; الفلبين: معركة المعارضة مع ماركوس | مجلة المجتمع

العنوان الفلبين: معركة المعارضة مع ماركوس

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1983

مشاهدات 62

نشر في العدد 642

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 25-أكتوبر-1983

  • مقتل أجينو واتساع رقعة المعارضة.
  • هل يخلف الشيوعيون ماركوس؟

مع إصرار الرئيس ماركوس على عدم الاعتراف بما حوله من قوى متصاعدة من المعارضة المسلحة وغير المسلحة لنظام حكمه إلا أن هناك كثيرًا من المؤشرات والدلائل الواضحة التي تفند مزاعمه هذه.

 فلم تشهد فترات حكمه الممتدة إلى سبعة عشر عامًا وقتًا أصعب من هذا الوقت. 

لاسيما وبعد مقتل زعيم المعارضة أكينو على سلم الطائرة في أغسطس الماضي أثناء عودته من منفاه في أمريكا. 

وكأننا بماركوس وقد ركبته سكرة الطغيان التي ركبت المعاصرين من المتجبرين في الأرض بغير الحق من قبله وليس آخرهم ذكرًا هيلاسلامي ولا شاه إيران. وعلى ذكر الأخير فهناك تشابه كبير بين حالة ماركوس الحالية والحال التي كان يمر بها الشاه في أخريات حكمه. 

اختلال التوازن الاجتماعي

 ومع ويلات الاستعمار الأسباني للفلبين والممتد لثلاثة قرون تقريبًا إلا أن مخلفات سوئه لا توازن إطلاقًا مخلفات الفترة الأمريكية التي امتدت نحو نصف قرن من الزمان فقط ذلك أن كل مساوئ النظام الأمريكي انتقلت إلى داخل المجتمع الفلبيني وصارت نهجًا متبنى لدى القطاع الأكبر من المثقفين وعموم الطبقة المؤثرة في المجتمع. 

ويأتي على قمة ذلك الإقطاعيات الرأسمالية الممتدة وعربدة الشركات متعددة الجنسيات ومساوئ كليهما لا يكاد النظر يجد لها حدًّا تنتهي عنده. وقد تراكمت تلك المساوئ حتى صارت قبضة الاقتصاد الفلبيني في يد «٥٠٠» مليونير يملكون جلب الموارد والمصادر ويشكلون حاشية رسمية لإمبراطورية غير معلنة في الفلبين. ويشكل ماركوس وزوجته قطب الرحى لهذه الدائرة المتسلطة. ويأتي أقارب الزوجة ومستلطفيها في أوائلهم.

وعندما تنحصر جل ثروة البلاد في يد ٥٠٠ من المليونيرات فلابد أن يختل التوازن الإجتماعي. وذلك هو الحادث في الفلبين الآن. فمع أن متوسط دخل الفرد «الإحصائي» يصل إلى ٧٧٠ دولارًا في السنة. فإن ٤٠% من السكان البالغ عددهم ٤٩ مليونًا تعيش تحت حد الفقر، ذلك أن بعض الأسر التي تقطن في الغابات والأماكن النائية لا يكاد دخلها يصل إلى ٥٠ دولارًا في العام!! 

نتائج وآثار

 ثم إن غول الشركات المتعددة الجنسية بأنياب احتكاره وسموم القروض الربوية من البنوك الأمريكية وغيرها ساعدا على مثول حالة من التضخم تأكل كل ما يصل إلى أيدي محدودي الدخل من الناس. وأخذ ذلك العناء يدفع فئات كثيرة من العمال والموظفين إلى الهجرة حتى أن مدير البلدية في مانيلا صرح بأن نصف موظفيه تقدموا للالتحاق بأعمال في الشرق الأوسط. 

وصار من المظاهر الواضحة في العاصمة مانيلا ازدياد الدعارة بشكل مكثف. وزحف داؤها إلى فتيات فوق العاشرة بقليل بل دخلت بعض البيوتات التجارية تحت شعار السياحة وإنعاشها- وهي المورد الثالث للدولة- إلى الدخول في ترويج الدعارة واصطياد المعوزين لها من الأسر الفقيرة: فتيات غريرات وأيضًا فتيانًا؟! وإذا علمنا أن نصف تعداد المجتمع الفلبيني من الشباب «دون التاسعة عشرة» لتبين لنا مدى خطورة ظاهرة كهذه في أوساطه.

المعارضة الماثلة الآن 

وفي أجواء كهذه وأحكام عرفية لم ترفع إلا قبل عام ونيف بعد أن تم تقنين السلطات غير المحدودة الماركوس وحاشيته وتضخم اقتصادي وديون تصل إلى خمسة عشر ألفًا من ملايين الدولارات أو تزيد. وسلوك مستمر من جانب العسكر سدنة النظام لم يكن غريبًا أن تتسع قاعدة المعارضة وتمتد لتشمل قطاعات كبيرة من الشعب وأن تتسلح إحدى فرق المعارضة «الشيوعيون» من بعد أن تيقنوا أن الحوار مع نظام ماركوس ضمانة نجاحه الوحيدة هي السلاح.

وزادت النار إشتعالًا بعد مقتل أكينو الذي كان يعتبر وجهًا معتدلًا إلى حد كبير وبديلًا معتمدًا لنظام ماركوس المتداعي. ولا شك أن مقتله ضربة كبيرة للمعارضة غير أنه كان ضربة للنظام الماركوسي أيضًا. فقد أسرع ذلك بالعد التنازلي للنظام واشتعلت الفوضى والخروج على أحكام ماركوس وقوانينه بدرجة جعلته يستنجد ببرلمانه المزيف لمساعدته على تهدئة الأحوال، بينما لجأ للتهديد المكشوف للمعارضة وتلويحه بسيف الأحكام العرفية من جديد ولأول مرة يفيق ماركوس من سكرته ليعترف بخطورة الأوضاع 

«وكالات الأنباء ۱9/۱۰/۱۹83م». 

ماذا خلف موت أكينو؟

كما أسلفنا فإن مقتل أكينو قد خلف فراغًا كبيرًا وثغرة واسعة في قوى المعارضة فليس في الوجوه الماثلة الآن في صفوف المعارضة الفلبينية من يحمل صفاته ومؤهلاته. 

وقد هيأ ذلك المجال لبروز الشيوعيين بصورة أقوى من قبل ذلك أن رصيدهم بصفتهم القوى الأساسية التي تقلق النظام بحربها المسلحة ضده- باستثناء المسلمين- قد أعلى من أسهمها وشعاراتهم البراقة وتصديهم المباشر للفئات الأكثر معاناة في المجتمع الفلبيني «الفلاحون والعمال» وتركيز خطابهم لهم وعنايتهم العملية بمشاكلهم. 

كل ذلك وقف كرصيد لا يوازيه رصيد قوى معارضة أخرى من تلك الماثلة في الساحة. ثم إن انتشار أفكارهم في أوساط الطلاب «مادة الشباب» وخاصة طلاب الجامعة مساعد على تدعيم مواقفهم وإعلاء شأنهم.

وإضافة إلى كل هذا فإن الصين الشعبية تدعم مواقفهم وتمدهم بالعتاد والمؤن، وهم يجدون فيها قدوة ومعينًا. 

وماذا عن أوضاع المسلمين؟ 

فضلنا أن نؤخر الحديث عن أوضاع المسلمين ومستقبلهم هناك في ضوء هذه المتغيرات الجديدة- القديمة بحسبان ما سبق مقدمة ضرورية له وآثرنا فصلهم عن القوى المعارضة لأن مطالبهم تتميز عن مطالب المعارضة بإنشاء كيان مستقل لهم بحكم ذاته بذاته. ثم إنهم وان كانت تربطهم مع قوى المعارضة وفئات الشعب المختلفة مسألة المعاناة من نظام ماركوس إلا أن قضيتهم في النهاية ليست النظام الماركوسي وحده فهذه إحدى زواياها المؤقتة وإنما مشكلة المسلمين هناك معاناة اضطهاد صليبي متأمرك ومشبع بكراهية خاصة للإسلام ومن ينتمي إليه وفي تلك البقعة من الأرض على وجه الخصوص. ولا يرجى زوال ذلك الاضطهاد وتلك المعاناة بمجرد تغيير ماركوس وبروز وجه جديد. ذلك أن عوامل المشكلة تكمن في النزعات الصليبية والثقافة المحلية فهي التي تغذي الوجوه الماثلة على سدة السلطة بمادتها ولا يغير الأمر أن يوجد ماركوس أو غيره طالما كانت تلك الأصول والجذور مستمرة على حالها ورفدها بالغذاء الماثلين.. 

بعض التذكير 

ولعل جمهور القراء يلاحظ أن الاضطهاد للمسلمين في شرق آسيا لا يكاد يساويه اضطهاد في مكان آخر. وقد كان بعض المراقبين يعزون تناقص أعداد المسلمين في الصين مثلًا للقبضة الشيوعية على البلاد. ولكن هذا التفسير لا يسعف في المناطق غير الشيوعية من تلك المناطق. ولا نملك تفسيرًا لهذا الأمر من جانبنا الآن ولكنا نذكر به كسمة سائدة في ذلك الجزء من العالم. 

ويضاف إلى ذلك العامل العام عامل آخر هو أن الفلبين أكبر دولة كاثوليكية في تلك المنطقة. وهي مظهرة لحرصها على هذه الصبغة حتى إنها تخصص قناة تلفازية للتعاليم المسيحية، لعلها بتلك الصفة ترى في الوجود الإسلامي في الجنوب شيئًا من الطعن في السمعة والمكانة، أو هذا ما تحسبه فإن الإضطهاد الذي عاناه المسلمون هناك صار بمثابة العادة المتبعة والتقليد الثابت حتى لكأن ماركوس أو غيره لا يجد حاجة لتبريره أو الاعتذار عنه.. ولا ندري هل هي «وصية مقدسة» يتنافس السلطويون على تنفيذها والوفاء بها أم ماذا هو الأمر؟ 

وعلى كل فإن الحقيقة التي يجب أن تتذكرها هو أن هذا الاضطهاد في حق المسلمين شيء له جذوره وله مبرراته ومسوغاته في الثقافة المحلية والدينية لتلك المناطق وكل محاولة للتفسير تتجاهل هذه النقطة تجافي منهج الصواب.

ماذا بعد ماركوس؟

 حمل المسلمون السلاح في وجه ماركوس وفي يقينهم أن حل قضيتهم لن يكون إلا بعد تحقيق كيان خاص بهم يحكمون فيه أنفسهم بأنفسهم ولعلها قناعة لن يغيرها غياب ماركوس فهي مرتبطة بتجربة تاريخية ومعاناة طويلة قد يكون ماركوس أحد فصولها المؤلمة أو الأكثر إيلامًا ولكن الشك كبير في زوالها إذا لم يتم كيان ذاتي مستقل بهم.

ومن هنا فقد تحاول المعارضة بمختلف فئاتها مداولة اللعب بورقتهم بصفتها أكثر الأوراق رصيدًا وربحًا لاسيما وأن خبر صداماتهم مع نظام ماركوس لا يخفى خبرها على إنسان هناك فضلًا عن أن قواهم ليس في الإمكان تجاهل وزنها وقيمتها. 

محاولات الاستمالة

وفي هذا الإطار اللقاء الذي تم بين أكينوا زعيم المعارضة المقتول وبين أحد أطراف جبهة مورو والذي تم قبيل شهور معدودة فلا شك أن ذلك اللقاء هو أحد محاولات الاستمالة والوعود التي يسهل على الفئات الساعية للكسب السياسي إطلاقها حتى إذا جد الجد تنصلت بألف عذر وعذر.

وأخطر الفئات المساومة الآن الشيوعيون ذلك أن فرسهم هو الأسبق- حتى الآن- في قوى المعارضة ثم إنهم يتظاهرون بعدم مبالاتهم بالكيانات الدينية، ومن ثم فقد يوحون للمسلمين بأنهم لن يتضرروا مثلهم إذا حكموا التزامًا بتلك الحيثية المعروفة عنهم وإضافة إلى ذلك فهم قد يستغلون النزعة الجهادية الفطرية في نفوس المسلمين فيعمدون إلى مدهم بالسلاح تسويدًا لدين تثقل به الظهور من ناحية وتعجيلًا بالضربة القاسية على النظام الماركوسي فيكونون قد اصطادوا عصفورين بحجر واحد!!

وبالنسبة للنقطة الأولى فإن العتاد الحربي من الحاجات الأساسية للجهاد هناك فإذا تحسس الشيوعيون ضعفًا فيه أو نقصًا فإن هذه ثغرة تسلل قاصمة ولا ريب؛ وبالطبع فإن الشيوعيين إذا وقعوا فإنهم لابد وأن يستردوا المدفوع أضعافًا مضاعفة. 

وهذه نقطة لن تغيب على إخوة الحق والجهاد هناك. 

ولا نحسب أن المسلمين في الفلبين تغيب عن ذاكرتهم تجربة إخوانهم من مسلمي الصين مع الشيوعيين هناك. فقد أطلق «ماو» لهم الوعود واستغل نخوتهم وشجاعتهم حتى إذا خرج من مهمته إذا به يتنكر لهم وينكل بهم تنكيلًا.

 والحل الأخير 

ولا يوجد إلا في كيان مستقل يسعى المسلمون نحو تحقيقه مهما كلفهم من ثمن. فقد ذاقوا من الويلات الكثير في ظلال من أمنوهم على أنفسهم. وهم ما رفعوا ذلك الشعار- الحكم الذاتي- إلا بعد طول تمرس وتجربة بالوجوه المتعاقبة والتاريخ المكرور. والذي في سطوره ماضيه يلمحون كثيرًا من تفاصيل مستقبله وحيا الله إخوة الجهاد في كل مكان.

الرابط المختصر :