; أسبوع أكثر دموية في العراق- الفلوجة شاهد جديد على مأساة العراقيين تحت الاحتلال | مجلة المجتمع

العنوان أسبوع أكثر دموية في العراق- الفلوجة شاهد جديد على مأساة العراقيين تحت الاحتلال

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 17-أبريل-2004

مشاهدات 98

نشر في العدد 1597

نشر في الصفحة 20

السبت 17-أبريل-2004

كان الأسبوع الماضي هو الأكثر دموية في المدن العراقية المختلفة من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، حيث لم تتوقف الاشتباكات مع قوات الاحتلال الأمريكي.. في بغداد والرمادي وكركوك والنجف وكربلاء الموصل والكوت وغيرها، لكن أكثرها ضراوة كان في مدينة الفلوجة التي تحولت إلى مدينة مدمرة ومنكوبة من جراء القصف الأمريكي المكثف بطائرات إف ١٦ التي حولت أجزاء من المدينة إلى رماد وعائلات بأكملها إلى أشلاء. وقد أضافت هذه المدينة العراقية بذلك شاهدًا جديدًا على المعاناة الكبرى التي يعيشها الشعب العراقي منذ مقدم قوات الاحتلال وسقوط الطاغية صدام حسين.

وقد تابع العالم على مدى ستة أيام مأساة تلك المدينة بأطفالها ونسائها ومبانيها، وفي نفس الوقت تابع العالم مدى تضحية أهلها في الدفاع عنها ؛ حتى اعترف كولن باول وزير الخارجية بذلك، معبرًا عن صعوبة موقف القوات الأمريكية هناك.

القصف الجوي العنيف الذي تعرضت له المدينة استخدمت فيه القنابل العنقودية التي دكت المدينة، وأسقطت ما يزيد عن ألف وخمسمائة شخص بين شهيد ومصاب، وقد راح ضحية القصف عائلات بأكملها.

 وفي المقابل أسقطت المقاومة ثلاث طائرات هيلوكوبتر، وقتلت على امتداد نقاط القتال أكثر من ثلاثين قتيلاً وجريحًا من قوات التحالف كما تم اختطاف ثلاثة عشر يابانيًّا وكنديًّا.

وقد أسقطت المقاومة طائرة استطلاع بريطانية في منطقة الماجدية بمحافظة العمارة حيث دارت معارك حول موقع سقوط الطائرة.

هذا في الوقت الذي توالت فيه الانفجارات في مناطق الاشتباكات منها سنة انفجارات هزت شارع حيفا في وسط بغداد ليلًا دون معرفة سببها، حين كانت الاشتباكات على أشدها في بغداد بين القوات الأمريكية ومسلحين في حي الأعظمية ومنطقة اليرموك، حيث قتل جنديان أمريكيان.

 كان الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر قد أعلن أن عددًا من أهالي الفلوجة أبلغوا القوات الأمريكية أنهم يعرفون هوية من مثلوا بجثث الأمريكيين الأربعة، ولكنهم لن يسلموا إلى قوات الاحتلال.

وقد دعا عضو مجلس الحكم الانتقالي الشيخ غازي العجيل الياور أهالي الفلوجة إلى تسليم من قاموا بالتمثيل بحثك الأمريكيين قبل أسبوعين، لكن أحدًا لم يستجب له وتواصلت المقاومة من جانب، ودك الطائرات الأمريكية من جانب آخر.

وقد ولدت الأحداث الدامية صورة نادرة من التعاون والوحدة بين المسلمين السنة والشيعة، حيث قام المسلمون من الطائفتين بصلاة الجمعة في مسجد واحد لأول مرة في بغداد والبصرة. وأعلنت هيئة علماء المسلمين في العراق تعليق كل الاتصالات مع الأمم المتحدة، إذ إنها لم تندد بوضوح الحصار والعمليات العسكرية في الفلوجة ومدن عراقية أخرى، ودعت الهيئة في مؤتمر صحفي في بغداد إلى الإضراب في جميع أنحاء العراق حتى رفع الحصار عن المدن وإنهاء العمليات العسكرية، كما دعت إلى الاعتصام في المساجد احتجاجًا على ما تقوم به قوات الاحتلال.

وقالت المتحدثة باسم الصليب الأحمر في بغداد: إن الصليب الأحمر سلم ١.٥ طن من الأدوية إلى ثلاثة مستوصفات ميدانية، وصلت إلى المدينة منذ بدء العملية العسكرية الأمريكية فيها؛ بهدف تقديم العلاج للجرحى لكن عائلات بأكملها لم تتمكن من الخروج من المدينة.

خلال تلك الأحداث قام الحزب الإسلامي بمساعٍ لوقف القتال ورفع الحصار عن المدينة، وإدخال المواد الطبية والإغاثية، وتمكنت مساعي الحزب من التوصل إلى هدنة بين المقاومة والقوات الأمريكية، الأمر الذي حال دون وقوع كارثة إنسانية فيها حيث انتشر مئات الجرحي دون علاج.

وفي واشنطن انتقد توم داشل زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ سياسة الرئيس جورج بوش في العراق، وقال: إن الأمريكيين صدموا بالأخبار الواردة من العراق، واصفًا التطورات الأخيرة فيه أنها مأساة وطنية للشعب الأمريكي.

غير أن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد قال: إن هناك خططًا عسكرية لقوات الاحتلال لمواجهة الموقف المتوتر في المدن العراقية، وأضاف: أن عدد القوات الأمريكية سوف يزداد في الأيام المقبلة. وقال في مؤتمر صحفي بالبنتاجون: إن قوات الاحتلال تواجه اختيار تحد في العراق، وإنها ستصمد أمام كل التحديات حتى يتم تسليم السلطة للعراقيين ..

مأزق القوات الأمريكية في العراق

محمود الخطيب

واجهت القوات الأمريكية في العراق في الأيام الأخيرة الماضية مقاومة وعمليات عسكرية عنيفة في مختلف المدن العراقية، تزامنت مع الذكرى الأولى لاحتلال العراق، وتركزت في الرمادي والفلوجة التي تعتبر معقل أهل السنة العراقيين.

وبلغت الاعتداءات الأمريكية على المدنيين في الفلوجة مستويات غير مسبوقة من العنف والوحشية، أدت بعد خمسة أيام من القصف المركز إلى مقتل أكثر من ٥٠٠ عراقي، نصفهم تقريبًا من الأطفال والنساء، وإصابة أكثر من ألف بجراح لم يتمكنوا من تلقي العلاج المناسب بسبب الحصار العسكري الشديد المفروض على المدينة.

 وإذا كانت إحدى القنوات الفضائية قد تمكنت من الدخول إلى الفلوجة المحاصرة في اللحظات الأخيرة التي سبقت تشديد الحصار عليها لتعطي صورة عن إجرام القوات الأمريكية بحق السكان دون تمييز، إلا أن الصورة تظل غير واضحة عما يحدث في الرمادي الواقعة غرب العراق التي تعتبر معقلاً آخر من معاقل مقاومة أهل السنة، والتي تقول مصادر غربية: إن المعارك والاشتباكات التي دارت فيها كانت الأعنف والأكثر كلفة بالنسبة للقوات الأمريكية، لكن عدم وجود مراسلين أو كاميرات تصوير في المدينة، أبقى مقاومة الرمادي في الظل.

 وقد نسب موقع تلفاز سكاي البريطاني المستقل على الإنترنت إلى مصادر في البنتاجون قولها إن ۱۳۰ جنديًّا أمريكيًّا قتلوا في القتال الشرس الذي دار في مختلف المناطق العراقية الأسبوع الماضي، مضيفة أن أعنف تلك الاشتباكات وقع في الرمادي.

مراسل السكاي نيوز أشار إلى أن ذلك لم يتأكد رسميًّا لكنه قال: إن العدد يمكن أن يكون صحيحًا؛ لأن العمليات يقوم بها رجال مدربون عسكريًّا ...

 مراسل النيويورك تايمز في بغداد أشار إلى أن ما لا يقل عن أربعين عسكريًّا أمريكيًّا قتلوا في المعارك التي دارت وسط وجنوب العراق خلال أسبوع من الاشتباكات والمواجهات، وهو ما اعتبره أسوأ أزمة تواجه القوات الأمريكية هناك.

 أكثر ما أرعب الإدارة الأمريكية وعبر عنه أكثر من مسؤول، توحد السنة والشيعة على مقاومة القوات الأمريكية وغيرها من قوات التحالف البريطانية والبولندية والإسبانية والبلغارية والأكرانية، وهذه الأخيرة اضطرت إلى سحب قواتها ( ١٦٠٠) جندي من مدينة الكوت جنوب العراق بعد مواجهات مع أنصار مقتدى الصدر، تاركة المدينة تحت سيطرة أنصار الصدر قبل أن تعود القوات الأمريكية وتفرض سيطرتها عليها من جديد.

 في مقابلة تلفازية اعترف وزير الخارجية الأمريكي كولن باول أن الولايات المتحدة تواجه أسبوعًا قاسيًّا في العراق، متحدثًا عن اتصالات تكتيكية جرت بين الشيعة والسنة، لكنه نفى وجود معلومات لديه بقيام تحالف واسع بين الجانبين، ولتبرير حجم المقاومة غير المتوقع ادعى بأول أن القوات الأمريكية في ما سماه بالمثلث السني «تواجه عناصر من النظام السابق و عناصر من المجرمين انضموا إليهم، وبعض الإرهابيين» على حد تعبيره.

القوات الأمريكية في العراق تحركت في الفلوجة بدافع الانتقام لمقتل أربعة أمريكيين قالت: إنهم مقاولون، وأن عددًا من أهالي المدينة مثلوا بجثثهم وأحرقوها وعلقوها على أعمدة الكهرباء، وقد نشرت قوات التحالف صورًا قالت إنها للأشخاص المتهمين بقتل الأمريكيين، وطالبت أهل المدينة بتسليمهم إياها، قبل أن تحشد طائراتها المروحية والـ«إف ١٦» وآلافاً من جنودها لحصار المدينة وقصفها الذي طال مسجدًا وقتل أربعين عراقيًّا كانوا داخله .

ويبدو أن القوات الأمريكية لم تكن تتوقع تسليط الضوء على عملياتها في الفلوجة، حيث كان للتغطية الواسعة التي قامت بها قناة الجزيرة دور كبير في فضح الجرائم الأمريكية ضد المدنيين، وهو ما جعل موافقة القوات الأمريكية على تعليق القصف على المدينة مشروطًا، ضمن شروط أخرى، بخروج فريق قناة الجزيرة من الفلوجة، وقد تعدى الأمر ذلك إلى حد إطلاق النار على الفريق الذي دخل المدينة في اليوم الأول لحصارها، واتهم المتحدث باسم قوات التحالف، موفد الجزيرة إلى الفلوجة بالتلفيق والكذب على الرغم من أن الصور كانت شاهدًا فاضحًا على الجرائم التي ارتكبتها القوات الأمريكية بحق أهالي الفلوجة.

وفي رسالة بعثها قائد الفرقة المدرعة الأولى الأمريكية الجنرال مارتن ديمبسي إلى جنوده الذين يتمركزون منذ عام حول بغداد، أبلغ الجنود أنهم قد يضطرون إلى البقاء في العراق مدة ثلاثة أشهر إضافية بعد أن كان متوقعًا عودتهم هذا الشهر إلى قواعدهم في ألمانيا، وبرر الجنرال طلبه هذا بالحاجة إليهم حيث «قتل العشرات من زملائنا الجنود، وأصيب المئات لضمان أن أصحاب الأفكار الجيدة وليس أصحاب البنادق هم الذين سيقودون العراق إلى مستقبله.. واعتبر ديمبسي أن اشتداد أعمال العنف هذا الأسبوع يعوق كل ما عملنا من اجله خلال عام».

المواجهات والاشتباكات الأخيرة في مختلف مدن وسط وجنوب العراق شاهد على المأزق الذي يواجه القوات الأمريكية هناك، وقد تزامن ذلك مع مرور عام على سقوط بغداد، ويبدو أن الأحداث قد أعادت الوضع في العراق إلى المربع الذي بدأت منه معركة تحرير العراق !

الرابط المختصر :