; الفلسفة قبل الدين عند اليسار.. وقفات مع اليسار الإسلامي (7) | مجلة المجتمع

العنوان الفلسفة قبل الدين عند اليسار.. وقفات مع اليسار الإسلامي (7)

الكاتب أحمد إبراهيم خضر

تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-1989

مشاهدات 61

نشر في العدد 907

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 07-مارس-1989

نتابع في هذه الحلقة السابعة والأخيرة ما كتبه الدكتور أحمد إبراهيم خضر عن وقفات مع اليسار الإسلامي ويبين موقفهم من المرأة والغيبيات ومواقف أخرى تظهر جميعها ما يعتقده اليساريون من أفكار شاذة منحرفة بعيدة كل البعد عن الإسلام.

* دعوة لتحرير المرأة!

كان من مبادئ القرامطة ألّا يحجب واحد منهم امرأته عن إخوانه كما قال ابن الجوزي. ولهذا فإن «الدكتور» لم يكفه كما قال في مقالته ثقافتنا المعاصرة ص 152 أن يدعو إلى تحرير المرأة كما فعل قاسم أمين ولا يهمه الإبقاء على الحجاب أو رفعه بل لابد أن تخرج المرأة من التفتح الحبيس إلى التحرر العقلي. ورحم الله نساء الأنصار حينما نزلت آية الحجاب فشققن مروطهن واختمرن بها.

قال الإمام ابن الجوزي عن القرامطة الذين يدعو الدكتور إلى ثورة كثورتهم «إن مقصودهم الإلحاد وتعطيل الشرائع.. ظاهره الرفض وباطنه الكفر». قال عنهم البغدادي «إنهم كانوا على جهل كبير بأمور الشريعة الإسلامية وإنهم كانوا على استعداد لترك أوامرها متى تعارضت مع مصالحهم الشخصية؛ مما سهل مهمة دعاة القرامطة الذين لمسوا هذا الجهل واستغلوه». وصفهم المقدسي بأن «عقلهم سخيف ولسانهم قبيح». قال عنهم أبو الفدا: «كانوا قومًا لا عقل لهم ولا دين».

ويا ليت «الدكتور» كان قد قرأ تصنيف «ابن الجوزي» للفئات التي استجابت لدعوتهم ليدرك أين هو منها.. وهذه الفئات كما يلي:

1- قوم ضعفت عقولهم وخلت بصائرهم وغلبت عليهم البلادة والبله، ولم يعرفوا شيئًا من العلوم وأهل السواد والأكراد وجفاة الأعاجم وسفهاء الأحداث.

2- طائفة اقتطعت دولة الإسلام دولتهم كأبناء الأكاسرة والدهاقين وأولاد المجوس فهؤلاء موتورون قد سكن الحقد صدورهم.

3- قوم لهم تطلع إلى التسلط والاستيلاء ولكن الزمان لا يساعدهم «؟».

4- قوم جبلوا على حب التميز عن العوام «؟؟» فزعموا أنهم يطلبون الحقائق «؟؟» وأن أكثر الخلق كالبهائم «؟؟».

5- ملاحدة الثنوية الذين اعتقدوا أن الشرائع نواميس مؤلفة والمعجزات التي أتى بها الأنبياء مخاريق مزخرفة «؟؟؟». فإن رأوا من بعضهم شيئًا من أغراضهم مالوا إليه.

6- قوم مالوا إلى عاجل الذات ولم يكن لهم علم ولا دين فإن صادفوا من يرفع عنهم الحجر مالوا إليه.

بلادنا يسودها الخرافات والأساطير والمحرمات التي لا يمكن الاقتراب منها. هذه المصطلحات الثلاثة تعني عند الدكتور «الدين». لذلك فإن أعلام النهضة الذين قاموا بإصلاح البلاد مما اعتراها من هذه الخرافات والأساطير هم «الطهطاوي- شبلي شميل- يعقوب صروف- نقولا حداد- ولي الدين يكن- سلامة موسى- زكي نجيب محمود- فؤاد زكريا» هؤلاء هم أعلام النهضة كما يراهم الدكتور ومعظمهم معروفون لذوي العقلية الإسلامية الصحيحة.

«نقولا حداد» رجل ذو نزعة داروينية يؤمن بانبثاق الإنسانية من الحيوانية ويرى أن غاية التمدن هو التمتع.

أما «شبلي شميل» داروني آخر يرى أن الإيمان بالدين إيمان بالمعجزة المستحيلة، وأن سعادة الدنيا إنما تكون في الإلحاد. كتب الشيخ مصطفى صبري- رحمه الله- معلقًا على ما يقوله شميل: «ولكن الغافل لا يعرف أن المعجزة مهما كانت مما تستبعده طبيعة الإنسان المرتبطة بالعادات والمحسوسات فلا يكون استبعادها بدرجة الإلحاد الذي تسلط على ذهنه وأقنعه بوجود هذا الكون من غير موجود، ولا سيما وجود هذا الكون المنظم من غير وجود حكيم عليم.. ثم من أخطاء الرجل- أعني شبلي شميل- الفاضحة أن يرى في الإلحاد سعادة الدنيا، مع أن السعادة بعيدة عن الدنيا التي لا تكون فيها مخافة الله لكون الأخلاق التي تتوقف سعادة الدنيا على سيادتها لا تجد ضمانًا أقوى من هذه المخافة».

* الغيبيات لا علاقة لها بالدين؟

ويعترف «الدكتور» بأن الدعوة إلى ما يسمونه بالحرية والديمقراطية على يد «الطهطاوي» وغيره إنما كانت وليدة رغبتهم الدفينة في التحرر ورفض الجانب الغيبي في الدين، والانفصال عن السلطة المركزية التي يعني بها الدكتور «الله عز وجل»، وينكر الدكتور أن هذه الرغبة عند رواد هذه النهضة كانت متأثرة تمامًا بالتحولات الفكرية التي حدثت في الغرب، بل ويراها صادرة من مقتضيات العصر الحاضر، كالاتجاه نحو العلمية والعقلانية اللتين تناقضان الغيبيات. ونسي «الدكتور» أن الغيب يقع خارج حدود العلم التجريبي وأن العقل الذي يتكئ عليه في إنكار الغيب هو ذاته موجود ميتافيزيقي ولو حكّم «الدكتور» هذا العقل الذي ينكر به الغيب على عقله الموجود في رأسه لأنكره.

رحم الله «ابن خلدون» الذي قهر فلاسفة هذا اليسار أمثال الدكتور «حسن حنفي» بالعنوان الذي خصصه للفصل الرابع والعشرين من مقدمته والذي سيظل على امتداد الزمان شاهدًا على ضلالهم. إنه فصل في «إبطال الفلسفة وفساد معتنقيها». كشف «ابن خلدون كيف أن هذه الفلسفة عارضة في العمران كثيرة في المدن وأن ضررها في الدين كثير، وأن على من ينظر فيها أن يمتلئ من الشرعيات والاطلاع على التفسير والفقه وألّا ينكب عليها أحد وهو خالٍ من علوم الملة.

هذه شروط لم يستوفها «الدكتور»، فلا لغة ولا قرآن ولا حديث ولا تفسير ولا فقه، إنما سبينوزا وفولتير وروسو وكانت وياسبرز ونيتشه وسارتر وهيجل وفيورباخ.

ويعلم «الدكتور» تمامًا- كما جاء في مقالته متى تموت الفلسفة ومتى تحيا؟- أن ارتباط الفلسفة بالدين يجعلها خادمة له ويفقدها القدرة على التفسير المستقل وحرية البحث، وهذا ما لا يريده الدكتور. يريد من الفلسفة أن تكون سيدة للدين فعندها سيتحول الدين إلى خرافات وأساطير وشعائر وطقوس، وبعدها ستحمل الفلسفة لواء العقل والحرية والعمل وتعيد الإنسان إلى العالم الذي يتصور أن الدين أخرجه منه.

* المذاهب تخبط بالعقيدة!

لا يريد «الدكتور» أن يحيا الدين بعقيدته ولا بمذاهبه، فالمذاهب كلها كما يراها «الدكتور» تخبط في العقيدة وأولها فقه الإمام أبي حنفية. يريد «الدكتور» من الفلسفة وحدها أن تطرح المسائل وتطرح الحلول وأن تفسر العالم وتشرح ألغازه. لا يريد الدكتور من الفكر الإنساني أن يركز على «الله» أو أن يجعله محور اهتمامه، ولا يريد من الفلسفة أن ترتبط بأي شيء غير الإنسان حتى لو كان «الله» حتى لا تخرب ولا تتحجر. فيا للعقول التي لم يخسف بها! أين الفلسفة من الدين؟ كما يقول ابن القيم. وأين كلام رب العالمين إلى آراء الفلاسفة؟ وأين المعقولات المؤيدة بنور النبوة إلى المعقولات المتلقاة عن الفلاسفة وأتباعهم ممن لا يؤمن بالله ولا صفاته ولا أفعاله ولا ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؟ وأين العلم المأخوذ من الوحي النازل من عند رب العالمين من الشبه المأخوذة من آراء المتهوكين والمتحيرين؟ فإن أدلوا بالعقل فلا عقل أكمل من عقول ورثة الأنبياء.

كيف يعرض قول الرسول بقول الفيلسوف؟ وعلى الفيلسوف أن يتبع الرسل وليس على الرسل أن تتبع الفيلسوف. فالرسول مبعوث والفيلسوف مبعوث إليه. والوحي حاكم والعقل محكوم عليه. ولو كان العقل يُكتفى به لم يكن للوحي فائدة. وليس لأحد أن يقدم العقل وإن لم يختلف فيه اثنان على نصوص الأنبياء، فإن فعل ذلك فقد رمى الأنبياء بما هم أبعد الخلق منه، وهو أنهم جاءوا بما يخالف العقل الصريح الذي لا يختلف فيه اثنان. وقد شهد الله- وكفى به شهيدًا- وشهد بشهادته الملائكة وأولوا العلم أن طريقة الرسل هي الطريقة البرهانية المتضمنة للحكمة كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ (النساء: 174).

ومن العجب أن هؤلاء الأوقاح- كما وصفهم ابن القيم- جعلوا نصوص الأنبياء من باب الظنون وهي من الوحي، وجعلوا قواعد الفلاسفة من باب اليقين ثم عارضوا بينهما وقدموا هذه على نصوص الله.

* خطر اليساريين

إن قول الفلاسفة أمثال «الدكتور» بتقديم عقولهم وآرائهم على ما جاء به الأنبياء ليجعلهم أشد خطرًا من هؤلاء الذين جاهروا بتكذيب الرسل وعادوهم. انتسبوا إلى الإسلام وأخذوا في هدم قواعده وقلع أسسه وهم يتوهمون ويوهمون أنهم ينصرونه.

إن طالب الهدى في غير القرآن والسنة قد شهد الله ورسوله له بالضلال، فكيف يكون عقل الذي قد أضله الله مقدمًا على كتاب الله وسنة رسوله؟ وقد قال تعالى في أرباب العقول التي عارضوا بها وحيه.

﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (الجاثية: 23).

وقال تعالى فيمن قدم عقله على ما جاء به: 

﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (النجم: 23).

ويقول الإمام «ابن القيم» ردًّا على هؤلاء الفلاسفة «أخبرونا عن خلق هذا النوع الإنساني من قبضة تراب، وعن رجل دعا على قومه ألّا يدع الله منهم على الأرض ديارًا فأرسل السماء عليهم وأتبع الماء من تحتهم حتى علا الماء فوق رؤوس شواهق الجبال علوًّا عظيمًا ثم ابتلعته الأرض شيئًا فشيئًا حتى عادت يبسًا.

وعن رجل دعا على قومه وهم أعظم الناس أجسامًا وأشدهم قوة فأرسلت عليهم بدعوته ريح عاصف جعلت تحملهم بين السماء والأرض ثم تدق أعناقهم. 

وعن أمة كذبت نبيها وسألوه آية فانفلقت صخرة بمحضر لهم وتمخضت عن ناقة من أعظم النوق قائمة شكلًا وهيئة... وعن رجل ألقى عصا في يده فعادت ثعبانًا عظيمًا ابتلع ما بحضرته من حبال وعصي لا يحصيها إلا الله. وعن مدن قلعت من أصولها، ثم رفعت في الهواء ثم أفلت بأهلها وجعل عاليها سافلها وأتبعت بمطر من الحجارة.. وعن رجل ولد من غير أب وامرأة خرجت من غير أم.. وجماعة ينامون في غار ثلاثمائة وتسع سنين لم تأكل الأرض لحومهم ثم ينتبهون من نومهم قيامًا ينظرون.. وعن رسول سأله قومه آية فأومأ إلى القمر فانشق فلقتين وهم يشاهدونهما ثم عاد فالتأم وقدم السفر فأخبروا برؤية ذلك عيانًا. «ذلك ما أنكره الشيخ رشيد رضا فحاز رضا أهل اليسار». وأن جذعًا حن حنين الناقة العشار إلى ولدها إليه وأن الحصى كان يسبح في كفه وكف بعض أصحابه تسبيحًا يسمعه الحاضرون، وأن الحجر كان يسلم عليه سلامًا يسمعه بأذنه.. وأن شجرتين دعا بهما فأقبلتا تجران الأرض حتى قامتا بين يديه فالتزقتا، ثم رجعت كل واحدة منهما إلى مكانها، وأن ذئبًا تكلم، وأن بقرة تكلمت».

* دعوة لليساريين

يا أهل اليسار.. قد علمكم كبيركم وأساتذته أن هذه الآيات تندّ عن العقل وأنها خرافة ووهم. ولكن الشبه التي ينكثون بها على عقولهم في إثبات بطلان هذه الآيات لأقوى من الشبه التي يذكرونها لبطلان ما أخبرت به الرسل من صفات الله وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه وكلامه وتكليمه وقيام أفعاله به.

يا أهل اليسار.. إذا كان حال كبيركم في الأمور التي قد وقعت وشاهدها الناس بأبصارهم، فكيف حاله في الإيمان ببشر ينزل من السماء بين ملكين واضعًا يديه على مناكبهما والناس يرونه عيانًا؟ وكيف حاله في الإيمان بأن الشمس تطلع من مغربها والناس يرونها عيانًا؟ وكيف حاله إلى غير ذلك مما أخبر به الصادق كدابة تنشق عنها الأرض فتخرج تكلم الناس وتخاطبهم؟

يا أهل اليسار: من قدم العقل على الوحي لم يمكنه أن يجزم بصدق شيء من ذلك ولم يبقَ معه من الإيمان بالرسل عين ولا أثر ولا حس ولا خبر.

أيها الإسلاميون من ذوي النوايا الطيبة.. دعكم من حسن حنفي ومحمد عمارة.. نعم «محمد عمارة» للتأكيد، ومن فهمي هويدي وفتحي عثمان وعادل حسين وابحثوا عن العلة الحقيقية في تخلفنا غير تلك التي يفتي بها أمثال هؤلاء وآمنوا بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (الأنعام: 153).

الرابط المختصر :