; الفلسطينيون في الولايات المتحدة في الدوّامة | مجلة المجتمع

العنوان الفلسطينيون في الولايات المتحدة في الدوّامة

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 17-سبتمبر-1985

مشاهدات 58

نشر في العدد 733

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 17-سبتمبر-1985

● القدس: هاجس الإسلاميين في كل مكان.

● الضغوط الرسمية العربية على الفلسطينيين تخدم خطة استيعابهم في المجتمعات الغربية.

● كيف يعامل الطالب الفلسطيني المتفوق في ديار العرب وكيف يعامل في الغرب؟

 ● الإعلام العربي في الولايات المتحدة لا يساوي شيئًا أمام الإعلام الصهيوني.

 الإسلاميون من الفلسطينيين في الولايات المتحدة كثيرون وأقوياء، وارتباطهم بفلسطين أشد قوة.

لم أكن أتوقع حينما زرت الولايات المتحدة هذا الصيف زيارة خاصة، ولأول مرة أن يكون لمجلة المجتمع لدى طلبة فلسطين وخاصة الإسلاميين منهم هذا الاهتمام البالغ، فهم يقرؤونها بشغف وخاصة ما يتعلق منها بالقضية الفلسطينية.

 وما إن علموا أني وصلت إلى مدينة باتن روج في ولاية لويزيانا، حتى تجمعوا حولي ودعوني إلى إلقاء محاضرة حول آخر الأوضاع على الساحة الفلسطينية واللبنانية، وتحدد الموعد في الساعة الثامنة من مساء يوم الجمعة 9/ 8/ 1985 بعد صلاة المغرب في المركز الإسلامي في باتن روج، وهو عبارة عن مسجد أقامه الاتحاد الإسلامي لفلسطين.

 وامتدت المحاضرة بعد صلاة العشاء لتتحول إلى ندوة جرت فيها مناقشة كافة الأوضاع الفلسطينية بصراحة تامة وعمق في الفهم وبعد نظر واهتمام بالغ، وقد حرصت على أن يحضر الندوة بالإضافة إلى الإسلاميين كافة الاتجاهات الأخرى وخاصة «الفتحاويون»، بعد أن علمت أن هناك شيئًا من الجفوة بينهم وبين الإسلاميين، ثم كانت هناك لقاءات خاصة مع كل طرف على حدة، أما اليساريون والماركسيون من الطلبة الفلسطينيين فلم أر منهم أحدًا. 

 ولقد حرص الفلسطينيون على تسجيل المحاضرة وما دار فيها من مناقشات، وأرسلوها إلى ولايات أخرى فانهالت التليفونات من تلك الولايات، وخاصة من ولاية نورث كارولاينا تدعوني لإلقاء محاضرات في ولاياتهم، وعمل ندوات حول القضية الفلسطينية، وكذلك حضر بعض الشباب من مدن وقرى أخرى في ولاية لويزيانا لذات السبب، ولكن ضيق الوقت حال دون تلبية معظم هذه الدعوات، واكتفيت بلقاءات سريعة ومكالمات تليفونية مطولة لم تخل من فائدة.

 وإذا ما أردنا أن نجمل حصيلة هذه المحاضرات والندوات واللقاءات والمكالمات، فإننا يمكن أن نقرر ما يلي

أن الفلسطيني في الولايات المتحدة شأنه شأن الفلسطيني في كل مكان واقع تحت ضغوط شديدة، تستهدف سلبه هويته بعد سلب وطنه، واندثاره في ديار الغرب بعد أن ضاقت به دیار العرب.

● أن هذا الفلسطيني وهو يواجه الضغوط المتزايدة يومًا بعد يوم، تارة بالتصدي لها وتارة بالتحايل عليها، لا يريد أن ينسى في خضم هذه الضغوط قضيته الأساسية فلسطين، أو يتيه من الطريق الصحيح لتحريرها وهو طريق الجهاد.

 أما عن النقطة الأولى وهي الضغوط، فهي ذات جانبين:

الجانب الأول يأتيه من ديار العرب فهو إما حامل وثيقة ممنوع من الدخول والإقامة والعمل والملكية في كثير من ديار العرب، وإما حامل جواز سفر مؤقت يعامل في كثير من الأحيان معاملة حامل الوثيقة، على الأقل من حيث حرمانه من العمل في الدوائر الحكومية وملكية الأرض والعقار، وإما حامل جواز سفر لإحدى الأقطار العربية. وجميع هؤلاء يمكن أن يسحب جواز سفرهم أو وثيقتهم في أي لحظة وبأي حجة من الحجج، كما أن الكثير منهم مهددون بأن يفقدوا إقامتهم في البلد الذي أتوا منه، بحجة بلوغهم سنًا معينة غالبًا ما يبلغونها قبل إنهاء دراستهم، وربما ألغيت إقامتهم قبل بلوغهم السن المقرر.

أما الجانب الثاني فيأتيه من ديار «العم سام» ويتمثل في التسهيلات التي يحصل عليها فيما لو تزوج من أمريكية، حيث تنخفض مصاريفه الدراسية إلى درجة كبيرة ويحصل على ضمان الإقامة الدائمة والعمل والعلاج، وذلك بحصوله على ما يسمى "غرين كارد".

 وهكذا يتضح التوافق التام بين الضغوط الرسمية العربية والمغريات الأمريكية للخلاص من الفلسطيني في ديار العرب، واستيعاب الفلسطيني في ديار الغرب، فإذا أضفنا إلى ذلك العقبات التي يواجهها الطالب الفلسطيني المتفوق الراغب في استكمال دراسته في ديار العرب، والتسهيلات التي يلقاها نفس الطالب في الولايات المتحدة حيث يتم تبنيه وتشجيعه ومنحه الجنسية، ندرك مقدار المأساة الحضارية العربية إزاء الحضارة الغربية.

 وأما عن النقطة الثانية وهي حرص الفلسطيني على عدم نسيان قضيته أو الانحراف عن المنهج الصحيح لتحريرها وهو منهج الجهاد، فقد كانت معظم أحاديثي مع الفلسطينيين الذين التقيتهم في الولايات المتحدة، ولقد وجدت -والحق يقال- أن كثيرًا منهم يوافقني على مقولة: "إن الكفاح المسلح بلا عقيدة عبث لا طائل من ورائه، وإن المسلم من غير أن يجاهد لا يحقق العزة ولا النصر".

 ولذلك لا بد من لقاء بندقية «فتح» مع عقيدة المسلم، سيما وأن الفتحاويين قد اكتشفوا بأن أعداء الإسلام هم المتآمرون على «فتح»، وأن الإسلاميين في لبنان وفلسطين وفي كل مكان هم المجاهدون الحقيقيون الذين لا يلويهم عن هدف تحرير كامل فلسطين من اليهود تغير الظروف والأحوال، لأنهم التزموا بأمر الله لهم بالجهاد، وهو بالنسبة لفلسطين فرض عين على كل مسلم ومسلمة، وإذا كانت هناك طلائع جهادية في لبنان وفلسطين، فعلى كافة الأيادي المتوضئة أن تكون جاهزة للمشاركة حتى النصر النهائي بتحرير كامل فلسطين وإقامة دولة الإسلام فيها.

ولقد ذهلت لقوة العقيدة لدى الشباب الفلسطيني المسلم في الولايات المتحدة واستعدادهم للتضحية بلا حدود، وتجاوزهم مرحلة الفكر النظري إلى الرغبة العارمة في التطبيق، وهنا يأتي دور «فتح» في أن تفتح صدرها لهؤلاء الشباب الأطهار الأخيار بعد أن تخلصت من كثير من الخبث الماركسي، وحين لوح لها الغرب بالحل لم يكن ذلك إلا تضليلًا وإيهامًا وما هو بحل، إلا إذا كان على الطريقة الساداتية الإسرائيلية.

 قال لي أحد الفلسطينيين ممن حصل على قسط متقدم من التعليم في الولايات المتحدة: "تصور كم نحن مقصرون ومتخلفون حتى في مجال مواجهة الإعلام الصهيوني، فقد حدث أن هاجم أحد أعضاء الكونغرس الأمريكي شامير بعد غزو لبنان ومذبحة صبرا وشاتيلا الأولى. فكيف تصرف اليهود؟ وكيف تصرف العرب؟ اليهود أرسلوا للعضو المذكور حوالي مليون برقية ومكالمة هاتفية تستنكر موقفه وتشتم وتهدد، بينما لم يتلق من العرب برقية واحدة أو مكالمة هاتفية واحدة تشكره وتشجعه!!"

 وقال لي فلسطيني آخر: «عرضت إحدى محطات التلفزيون الأمريكية على العرب أن تقوم بإنتاج فيلم يخدم القضية الفلسطينية ويكشف أضاليل الصهاينة، على أن يتكفل العرب بتكاليف إنتاج هذا الفيلم، فلم تتلق المحطة المذكورة ردًا من أي جهة عربية. وفي مقابل ذلك قام اليهود بإنتاج فيلم يخدم وجهة النظر الصهيونية وقدموه لإحدى محطات التلفزيون الأمريكية هدية لتعرضه مجانًا!!

 ونرجو بعد ذلك من الولايات المتحدة ومن الرأي العام الأمريكي أن يتعاطف مع القضية الفلسطينية، ومع حق الشعب الفلسطيني في "تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني"!

 برقية الاستنكار الوحيدة التي أرسلت إلى ريغان لإيقاف الاستهزاء بالعرب الذي دأبت على بثه إحدى محطات التلفزيون الأمريكية، ولم يرد ريغان على البرقية ولم يتدخل في الأمر لسبب بسيط، أن محطة التلفزيون إياها تستهزئ بریغان نفسه.

 أثناء رحلة العودة التقيت على متن الطائرة وهي تحلق فوق المحيط الأطلسي بمغترب فلسطيني، يقيم في مدينة نيوأورليانز بولاية لويزيانا، وهو في طريقه إلى عمان ثم الضفة الغربية حيث ينوي زيارة وطنه الأصلي وبقية أهله.

 يقول هذا المغترب: «يوجد في نيوأورليانز أكثر من ١٥٠ عائلة فلسطينية، أما في الولايات المتحدة فالفلسطينيون حوالي مائة ألف نسمة». ويستطرد قائلًا: «على سبيل المثال هنالك قرية قرب القدس تسمى بتونيا، هاجر من أهلها إلى الولايات المتحدة 11 ألفًا من أصل 14 ألف نسمة، وإذا كانت هناك ظروف قاسية دفعتنا إلى الهجرة، فإننا حريصون كلما أمكن ذلك على زيارة وطننا الأصلي وأهلنا في فلسطين، ونصطحب أطفالنا معنا حتى يظلوا على ارتباط بوطنهم الأصلي وأهلهم»، وهو يطالب الدول العربية ومنظمة التحرير أن تظل على اتصال بهم وأن تمدهم بكل جديد يتعلق ببلادهم وتطورها.

 ختامًا: هناك حديث طويل يضيق به المقام هنا، والسؤال المطروح: أما آن لهذه الأمة أن تعود إلى ذاتها؟

 

الرابط المختصر :