نقي» يعلو على الأهواء، وأي عمل بغير الذكاء والنقاء عمل يفيد العدو ويضر الصديق في هذه المرحلة النكدة من تاريخ المسلمين.

وإشاعة «فقه الهزيمة» بين الأجيال عمل يتم لحساب "إسرائيل"، فإن الأجيال التي تنشأ في ظل الكسل الأعمى عديمة الكرامة قليلة الشرف، محبطة العزيمة، تحيا في فراغ ومجون مدمرين، لا تبقى معهما رسالة ولا هدف، وعلى شرفاء الأمة ومصلحيها عبء ثقيل لحماية حاضر الإسلام ومستقبله، وشق طريق رسالته صعدًا نحو المعالي والانتصار.

(*)مدير تحرير مجلة المنار - الكويت

الرابط المختصر :