العنوان الفكر والعقيدة بين سَیّد قطب وابن تيميَة- الجزء الأول
الكاتب د. عبد الرحمن الجمعيان
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1979
مشاهدات 119
نشر في العدد 449
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 12-يونيو-1979
- حين تبرع ابن تيمية بعمامته لأحد المساكين
- كانت فترة السجن لهما محنة ربانية
في كثير من الأحيان عندما يقلب الإنسان صفحات التاريخ الإسلامي سواء القديم منه أو الحديث، أو عندما يراجع صفحات الفكر والدعوة في الإسلام يقع بصره على شخصيات عملاقة لا تكاد تمتد إليها الأعناق ويجد بين هذه الشخصيات من التشابه والتوافق ما يثبت له بأن الإسلام يستطيع أن يبعث بنماذج قيمه فارعة عملاقة كلما كانت هناك محاولات جادة لإعادة كيان الإسلام.. ولا عجب في ذلك لأن الدعاة المسلمين المخلصين يستمدون تصوراتهم وعقائدهم من القرآن والسنة، فهذا هو المصدر الذي يستطيع أن يخرج الرجال.. ونحن نعتقد بأن التشابه لا يكون بين المجتمعات، لأن المجتمعات السابقة بمجموعها أفضل من المجتمعات اللاحقة.. هذا حق ولا نماري فيه.. ولكن هناك تبدو شخصيات متشابهة حتى في بعض تفاصيل حياتها وفي تفكيرها وبعض مواقف في الحياة.. هذه الأفكار كانت تدور في رأسي كلما قرأت للإمام - ابن تيمية-رحمه الله- وللأستاذ سيد قطب- فإن هاتين الشخصيتين متشابهتين في كثير من الأمور.. قد يبدو هذا الكلام غريبا ولكنها الأحاسيس التي أحسستها خاصة بعد مطالعتي لسيرة الرجلين.. وقمت بمقارنة بين الرجلين فوجدت هذا التشابه الكبير بين هذين الشخصين رحمهما الله.. والكل يعلم أن ابن تيميه هو المجدد في القرن السادس الهجري لا شك في ذلك.. وبالمثل كان المجدد للفكر الإسلامي هو الأستاذ سيد قطب بعد وفاة المجدد الأكبر الإمام حسن البنا -رحمه الله- فإنه سار على نفس الدرب الذي سلكه الإمام البنا -رحمه الله- وأضاف كثيرا وغربل التجارب وأخرج لنا نتاجا فكريا لا يمكن للدعاة اليوم الاستغناء عنه.. هذا ما سوف نتطرق إليه في هذا المقال الصغير فلنسر على بركة الله وبالله التوفيق ولنقتطف من خلاله اقتطافات من حياة الرجلين وننظر إلى العوامل التي أثرت فيهما، ثم الآثار التي انتجوها ولنبدأ بالإمام الأكبر أحمد بن عبد الحليم ابن تيميه:
ولد رحمه الله تعالى في ١٠ ربيع الأول سنة ٦٦١ -في حران- وكان أبوه عالما كبيرا وفقيها، وكان هذا له أثره في تربية ابن تيميه رحمه الله -حيث اكتسب العلم والمعرفة- وبعد أن بلغ السابعة أغار التتار عليهم ففر كثير من الأهالي من المدينة، وكان من الأسر المهاجرة أسرة إمامنا -رحمه الله تعالى-. وفي هجرتهم لم يكن الطريق خاليا من الأعداء بل لم يكن آمنا، ولم يكن معبدا، فلقد لاقوا المشقة والتعب والضنك في هجرتهم وسفرهم هذا، فقد كانوا مسافرین لیلًا فارین بدينهم وبأرواحهم، وكان الثمن شيء يحملونه هو كتبهم لأن الأسرة كانت أسرة علم وفقه، وقد نقلوا كتبهم على مركبة خوفا من الأعداء.. كل ذلك يجرى وابن تيميه ينظره، ويعيشه مما كان له أكبر الأثر في أن يزرع في قلبه حب الجهاد والدفاع عن المسلمين، وكره التتار وحب الانتقام للإسلام والمسلمين منهم.
ثم وصلوا إلى دمشق واستقروا فيها.. وكان والد الإمام -رحمه الله- يحاضر في الجامع الأعظم بدمشق وكان يلقى دروسه غیر مستعين بقرطاس، أو كتاب يتلو منه بل كان يلقي دروسه من ذاكرته الواعية وعقله المستذكر وهذه الصفة أيضا كانت لإمامنا - ابن تيمية - رحمه الله تعالى- فقد كان ذكيا قوي الذاكرة.. وحفظ الإمام القرآن في سن مبكرة وكان لهذا أكبر الأثر في توجيه حياته، فإن الإنسان إذا حفظ القرآن في سن مبكرة يكون ذهنه صافيا قوي البيان لأنه يعتمد على كتاب الله -وهذا الذي ينقصنا نحن اليوم حتى نجد الشباب لا يكاد يحفظ سورة واحدة من القرآن فلا حول ولا قوة الا بالله.
ثم توفي والده -رحمه الله- سنة ٦٨٢ وأحمد عمره ٢١ سنة فتولى التدريس بعد وفاة والده، ونصب للإفتاء في هذه السن المبكرة فلقد كان عالما تقيا ورعا حافظا -رحمه الله- ويصفه الإمام الذهبي فيقول «ولم أر مثله في ابتهالاته واستعانته بالله وكثرة توجهه إليه» ولقد كان رحمه الله شجاعا سليط اللسان شديد اللهجة في الحق لا يخاف في الله لومة لائم، حتى إنه نوقش كثيرا في مسائل اعتقادية وفقهية فكان لا يهاب شيئا بل يثبت حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم والمناظرات موجودة في كتاب البداية والنهاية. وهو الذي قاد الحملة ضد التتار وحرض الأمة على الجهاد في سبيل الله، وكان كريما حتى إنه تبرع لأحد المساكين بعمامته التي على رأسه، وكان يهابه العلماء، ويخاف مناظرته أهل البدع، وسجن رحمه الله مرات بسبب مسائله واجتهاداته، وسجن في القلعة وكان معه تلميذه ابن القيم، وحتى في السجن أخذ يكتب الكتب، ولم يثنه شيء عن الكتابة، وكان ثابتا على اعتقاده إلى أن توفاه الله في السجن ليلة الاثنين ٢٠ ذي القعدة سنة ۷۲۸، ولم يکن متزوجا -رحمه الله- وحضر جنازته أكثر من خمسمائة ألفا غير النساء -رحمه الله رحمة واسعة.
هذا ما يسرني الله إليه، وأنا أعتقد بأن هذه خلاصة سريعة جدا لحياة الرجل لأن هناك كتابات عديدة تناولت حياة الإمام مثل كتاب -ابن تيميه- محمد ابو زهرة، وكتاب حياة الشيخ ابن تيميه -بيطار وغيرها. ثم لا يسعنا المجال لذكر كل الحوادث وإلا لاستغرق منا مجلدات ضخام -فرحمه الله رحمة واسعة وأجزل الله مثوبته.
*ولنتابع الحديث لتتكلم عن بعض جوانب من حياة الاستاذ الداعية المجاهد «سيد قطب» رحمه الله.
- ولد رحمه الله سنة ١٩٠٦ من أب میسور الحال، كريم كثير الصدقات، وتلقى تربية إسلامية لا بأس بها- كانت لها الأثر في حياته المستقبلية، وكانت أمه -رحمها الله- دائمة الاستماع إلى القرآن الكريم من المذياع، وكان هو قد حفظ القرآن في سن مبكرة، كان لهذين العاملين أثرهما الكبير في حياة أستاذنا الداعية -سيد قطب- وكانت أمه تتمنى أن يكون سيد قارئا للقرآن ولكنه كان يقول بعد وفاة أمه «لأن فاتني جمال الترتيل لم يفتن جمال التأويل» مقدمة-المشاهد -.
وتخرج سيد من كلية دار العلوم وكان أديبا فألف في سن مبكرة في سن ٢٥ سنة ألف كتابه «مهمة الشاعر في الحياة»، وكان يحب المعرفة منذ صغره يقرأ كل ما سقط تحت عينيه مما كان له أكبر الأثر في كتاباته خاصة عندما يفند أراء النصارى والمستشرقين، وكان هو تلميذ للعقاد وكان شاعرا – ولا يخفى على القارئ -قصيدته العظيمة- أخي- وسافر رحمه الله إلى أمريكا- وعندما رجع منها صمم العمل للإسلام وألف كتابه أمريكا التي رأيت، وكتب فيه عن فضائح الحضارة الغربية- رحمه الله- وانتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين مما كان له أكبر الأثر في صفاء فكره الإسلامي، وفهم الإسلام فهما عميقا يندر ما تجد الآن من يكون عنده هذا الفهم العميق للإسلام وكان هو مفكر الحركة، وسجن وابتلى وعذب- رحمه الله - ولكنه كان ثابتا، وناقشه كثير من العلماء حتى يكف عن آرائه و اجتهاداته ولكنه كان مصمما خاصة في مسائل العقيدة والحاكمية.. وحوكم محاكمات شتى، وكان يستهزأ باستعلاء من الجاهلية ومن المحاكمات لأنه كان دائم الاتصال بالله بما نحسبه كذلك وطلب منه العفو مرات عديدة ولكنه كان يقول: إن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة يأبى أن يكتب كلمة واحدة يقر بها حاكم طاغية.. وكان يقول إن كنت مسجونا بحق فأرتضي حكم الحق وإن كنت مسجونا بباطل فأنا أكبر من أسترحم الباطل.
وكان دائم الاتصال بالقرآن، كثير القراءة والحفظ، وكان يوصي دائما بالتعامل من خلال القرآن والعمل بهذا القرآن -رحمه الله-.
وقبل إعدامه بيوم واحد بعثوا إليه - حميدة قطب- أخته حتى تجعله يعتذر للرئيس ولكنه ربت على كتفها وهو يقول: «لو عملت مع غير رب العالمين لاعتذرت، ولكن كيف أعتذر عن العمل مع رب العالمين، واطمئني يا حميدة إن كان الأجل قد انتهى فسينفذ حكم الإعدام، وإن لم يكن انتهى فلن يستطيعوا تنفيذه».
كان عنده يقين وثقة بالله تبارك وتعالى، وذهب إلى ربه مع إخوانه بما نحسبه شهادة في 29-8-1966 فرحمهم الله رحمة واسعة.
*من هذه الخلاصة السريعة لحياة الرجلين نستطيع تبيان بعض التشابه في الحياتين:
* فكلاهما رحمها الله، قد حفظ القرآن في سن مبكرة مما كان له أكبر الأثر في حياتهما. خاصه في التفسير سواء في تفسير ابن تيميه في الفتاوى، أو تفسير «الظلال» بل كان اعتمادهما واتصالهما بالقرآن الكريم لأنه الزاد الذي لا ينفذ مع السنة المطهرة.
* تعرض الإمام ابن تيمية -رحمه الله- لنقد شدید وهجمات وتهجمات عليه خاصة من أهل البدع والفرق من الصوفية والمعتزلة والخوارج.. إلخ بل حوكم أمام الحكام والقضاة بسبب أقواله في مسائل الاعتقاد والعمل «راجع - الحموية والتدمرية.. والواسطية» - وبالمثل تعرض أستاذنا - سيد قطب - رحمه الله لنقد شديد ومحاكمات شديدة وتعذيب وسجون بسبب أعماله وأقواله، ولقد خرجت أفكاره وأقواله من خلال القضبان متحدية الحديد والنار.. بل أعدم رحمه الله لسبب أقواله التي كانت مشعلا لرواد الحركة الإسلامية.
وكلا الرجلين ثبت على الابتلاء وما ذلك الثبات إلا لأنهما كتبا فيما يعتقدون وليس مجرد حشو كلام، فإنه لا يستطيع الإنسان الثبات على مبدأ إلا إذا أصبح هذا المبدأ عقيدة وجزءً من كيانه، وبذلك كان إمامنا وأستاذنا الجليلين، فإنهما كانا معتقدين اعتقادًا جازمًا بالمنهج الإسلامي والعقيدة الصحيحة- رحمهما الله.
*يعتبر الإمام - ابن تيمية - رحمه المجدد في القرن السادس الهجري بعد الركود الذي أتى على الأمة والخوف والهلع خاصة بعد هجوم التتار، وبالمثل يعتبر الأستاذ سيد قطب - مجددا للفكر الإسلامي كما كان حسن البنا -رحمه الله- مجددًا للدعوة الإسلامية.. لأن الرجلين وضعا قواعد وأصول لا تستغني عنها أي حركة إسلامية اليوم.
*الشجاعة كانت سمة من سمات الرجلين ذلك لأن الإيمان يذلل المصاعب والمتاعب ويجعل ما عدا الله هينًا لا خوف منه - هكذا كان من الإمام ابن تيمية عندما كان يكلم سلطان التتار، أو عندما كان يكلم القضاة والحكام - وهكذا كان من أستاذنا سيد قطب فلقد كان شجاعًا في كثير من المواقف وخاصة في السجون والمحاكمات.. بل كان باستطاعته النجاة بنفسه ولكن اتصاله بالله وشجاعته واستعلاءه على قوى الباطل جعلته يذهب إلى ربه بما تحسبه شهادة في سبيل الله.
* وكانت فترة السجن لهما منحة ربانية فلقد كان السجن خلوة لهما فلقد كان يقول ابن تيميه: «سجني خلوة، وطردي سياحة..» فهكذا كان ينظر ابن تيميه إلى السجن أنه خلوة، ولقد كان سيد رحمه الله -كذلك فلقد ألف أغلب الظلال- في السجن ومعظم كتبه القيمة ألفها في السجن.
*كلاهما لم يتزوج ومات عزبا.
* إلى كثير غيرها من الأمور التي بها تشابه في الحياة والعوامل المتشابهة التي أثرت في حياتهما.
وهناك خصائص في أسلوب الكتابة وعرض الأفكار:
1- المنهج السلفي عند ابن تيمية وسيد قطب:
-إن أصول المنهج السلفي هي:
1- تقديم الشرع على العقل.
2- رفض التأويل وأقوال أهل الكلام.
3- الاستدلال بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
هذه الأصول الثلاثة كان مما يميز كتابات الشخصيتين، ولنقطتطف اقتطافات لشرح هذه الأصول:
1- تقديم الشرع على العقل:
فيصف المؤمنين بأنهم «يتميزون عن المتكلمين بأنهم يبدأون بالشرع ثم يخضعون العقل له، ومن ثم فإنهم يقدمون الرواية على الدراية، والنظر العقلي. ولكنهم يدافعون عن أنفسهم بالقول إن العقل يتفق مع الشرع. وإن الأوائل كانوا أكثر فهما ودراية للشرع من غيرهم فالمعقول عندما وافق هديهم والمجهول ما خالفهم ولا سبيل إلى معرفة هديهم وطريقتهم إلا هذه الآثار» «1».
ومن يراجع كتابات ابن تيمية يجد هذه السمة واضحة خاصة في مسائل العقيدة فإنه يقدم الآية والحديث قبل أي كلام أخر.. أو العقل، فهو يقدم الشرع والنقل على العقل المحض.. راجع «نقض المنطق».
وفي الدرب سار أستاذنا سيد قطب به حيث قدم الشرع قبل العقل في كل شيء.
الفكر البشري -ممثلا ابتداءً من فكر الرسول - أو فكر الرسل كلهم -عليهم الصلاة والسلام - باعتبار أنهم جميعا أرسلوا بهذا التصور في أصله - لم يشارك في إنشائه وإنما تلقاه تلقیا، ليهتدي به ويهدي، وإن هذه الهداية عطية من الله كذلك، يشرح لها الصدور، وإن وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن هذا التصور، هي مجرد النقل الدقيق، والتبليغ الأمين، وعدم خلط الوحي الذي يوحى إليه من عند الله بأي تفكير بشري أو كما يسميه الله سبحانه بالهوى. «۲».
ويجعل الشرع هو الميزان في الرجوع فإن الفكر «كما يتلقى الحقائق الموضوعية في هذا التصور من المصدر الإلهي الذي جاء بها لا من أي مصدر أخر خارجه ثم هو الميزان الذي يرجع إليه بكافة ما يمن له من مشاعر وأفكار وقيم وتصورات في مجرى حياته الواقعية كذلك ليزنها عنده، ويعرف حقها من باطلها وصحيحها من زائفها» «۳».
«إن العمل بشريعة الله يجب أن يقوم ابتداءً على العبودية.. على الطاعة لله اظهارًا للعبودية له سبحانه فهذا هو الإسلام -بمعنى الاستسلام وبعد الطاعة يجوز للعقل البشري أن يتلمس حكمة الله بقدر ما يستطيع فيما أمر الله به أو نهى عنه، سواء بين حكمته أم لم يبينها» «٤»
إلى أخر ما يثبت به الاعتماد على الشرع في المسائل الدينية، ومن يقرا الظلال يجد هذه الظاهرة بارزة واضحة، يجد أنه دائما يصف العقل البشري بالنقص والجهل والقصور.
راجع مثلا فصل الربانية من كتابه القيم «الخصائص».
۲- الاستدلال بالآيات القرآنية والاعتماد على الكتاب والسنة
هذه أيضا ظاهرة بارزة في كتبهم فإنهم دائما يرجعان إلى الأصل وهو الكتاب والسنة قبل كل شيء. وهذا هو الأصل فإنه أساسا تعتمد في فهم الإسلام من مصدريه القرآن والسنة وليس هناك من الناس من يحيط علما وفهما بالقرآن الكريم من الرسول عليه الصلاة والسلام، ولذلك فإننا نجد أن ابن تيمية عندما يريد أن يعرض لأقوال المخالفين يقول: «ونحن نذكر ما يستفاد من كلام النبي صلى الله عليه وسلم مع ما يستفاد من كلام الله فيصل المؤمن إلى ذلك من نفس كلام الله ورسوله فإن هذا هو المقصود.
فلا نذكر ابتداءً اختلاف الناس، بل نذكر من ذلك في ضمن بيان ما يستفاد من كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وهذه المقتطفات على سبيل المثال لا الحصر وإلا من يراجع كتاباته في العقيدة مثل «الحموية والتدمرية» والواسطية ومجمل معتقد السلف وغيرها يجد هذا المفهوم واضحا فجزاه الله خيرا وأسكنه فسيح جنانه وتقبله برحمته وجمعنا وإياه تحت لواء سيد الدعاة محمد صلى الله عليه وسلم.
وبالمثل سار على درب القرآن والسنة أستاذنا البليغ الأديب سيد قطب -رحمه الله- فإنه رحمه الله يقصر تلقي المسلم العلوم الدينية على الكتاب والسنة حيث يقول «إن المسلم لا يملك أن يتلقى في أمر يختص بحقائق العقيدة، أو التصور العام للوجود، أو يختص بالعبادة، أو يختص بالخلق والسلوك والقيم والموازين، أو يختص بالمبادئ والأصول في النظام السياسي، أو الاجتماعي، أو الاقتصادي أو يختص بتفسير بواعث النشاط الإنساني وبحركة التاريخ الإنساني إلا من ذلك المصدر الرباني، ولا يتلقى في هذا كله إلا عن مسلم يثق في دينه وتقواه، ومزاولته لعقيدته في واقع الحياة «٥»
وهذا حق لا مريه فيه، فرحمه الله كان متشددًا جدًا في ناحية العلوم الدينية حيث إنه قصرها على إنسان موثوق بدينه وتقواه بل يكون عاملًا وليس مجرد عالم ولكنه عالم عامل فرحم الله أستاذنا رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
ونراه مرة أخرى في إثباته للمنهج السليم في استمداد التصورات والمعتقدات فيقول «إنما تستمد مقرراتنا من هذا الكتاب -القرآن الكريم- ابتداءً ونقيم على هذه المقررات تصوراتنا ومقرراتنا، وهذا هو وحده المنهج الصحيح في مواجهة القرآن الكريم» «٦» ... إلخ من الكلام المنشور في الظلال والخصائص أما في كتابه المعلم فانه ينادي الدعاة بأننا يجب أن نتجرد في فترة الحضانة والتكوين من كل مؤثرات الجاهلية التي نعيش فيها ونستخدمها، لا بد أن ترجع ابتداءً إلى النبع الخالص -القرآن والسنة - الذي استمد منه أولئك الرجال ...» «۷».
3- رفض التأويل الكلامي:
وهذه قضية خطيرة جدا تعرض لها إمامنا الكبير لأنها كانت منتشرة في عصره فقام يفند التأويلات الباطلة بأسلوب الاعتماد على الكتاب والسنة.
فيقسم الإمام ابن تيمية التأويل: بأنه:
1- صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح بقرنيه «أي بدليل».
٢- التفسير.
3- الحقيقة التي يؤول إليها الكلام. «8»
فنراه يرد على أهل التأويل ويعرفهم إلى القرآن والسنة مباشرة.
ويصفهم بأنهم يعتمدون على أهل الفلسفة وعلوم الكلام.
أما أستاذنا الكبير -سيد قطب- رحمه الله- فيستعرض تاريخ الفرق في كتابه- خصائص التصور الإسلامي - فيقول: «إن المشكلات الواقعية في العالم الإسلامي - تلك التي أثارت ذلك الجدل منذ مقتل عثمان رضي الله عنه، قد انحرفت بتأويلات النصوص القرآنية وبالأفهام والمفهومات انحرافا شديدا الخصائص ص ۱۲. إلى أن يقول «ومن ثم لم تعد تلك المصادر في ظل تلك الخلافات تصلح أساسا للتفكير الإسلامي الخالص» الذي ينبغي أن يتلقى مقوماته ومفوهماته من النص القرآني الثابت، في جو خالص من عقابيل تلك الخلافات التاريخية، ومن ثم يحسن عزل ذلك التراث جملة، عن مفهومنا الأصيل للإسلام ...» الخصاص ص ۱۲ - وعند تعرضه لآية الكرسي -في المجلد الأول في الجزء الثالث من سورة البقرة...
ولا حاجة بنا إلى كل ما ثار من الجدل حول مثل هذه التعبيرات في القرآن، إذا نحن فقهنا طريقة القرآن التعبيرية، ولم نستعر من تلك الفلسفات الأجنبية الغربية التي أفسدت علينا كثيرا من القرآن ووضوحه» «۹».
يتبع في العدد القادم
إن شاء الله
1 - المنهج السلفي عن ابن تيميه – مصطفى حلمي.
2- خصائص التصور ص 50
3- خصائص التصور ص ٥٢
4- الظلال م۳ ص ۲۹
5 - المعالم /126
6 - الخصائص ص ١٥
7-المعالم ص 18
8- راجع التدمرية ص ٣٣ والحموية ص ٢٢
9- الظلال م١ ص ٤٢٤
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل