; الفن العربي مغيب عن الأحداث ولا يعيش قضايا الأمة | مجلة المجتمع

العنوان الفن العربي مغيب عن الأحداث ولا يعيش قضايا الأمة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 10-سبتمبر-2005

مشاهدات 145

نشر في العدد 1668

نشر في الصفحة 58

السبت 10-سبتمبر-2005

 الفيديو كليب العاري والمسلسلات والأفلام الهابطة تمولها جهات مشبوهة 

الفنان أصبح وسيلة للإلهاء والتسلية في وقت تتعرض فيه الأمة للغزو

كفانا خوفًا وسلبية وتهميشًا فقد عشنا ٥٥ عامًا تحت حكم عسكري ونظم شمولية أناشد الشباب أن يهتموا بالبحث في انتماءاتهم الفكرية

ما يدعو للعجب والاستنكار الشديد أن الفن العربي تحت مستوى الحدث فمن غير المعقول أننا نعيش على أرض واحدة وشعوب واحدة يهددها الخطر وترى الأشلاء والجثث والضحايا والشهداء في شريط الأخبار على شاشة التلفاز، وبضغطة واحدة ترى محطة فضائية أخرى وتشاهد أو ترى أعمالًا فنية أشد فتكًا بالهوية والعقل والوجدان العربي والإسلامي من الأسلحة التي قتلت هؤلاء.

فلو جاء إلينا باحث مهتم بالشؤون العربية وعمل حصرًا ودراسة لما يبث في التليفزيون العربي فماذا يقول عنا؟

بالتأكيد سيقول: إن هؤلاء الناس إما مغيبون أو مخدرون أو هناك قوة خفية تحكمهم وتمنعهم من التعبير عن أنفسهم وعن واقعهم المرير.

 فالفن ضمير الأمة وهذا الضمير. للأسف. نائم، لأنه لو كان حيًا لكانت جل أعمالنا تحكي سير هؤلاء الشهداء من عبد القادر الحسيني إلى أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي مرورًا بيحيى عياش وجمال منصور وأبو علي مصطفى وغيرهم، فالسجل حافل وهذا هو دور الفن في هذه اللحظة الراهنة، التي يحدق فيها الخطر بمصير الأمة ومصير الإنسان العربي، فلماذا هذا التغييب والتهميش والإبعاد - والمصادرة؟ ولصالح من؟

خلاصة التجربة

الحمد لله عمر تجربتي الفنية منذ تخرجت من المعهد العالي للفنون المسرحية عام ١٩٦٧م وحتى الآن يقارب 1 الأربعين خرجت منها بأهم الدروس وهو انتمائي الذي لم أفرط فيه إطلاقًا والذي. لن يستطيع أحد أن ينزعه مني والذي اعتبره المؤشر أو البوصلة التي تحدد -اتجاه أعمالي الفنية وعلاقاتي الأسرية وتفاعلاتي الاجتماعية مع الوسط وأهلي وجمهوري، فأنا ابن مجتمع إسلامي وعربي هذا الانتماء جعلني أفكر في كل ما أتلقاه من معارف وما أفرزه من إبداعات حتى تقدم للجمهور في صورة نقية لا تسبب له الإعياء الخلقي.

الارتقاء بالفن

إذن فلابد أن ترتقي بالفن ليؤدي رسالة سامية أكثر احترامًا من هذا الزخم العاري والارتقاء هنا يتم على أكثر من مستوى من الأسرة إلى المدرسة ثم المعاهد العليا والكليات والمعاهد المتخصصة في الفن، ولابد من مواد تراعي التراث العربي وتكون على مستوى التطور الحادث في عصر المعلوماتية وتدريس علوم الإلقاء، كذا يمكن أن نرتقي بالفن عن طريق ترقية النقد الفني وتخليصه من الأغراض والنوازع الشخصية. 

والفنان أيضًا يقع على عاتق الدور الأكبر في هذا الارتقاء، إذ لابد أن يعرف الفنان من

اين جاء وإلى من ينتمي؟ فإذا كان ينتمي إلى هذا المجتمع الذي تربى ويعيش فيه، فبالضرورة لابد أن يكون عنصرًا بناء لا هدامًا خصوصًا أن البث التلفزيوني أصبح تأثيره منتشرًا وواسعًا، ولو كانت الرسالة المنبعثة من هذا البث سلبية فسوف تكون آثارها خطيرة ومدمرة على الصبية والشباب والشيبة.

وضروري جدًا أيضًا أن أذكر أن الأعمال التي تقدم لا تتم بشكل عشوائي أو ارتجالي أو عضوي، خصوصًا ونحن نتحدث عن مجال الإعلام والأعمال الحالية أمثال الفيديو كليب العاري والمسلسلات والأفلام الهابطة كل هذه الأعمال تحركها أصابع سود وتمولها جهات مشبوهة، وإذا ما أخضعنا هذه الأعمال للتقييم الفني والثقافي فسوف نجد ان تأثيرها بالغ الخطورة على الشباب، فهي تعمل على تغييب الوعي وإلهاء العقول وميوعة النفس وميتة القلب وإهدار القيم بحيث لو وقعت الواقعة في يوم من الأيام في المستقبل وبحثنا عن الشباب الذي يحمل السلاح، فسوف نجده مسخًا مشوهًا فاقدًا للهوية والانتماء لا يقوى على حمل السلاح وهذا هو النموذج الذي يتجاوب مع الاحتلال. يؤدي ما يوكل إليه من مهام ويكون طيعًا في خدمة المستعمر.

والفنان أيضًا أصبح وسيلة للإلهاء والتسلية وهو ما يناقض الوقت الذي نعيش فيه، فعصرنا ليس عصر اللهو والتسلية، بل الأمة في حاجة إلى جمع كل قواها لمواجهة العدوان الثقافي والعسكري الكاسح عليها فالفنان لابد أن ينزل على متطلبات الوقت ويشارك، وأنا أدعو وأقول: كفانا خوفًا وسلبية وتهميشًا وإبعادًا لقد عشنا ٥٥ عامًا تحت الحكم العسكري والنظم الشمولية تحكمنا وتنتشر كالسرطان في العالم العربي دون سواه من العوالم الأخرى.

هذه دعوة لجميع للفنانين وللشعب كي يكسروا حاجز الخوف ويشاركوا في العمل العام، لأنه لو فات الأوان فسوف ندفع جميعًا ثمن التقاعس والهروب والتقوقع والسلبية، والذي سيدفع الثمن مضاعفًا هم الأجيال القادمة.

حركه من أجل من نظيف

معظم الفنانين وليس كلهم يهتمون بأنفسهم وبصعودهم درجات السلم وبسرعة حيث يكونون تحت بؤرة الضوء وهم بالتأكيد يفاضلون ما بين وجودهم وبين الجماهير وهو الأمر الذي يعنى انفلات البساط الإعلامي من تحت أرجلهم وارتفاع التكلفة من منظورهم الشخصي، وبالتالي فإنهم ينحازون إلى الأضواء التي تسيطر عليها وزارات الإعلام في العالم العربي بأكمله ومن هنا فكل المنابر والمنصات وأجهزة البث تحت سيطرة النظم الحاكمة، فلماذا يخاطب الفنان الجماهير إذن وينحاز إليها ويناضل في صفها إلا إذا كان يؤمن إيمانًا عميقًا لا يتزعزع بدوره وما تتمناه منه الجماهير وهي ولاشك وفى هذا العصر - معادلة صعبة.

إذ كيف يكون الفنان بين الجماهير يعبر عن تطلعاتهم وأمانيهم وفي نفس الوقت يكون تحت الأضواء التي تملكها الحكومات، ولكن هناك أوقاتًا أو فترات في حياة كل أمة يجب أن يتحدد فيها الاختيار وأن يتضح الانتماء وهذا ما نناشد به كل فنان أن يضع يده في يد زميله ليقفا مع الأمة ولا يكونا أدوات تحركها الأصابع المشبوهة. فعلى سبيل المثال في أمريكا اللاتينية هناك فنانون كبار ملء السمع والبصر على مستوى العالم كله نظموا. تكتلات ووقفوا في مواجهة الطغيان في الأرجنتين وشيلي وبوليفيا والبرازيل أما نحن، والقول ينطبق على الفنانين - فنعيش حالة من الاستلاب الحضاري. 

والتكتل هنا لابد أن يكون نابعًا من وسط وقلب الجماهير على شكل جماعات أو جمعيات المقاطعة الفن الرديء وتحليله ونقده وكشفه والعزوف عن مشاهدة أعمال فنية يقوم بها فنانون يتعالون على الجمهور ويجملون وجه السلطة القبيح التي دأبت على قمع الجماهير، وأنا أدعو إلى تكتل فني أو حركة من أجل من نظيف خال من الإباحية المزمنة، فن يتصدى للعري والانحلال الذي تموج به الشاشة الفضية والذي يهاجم أولادنا في عقر دارهم الذين هم معقد الرجاء في مواجهة العدو المتربص بهم وبنا الدوائر وتكون مهمة هؤلاء الفنانين المشاركين في الحركة تحذير الجمهور ومقاطعة أعمال هؤلاء الفئة من الفنانين الذين يروجون للإباحية والتخدير العقلي.

رؤية للجمهور

بالاحتكاك المباشر واستطلاع آراء الناس نجد أن هناك شرائح واسعة من الجماهير تمتلك من الوعي والحس الفنيين ما يفوق بعض النقاد والمتخصصين ويقومون بعمل فرز لكل الوجوه التي تطل عليهم من الشاشة، أما القطاع الآخر من الناس فيدرك ويحس ولكن ينطبق عليه المثل الشعبي أذن من طين وأذن من عجين لدرجة أن المشاهدين الآن وصلوا إلى حالة من اللا إدراك الحقيقي، الأمر الذي جعلهم لا يعرفون التمييز بين الحكام والسياسيين ووجوه الفنانين، وإذا سألتهم يكون الجواب

مش كله جاي من الشاشة.

أنا أرى أن السبب الرئيس وراء هذه الحالة هو تحول هذا الصندوق الفضي إلى بوق للسلطة ونفاقها والنتيجة حدوث خلط كل الوجوه التي تصدر إلى الجمهور.

 نصيحة

أقول للشباب والفتيات المنبهرين بالفن والفنانات: إن الفن مثله كمثل أية ظاهرة أو مهنة لها مظهر ولها جوهر والجوهر هنا هو الموهبة والثقافة والدراسة والانتماء وهو الذي يحدد الملامح الخارجية التي ترتسم على المظهر الخارجي وتؤصل لثقافته وفكره فإذا كان هذا الداخل معدنه أصيلًا ونقيًا فسوف يكون المظهر مشرفًا إن شاء الله، أما إذا لم يكن هناك جوهر فسيكون الفنان مجرد مسخ لا طعم له ولا لون ولا رائحة ولا قيمة لأدائه.

إنني أناشد الشباب أن يهتموا بالبحث في انتماءاتهم الفكرية وأسأل إلى من تنتم أيها الشاب وأيتها الفتاة؟ فأنت ستكون صادقًا إذا كان انتماؤك صادقًا.

طابور خامس

كلما تقدمت جحافل الاستعمار تحدث عملية فرز بين أبناء الوطن الواحد، وما نحن فيه الآن هو أن الاستعمار يتقدم على الأرض بالقوة العسكرية المسلحة فهذه أعلى مراحل الفرز، فمن مع الاستعمار ومن سيظهر على أنه رأس حربة؟ أما من في خندق المقاومة فسيظل يقاوم حتى ينتصر أو ينال الشهادة لكن قبل الوصول إلى هذه المرحلة تشاهد ونلمس تحضيرًا يتمثل في مراكز الأبحاث وبعض المعاهد والأنشطة الفكرية والثقافية المشبوهة من خلال السفارات الأجنبية ثم بعض كتاب المقالات الصحفية والمتحدثين في البرامج التلفزيونية وعلى الفضائيات وعلى مستوى الأدب أيضًا هذه الأنشطة وهذا السيل من الأعمال المسفة والمنحلة تجسد دور الطابور الخامس قبل الغزو هذا هو الواقع المرير الذي نعيشه للأسف الشديد والذي ينطبق على الفن أيضًا.

في الحلقة القادمة الفنان سامي يوسف

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 582

98

الثلاثاء 10-أغسطس-1982

ثقافة: (العدد 582)